جمال بن سماعيل
يتفحص عزيز وجهي، مُبتسماً ومُتلفظاً بكلمة: «هفالا» بمعنى شكراً. تلك هي أول كلمة تعلمها بالسلوفينية، منذ وصوله إلى ليوبليانا، قبل عامين ونصف العام، في عز جائحة كورونا. يستلم مني علبة شوكولاته، احتفاءً بعيد ميلاده الرابع والعشرين، فلا أصدقاء له في غربته ولا عائلة، ولم أنتبه إلى عيد ميلاده سوى حين نقلته إلى المستشفى بسيارتي، يوم عانى من تسمم غذائي، فنُبت عنه في تعبئة استمارة طبية. هو لا يتقن لغة ذلك البلد، مثلما لا يتقن أي لغة أجنبية أخرى، مما نصب في وجهه حائطاً من أجل نيل شغل مُحترم، مكتفياً بعمله، الذي يترفع عنه أوروبيون، جنب مقبرة. لا خيار له غير مُجاورة الموتى. فالظفر بعمل في بلد مثل سلوفينيا يستلزم إلماماً بالحد الأدنى من اللغة المحلية، وهو شرط لم يفكر فيه حين وصل إليها، بعد رحلة برية، من تركيا إلى بلغاريا، مختبئاً في شاحنة نقل بضائع. «حين نزلت من جوف تلك الشاحنة كنت بلون الفحم» يتذكر ويضحك. لكن فرحته كانت أكبر من تفكيره في مظهره. تطلع حينذاك في «جي. بي. أس» وما إن أدرك أن قدماه قد وطأتا أرضاً من أراضي الاتحاد الأوربي، هانت عليه المشاق كلها. نسي الأيام الطويلة التي قضاها في إسطنبول ثم أدرنة، يقتات من نشل موبايلات أو من اختلاس بسكويت من المتاجر أو من مقايضة ملابس مستعملة بسندويشات. الوصول إلى «جنته» خفف عليه ما قاساه. فواصل السير، مشياً أو ركوبا في حافلات أو قطارات، مروراً بثلاثة بلدان أخرى، إلى أن وصل سلوفينيا، حيث أوقفته الشرطة، ومنعته من مواصلة الطريق إلى ألمانيا، ما اضطره إلى تقديم لجوء، رُفض ـ في بادئ الأمر ـ فقدم استئنافاً، ولا يزال في ليوبليانا مترقباً النظر في طلبه.
«إذا لم يقبلوا استئنافي فلن أقبل أمرهم بترحيلي» تأفف وهو يجلس قبالتي في هذا المقهى المطل على نهر يشق المدينة نصفين، ثم فتح علبة الشوكولاته، فشرع في قضمها، بأسنانه التي أخذت في الاصفرار من كثرة التدخين، وهي يروي لي ما حصل معه في اليوم الفائت في عمله، حيث يقوم بتفتيش الجثث وتخليصها من المرفقات أو من الأغراض المعدنية أو الثمينة، قبل حرقها في كريماتوريوم، مستغرباً أن حزن السلوفينيين على ذويهم أقصر أمداً من حزن الجزائريين على أمواتهم،
«بل رأيت شابين يتجهان إلى مطعم، بعد دفن والدهما، وهما يضحكان». وددت أن أخبره بأنهما على حق، فالميت لا يحتاج إلى من يحزن عليه، لكن عزيز محشو القلب بتنشئة دينية، يستشهد في كلامه بآيات وأحاديث، وصعُب عليّ إقناعه بأن المقارنة بين الجزائريين والسلوفينيين إزاء الموت ليس فعلاً صائباً. بعدما أتم الشوكولاته، وأردفها بفنجان قهوة مُحلاة بمعلقتي سكر، أخبرني عن نيته في الارتحال إلى مسكن جماعي آخر، برفقة سوريين، متحججاً من كثرة الهرج والمرج في مسكنه الحالي برفقة جزائريين ومغاربة. اقترحت عليه أن يعود إلى مركز اللجوء، قصد توفير المال، لكنه أبى، بسبب شدة اكتظاظ المكان، مقنعاً حاله أن إقامته في ليوبليانا ليست سوى «ترانزيت» ويتحين فرصة الوصول إلى ميونيخ، حيث يقيم قريب له، وعده بحياة أفضل، وعمل أعلى راتباً وأقل جهداً. ولم تخلُ كلماته وتعليقاته ـ كالعادة ـ من السؤال عن أحوال الجزائر، عن أخبار السياسة والكرة. لقد هجر البلاد لكنه متشبث بأخبارها. قبل أن يروي لي حكاية، أخفاها عني في الأيام الماضية، مثلما أخفيت عنه فضولي إزاء عمله في مكان وثيق الصلة بتاريخ الحضارة الأوروبية.
دمقرطة الحرق
يتقاضى عزيز راتباً بنظام الساعة، لا يعنيه سوى دفع إيجار السكن واشتراك الإنترنت من أجل التواصل مع أقاربه في الجزائر، لا يهمه تاريخ حرق الموتى، الذي ساد في روما القديمة كنوع من التفرقة العرقية، فالسادة والأثرياء كانوا يحرقون جثث موتاهم، بينما العبيد والبسطاء يُدفنون في قبور جماعية. طفا حينذاك الاعتقاد أن الثري يتحول رماداً كي لا تُخالط جثته تربة مشى عليها من هم أقل شأناً منه. لكن مع وصول المسيحية، بدأت المعتقدات في التغير، وصار الدفن مقدساً، تشبهاً بالمسيح، فلم يكن من الممكن أن نتخيل روحه قد صعدت إلى السماء في حال حرق جثمانه، بل وجب دفنه، وهكذا سار الناس على النهج ذاته، استبدلوا الحرق بالدفن. وعندما استوى شارلمان على عرش الإمبراطورية الرومانية المقدسة، عام 800 للميلاد ـ وهي إمبراطورية ضمت في إقليمها أرض سلوفينيا الحالية ـ استعان بفنانين وعلماء وشعراء في منع الناس من حرق الموتى، معتبراً أنها ممارسة وثنية، فلم ينجحوا في مهمتهم، ما حدا به إلى إصدار أمر بالمنع، وغرضه من ذلك توحيد الإمبراطورية برمتها تحت راية المسيحية.
يتقاضى عزيز راتباً بنظام الساعة، لا يعنيه سوى دفع إيجار السكن واشتراك الإنترنت من أجل التواصل مع أقاربه في الجزائر، لا يهمه تاريخ حرق الموتى، الذي ساد في روما القديمة كنوع من التفرقة العرقية، فالسادة والأثرياء كانوا يحرقون جثث موتاهم، بينما العبيد والبسطاء يُدفنون في قبور جماعية.
مع ذلك فإن القرار لم يحل دون وجود محارق سرية، ولم تعد تلك الممارسة إلى العلن إلا مع نهاية القرن التاسع عشر، قبل أن تتسع مطلع القرن العشرين مع إزاحة الكنيسة عن الحياة العامة، ما اضطر الفاتيكان إلى الإقرار بحق الناس في حرق موتاهم بدءاً من عام 1963. في السنوات الأخيرة، زاد الإقبال على الكريماتوريوم، نظير ما يوفره من خاصيات أفضل من الدفن، فالحرق عملية أقل تكلفة من جنازة دينية، كما إنه سلوك بيئي، يُريح الناس من اكتظاظ المقابر. تلك المقابر التي تقع في الغالب خارج التجمعات السكنية، فيكتفون بنثر رماد أهلهم في حديقة أو يردمونه في حفرة أو يحتفظون به في زجاجة. البروتستانتيون أيضاً ساروا في تقبل حرق موتاهم، عكس الأرثوذوكس الذين يمتنعون عنه، تماماً مثلما هو الحال في الإسلام واليهودية. هكذا هو المشهد الديني في أوروبا إجمالا وكذلك سلوفينيا، وعزيز، المهاجر غير الشرعي، العامل في كريماتوريوم يضع قدماً في هذا التاريخ الأوروبي دون أن يولي للأمر أهمية.
استعادة جمال بن سماعيل
مطلع أغسطس/آب 2021، عمت الحرائق غابات ولاية تيزي وزو، وهبت حملات مساعدة المتضررين من بقاع البلاد المختلفة. في الحادي عشر من الشهر نفسه، تداول رواد فيسبوك فيديو صادما، يظهر فيه المئات من الشبان الغاضبين، من بلدة الأربعاء نايث إيرثن، يطوقون مركبة شرطة، كان قد اعتقل في داخلها شاب وطالبوا بالقصاص منه بتهمة إضرام النيران. لم يطل الحال أن سحبوه إلى الخارج وانطلقت حفلة فظاعة، في تعنيف الشاب، ثم حرقه. كان اسمه جمال بن سماعيل، وتحولت قصته المأساوية ـ وهو الذي جاء للمساعدة في إخماد النيران ـ إلى صدمة في عقول الجزائريين. صورة جمال بن سماعيل طفت على بال عزيز وهو يحكي لي ما حصل معه. فقد هيأ جثة شاب للحرق، في صبيحة اكتظت فيها الجثث، سحب منها ممتلكاتها، وبعد أن صارت الجثة رماداً، تفطن إلى أن حقيبة نقود الميت احتوت أورقاً نقدية من فئة ألف دينار جزائري. «هل أحرقت جزائرياً؟» سألني بعينين نصف مغمضتين، وهو ينكمش ببدنه النحيف في الكرسي وقد امتنع عن مواصلة قضم الشوكولاته. لم أعرف كيف أرد عليه، فهو يعلم مثلي أن الشرطة كلما عثرت على مُهاجر غير شرعي ميتاً، مع عدم التعرف إلى هويته، أو لم يُطالب ذووه بجثمانه، يُحال إلى الكريماتوريوم. كثير من المهاجرين السريين انتهى أمرهم إلى هذا الشكل. لم أبرأ من فاجعة جمال بن سماعيل قبل أن أصادف حكاية عزيز مع جثة الجزائري ـ كما يعتقد. لا ذنب له في ما حصل، هكذا وددت طمأنته، فهو مُرغم على ذلك العمل، وليس من صلاحياته معرفة هوية الجثة التي ستُلقى في الفرن. لكن الشيء الذي تأكدت منه، في تلك الساعة، أن رغبته في هجر مسكنه، الذي يُشاركه فيه جزائريون، ليس «الهرج والمرج» كما قال، بل شعوره بالذنب، خوفه من أن يفضحه لسانه وإحساسه بالمشاركة في حرق جزائري.
إلى اليوم كلما قابلت عزيز، يسألني: «هل تظن أنها كانت جثة جزائري؟». أظنه قام بعمله، كما وجب عليه أن يفعل، هكذا هو حال كل مهاجر غير شرعي، يطبق ما يؤمر ولا حق له في مناقشة أو إبداء رأي، وكلما طفا شجن على ملمحه، دعوته إلى قطعة شوكولاته أخرى، فينحرف حديثنا إلى السياسة والكرة بدل استرجاع روائح الموت في الكريماتوريوم الذي يشتغل فيه بضع ساعات كل يوم.
روائي جزائري