كريستوفر مارلو: الأكثر تشككاً من شيطان

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: «إذهب وعد في هيئة راهب فرانسيسكاني عجوز، فتلك الهيئة المقدسة أكثر ما يليق بشيطان». (فاوست)
«أفضّل أنا اليهودي أن يكرهني الناس على أن يشفقوا عليَّ وأنا مسيحي فقير، لأني لا أرى ثماراً في عقيدتهم كلها، إلا الخبث والغش والغرور المفرط». (يهودي مالطا)

الكثير يربط ويعقد مقارنة مستمرة بين شكسبير (1564 ــ 1616) وكريستوفر مارلو (1564 ــ 1593) حتى إن البعض بالغ في الأمر وجعل من مارلو اسماً مستعاراً استخدمه شكسبير لفترة من الزمن! لكن شخصية مارلو وحياته القصيرة المتوترة ظهرت بشكل واضح في أعماله المسرحية، شخصيات حقيقية تواجه معتقدات وأفكار عصرها في حدة وسخرية، ولا أمل لها في عقد هدنة أو مصالحة ولو لبعض الوقت، يتجلى ذلك دون مواربة ـ كما في أعمال شكسبير ـ في كل من مسرحيات «يهودي مالطا» «تمبرلين» و»فاوست» هذه الأعمال التي كانت انعكاساً صادقاً لحياة الرجل وأفكاره.

حياة متوترة

للمصادفة ولد مارلو في العام نفسه الذي ولد فيه شكسبير، لكن حياة مارلو القصيرة وطبيعتها، التي انتهت بمقتله في مشاجرة في إحدى الحانات، كان لها الأثر في صياغته لشخصياته المسرحية. ولد مارلو لأسرة فقيرة، حيث كان والده إسكافياً، وكان هو من هواة الشغب ومعاشرة اللصوص، أو الفئات الضالة في مجتمعه، لكن ذلك لم يمنعه من التفوق الدراسي، وأن يحصل على منحة التحق على إثرها بجامعة كامبريدج، مكان تعليم صفوة المجتمع الإنكليزي. من ناحية أخرى يُشاع أنه عمل جاسوساً على الكاثوليك لخدمة الملكة إليزابيث البروتستانتية، إضافة إلى اتهامه بالإلحاد. هذه الحياة الصاخبة بأحداثها وانعكاسها على شخصية مارلو تجسدت في نصوصه بشكل كبير، حيث الشخصيات تسخر من التعاليم الإنجيلية، وتزدري السلطة وتنتهك القواعد، تماماً كحال صاحبها.

مأساة فاوست

بداية تعد أعمال مارلو حلقة الوصل بين المسرح الأخلاقي والإليزابيثي، إضافة إلى المسرح اللاتيني، كالعنف المُستمد من أعمال سينيكا، كما في عمل مارلو (مذبحة باريس). وتعد (مأساة فاوست) الأكثر شهرة في أعمال مارلو، وكانت مُجسّدة لأفكاره الانتقادية لمعتقدات عصره. ففاوست مارلو هي المعالجة المسرحية الأولى للحكاية التي أصبحت شعبية في عصره، والتي جاءت في معالجات كثيرة، ربما فاوست غوته هي الأكثر شيوعاً. ففاوست هنا تأتي تمجيداً لعاطفة عصر النهضة تحت شعار العلم اللامحدود، ومن هنا جاءت شخصية فاوست تعبيراً عن الانفلات من القيود الدنيوية وحيازة القدرة الكلية، فوهب روحه إلى الشيطان ليصبح إنساناً خارقاً، فلا توجد مغفرة، بل لعنة أبدية، هي ضريبة التجربة/المعرفة. الأمر أشبه بالإنسان المتفوق الذي بشّر به نيتشه في ما بعد.
من ناحية أخرى تبدو محاولة الفصل بين الروح والجسد محاولة فاشلة، وهو ما يُمثل نقداً حاداً للمعتقدات المسيحية، حتى لو في شكل إدانة ظاهرة لفاوست وموقفه، ما جعل الكنيسة وقتها تظنها مسرحية وعظية، فقامت بالترويج لها ـ الفكرة نفسها في فيلم بازوليني (إنجيل متّى) الذي قابله البابا لتحيته بسببه، لكن بازوليني في الفيلم جعل من المسيح رجلا اشتراكيا يقدم وصاياه وتعاليمه من منظور بازوليني ـ كذلك ناقش مارلو فكرة إنكار الجحيم وحتى الجنة، وأنهما فقط أفكار ذهنية، هذا الذهن الذي لا يمكن أن يتنازل عن الرغبة في معرفة المزيد، حتى لو كانت معرفة وهمية، وحتى عندما يدرك أن طبيعته الإنسانية هي ما يدينه، فهو لا يقوى على أن يكون إلا ما هو عليه، وفي ذلك تكمن المأساة. ليبدو فاوست ـ الأكثر تشككاً من الشيطان نفسه ـ صورة لتمجيد الإنجازات الدنيوية والطموحات البشرية، بعيداً عن أي سلطة أو معتقد ديني.

مارلو الآخر

يُشير علاء العطار في مقال بعنوان (الاغتراب والحرية في مسرحيات كريستوفر مارلو) إلى فكرة لافتة يمكن من خلالها تفسير ذكاء مارلو في أعماله، وأنه يمرر ما يريد قوله من أفكار يصعب تداولها في مجتمعه وقتها على لسان شخصيات لن يستطيع هذا المجتمع توجيه اللوم إليها، فهي شخصيات تمثل (الآخر) بالنسبة للمجتمع الإنكليزي، والأعمق من ذلك أنها تمثل مارلو نفسه، الذي كان يرى أنه (آخر) في هذا المجتمع، ولنعود إلى نشأته والمفارقة بين هذه التنشئة ومستواه التعليمي، ومدى التوتر ما بين المناخين، فالشخصيات أجنبية عن المجتمع الإنكليزي، وبالتالي يتحدث مارلو من خلالها بحرية كبيرة .. تيمورلنك، باراباس، فاوست، فالأول البعيد عن وطنه له الحرية في سن قوانينه الخاصة والعيش بموجبها، واليهودي هذا المختلف له أن يوجه انتقاده الحاد للدين المسيحي، فهو حُر في قول ما يشاء، دون عقاب لأنه في نظر الجمهور الإليزابيثي كان يتصرف كـ(يهودي) وصولاً إلى فاوست الذي يتجرأ ويعقد صفقة مع الشيطان أمام جمهور متدين، تماماً كمارلو الذي يرى نفسه آخر، بحيث يجد صورته في دراما هؤلاء.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية