كلمة ‘فلسطيني’ في التوراة تأتي في مناسبات عديدة بمعنى شخص (شرير). ولما كانت التوراة تشكل جزءا مهما من التراث الفكري في اوروبا وامريكا فان نفس هذا المعنى السيء لكلمة فلسطيني ما يزال مستعملا حتى الآن في اللغة الانكليزية. فاذا قال أحدهم ان فلان (فلسطيني Phillistine) فهو يعني أنه انسان سيء الخلق، غريب الاطوار، ومن الافضل ان لا يؤتمن على شيء. ومن الغريب أن هذه الكلمة وبهذا المعنى أسمعها هذه الايام تتردد من الراديو والتلفزيون برتابة مملة. وغالبية الناس هنا أي في بريطانيا لا يلاحظون ذلك، لأن المعنى يدخل في عقلهم الباطن ويتمثله فكرهم فيصبح جزءا من تركيبتهم النفسية من دون وعي منهم، فيكرهون الفلسطيني وهم لا يعرفون السبب في ذلك. ولكن هذا لعمري هو جزء من الحملة المركزة الذكية التي يشنها الصهيونيون لتشويه سمعة الفلسطيني، ولكي يهيئوا الناس في اوروبا وامريكا للوقت المناسب الذي يقضون فيه قضاء تاما على الشعب الفلسطيني، بحيث انه عندما يحدث هذا الامر لا يلومهم على ذلك احد، بل قد يهنئونهم عليه. وهم يجنون الفائدة بالنسبة لهم في الوقت الحاضر أيضا اذ يقومون بتعذيب الفلسطينيين واضطهادهم وظلمهم كما رأينا في غزة على مرأى ومسمع من ‘الشرعية الدولية’ فيحوّل العالم وجهه الى الجهة الاخرى حتى لا يرى ولا يسمع شيئا.. الا من عصم ربك. ويرجع تاريخ هذه الكلمة بهذا المعنى السيئ الى الوقت الذي دخل فيه العبرانيون القدامى الى ارض كنعان، فقد كان هذا هو اسم بلاد فلسطين في ذلك الحين، أي قبل حوالي ألف سنة قبل الميلاد. ووقف الفلسطينيون في القسم الجنوبي من ارض كنعان وعاصمتهم غزة يحاربون الدخلاء الغزاة ليمنعوهم من احتلال بلادهم. ونجح الفلسطينيون في ذلك ولم يستطع العبرانيون أن يأخذوا غزة عاصمة الفلسطينيين آنذاك، فلذلك أعطوا كلمة (الفلسطيني) هذا المعنى الظالم، مع أن الفلسطينيين كانوا أرقى كثيرا وأكثر حضارة من العبرانيين في ذلك الحين. والآن ها هو التاريخ يعيد نفسه، فالفلسطينيون الذين يدافعون عن ديارهم اليوم هم حسب التعبير العبري، ارهابيون. فالحال اذن لم تتغير كثيرا عما كانت عليه قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة وهنا موطن الغرابة، فاليهودي الذي تقدم علميا واصبح قادرا على ان يسيطر على اقتصاد وعقول الاوروبيين والامريكان لا يزال هو كما كان فكريا ونفسيا يتبع ما كان اجداده القدامى يتبعونه في القرون السحيقة ويطبق نفس الاساليب على نفس الناس وفي نفس المكان.. انما.. بقيت غزة واقفة شوكة في حلقهم.. وستبقى كذلك ان شاء الله. د. فؤاد حداد -لندن