لندن ـ “القدس العربي” ـ إبراهيم درويش
في الأردن يقول الناشطون إنهم تعلموا من دروس الربيع العربي. ويعلق تايلور لاك في تقرير بصحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” أن الناشطين العرب ومنذ عام 2011 يبحثون عن صيغة دائمة يتمكنون من خلالها الضغط على حكوماتهم. ويبدو أن المحتجين الأردنيين الذي رفضوا التحزب عثروا عليها و. وجاء تقرير لاك في ظل الحراك الأردني الذي أدى لاستقالة رئيس الوزراء هاني الملقي بعد موجة غضب عارمة اندلعت في كل أنحاء البلاد احتجاجا على الضريبة وسياسات التقشف. وعين الملك عمر الرزاز رئيسا جديدا للحكومة وكلفه النظر في المعايير الضريبية.
وبدأ لاك تقريره بالقول إن الرجال والنساء الذين يحتجون كل ليلة في شوارع الأردن ممتلئين بالطاقة والمثالية. وهم شباب واعون سياسيا وبعناد غير حزبيين ومحصنون بالحكمة التي يعتقدون أنها مصدر قوتهم الكبرى والقائمة على فهم متأخر لفشل الربيع العربي. ويتساءل الكاتب إن كان هذا الجيل غير المتحزب والمتعلم من فشل الماضي إن كان على قدر من التمرس والتحمل بدرجة يستطيع من خلالها إحداث التغيير الحقيقي في هذه المملكة المحافظة سياسيا والمثقلة بالمشاكل الاقتصادية؟ ويجيب أن ما بدأ إضرابا قصيرا على فرض ضريبة الدخل الأسبوع الماضي تطور إلى حركة احتجاج واسعة في كل الأردن.
وحقق المحتجون يوم الإثنين أول انتصاراتهم وهي استقالة الملقي. ولكن المحتجين الذين يتجمعون كل ليلة بعد إفطار رمضان ولليلة الخامسة قالوا إنهم في البداية فقط. ويعلق الكاتب إن هؤلاء الشباب هم مثل الذين احتجوا مطالبين بالديمقراطية والحرية عام 2011، فهم شباب متعلمون عاطلون عن العمل أو في أعمال لا تلبي طموحاتهم. وعند هذه النقطة تنتهي المقارنة. فالمحتجون الجدد خرجوا إلى شوارع الأردن احتجاجا على قانون ضريبة الدخل المقترح والذي زاد الضريبة بنسبة 5% على الفرد وما بين 20-40% على الشركات، هم في الأعم الأغلب مستقلون، اي لا علاقة لهم بالأحزاب السياسية التقليدية ولهذا السبب تجنبوا اللغة السياسية او المطالب التي قد تفرق بين الأردنيين. فبدلا من أن يقودهم رجال في السبعينات من أعمارهم يمثلون جماعات مثل الإخوان المسلمين أو الحزب الشيوعي فإن المنظمين والناشطين المشاركين هم في العشرينات أو الثلاثينات من أعمارهم، ويقولون إن الحرس القديم ليس مرحب به. ونقل عن محمد حسين، 26 عاما “هذه حركة أردنية للدفاع عن القضايا الجوهرية، التي تؤثر على كل الأردنيين: الضريبة والبطالة والفساد” و “لا نريد من أي جماعة اختطاف هذه الحركة لأغراضها الخاصة”. والناشطون واعون للتاريخ القريب عندما قامت الحركات الإسلامية باختطاف موجات الربيع العربي بشكل أدى لاستقطاب إسلامي/علماني و قومي/ معارض. ويقول لاك إن المحتجين في الشوارع خلال الأيام الماضية لم يهتفوا مطالبين بالحرية أو العدالة الاجتماعية ولا الإصلاحات السياسية او “تغيير” النظام. كما ولم يطالبوا بتغييرات بنيوية في النظام السياسي، وهي نقاط تتداولها الأحزاب المعارضة التي تصر على تكرار عبارات لا أهمية لها بين الجيل الشاب. ويرى الناشطون أصحاب التجربة أن الوقت ليس ناضجا للتغيير ولا يطالبون والحالة هذه به ويحتفظون بأفكارهم لأنفسهم من أجل الوحدة الوطنية. ومن هنا تركزت مطالب الشباب على الاقتصاد: عزل رئيس الوزراء وإلغاء سياسات التقشف التي أدت لفرض الضريبة على المواد التي تتراوح ما بين العدس إلى الأدوية فيما ارتفعت أسعار الوقود خمسة أضعاف خلال الأشهر الخمس الماضية. وبحسب نور فريج 30 والذي شارك في احتجاجات الربيع العربي “عندما نتحدث عن الإصلاح والحرية ينقسم الناس لأن كل شخص لديه تفسيره” و “اليوم عندما تتحدث عن أمر عام مثل الضريبة أو الفساد والأسعار فنحن متحدون” و “لن نعرض الوحدة للخطر هذه المرة”. ويرى موسى شتيوي، المحلل ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الأردن: ” هؤلاء شباب متعلمون ينتمون للطبقة المتوسط ويعلقون على ما يجري من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وهم الآن يترجمون الاحتجاج على الإنترنت إلى احتجاجات حقيقية”. ويقول المحللون إن غياب الأحزاب السياسية هي جزء من رفض الشبان للأحزاب التقليدية الأردنية والأيديولوجيات. ويقول شتيوي:” شعر هذا الجيل بالخيبة من السياسة والأحزاب التقليدية والسياسات التي طبقتها الحكومة” و “هذا وضع منعش للأردن”. ويشير لاك إلى أن أحمد صادق، 29 عاما تاجر شاب قام بنقد سياسات الحكومة على “فيسبوك” و”وتساب” لأنها تؤثر على عمله.
وقضى صادق عامين يعمل في النجارة في نيومكسيكو قبل أن يقرر العودة للأردن وفتح محل لتجديد المطابخ في عمان، العام الماضي. وبعد ستة أشهر من بدء عمله رفع الحكومة الضريبة. وزادت مصاريف النقل بعد زيادة أسعار الوقود وتراجعت الطلبيات نتيجة لهذا. وعندم علم يوم الجمعة عن تظاهرات قرر المشاركة فيها ولأول مرة في حياته. وقال: “نحن لسنا هنا لنمارس السياسة بل لأننا لم نعد نحتمل ونريد حلولا” مضيفا أن الوضع الاقتصادي يؤثر على كل أردني مهما كانت طبقته الاجتماعية. وبسبب غياب الأحزاب السياسية أو لغة انقسامية فقد كان تعامل قوات الأمن مع المحتجين مختلفا. وانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور المحتجين وهم يسلمون على قوات مكافحة الشغب بل وتناول الإفطار معهم. وفي هذه الأجواء المهرجانية رقص المحتجون وهتفوا وغنوا وبعضهم عزف على العود أو نفخوا في “فوفوزيلاس” وهتفوا كمشجعي فرق كرة القدم. وتجمع في التظاهرات الشباب بشعورهم المصفوفة على شكل كعك ومن ارتدوا الجينز والعباية والحجاب والثوب. وارتفعت الهتافات التي تهدد الفساد والفاسدين وأن الأردنيين ليسوا جنباء. وبدلا من المطالبة بتغيير الملك دعاه المتظاهرين إلى تنظيف البيت وكانت رسالة الملك لعمر الرزاز واضحة وتستجيب لمطالب المتظاهرين بضرورة مراجعة نظام الضريبة غير العادل.