ابراهيم درويش
رواية الكاتب الانكليزي ايان ماكيوان كفارة صدرت عام2001 وعولجت سينمائيا في فيلم حظي باهتمام اعلامي كبير خاص ذلك انه كان من ضمن عروض مهرجان البندقية في ايطاليا وكان حديث الموسم في الاوساط الفنية والثقافية البريطانية. واعتبر نقاد الفيلم الذي اخرجه جوي رايت وكتب نصه كريستوفر هامبتون رائعة كلاسيكية وهو حديث مبالغ فيه لكن لا يعني ان المخرج لم يقدم فيلما جميلا حاول فيه ان يكون مخلصا لنص الرواية وامتلك القدرة علي تقديم جماليات عالية عن الريف الانكليزي وموضوع الطبقة خاصة ان هناك شيئاً في الانكليز هو هوسهم بفكرة الطبقة. الريف يحضر في الجزء الاول الذي دارت فيه معظم احداث الفيلم وقدم فيه كل من جيمس ماكفوي وكييرا نايتلي اداء جيدا (ماكفوي لعب دور الطبيب الانكليزي في فيلم ملك اسكتلندا الاخير عن الرئيس الاوغندي الراحل عيدي امين) وفي كفارة دور روبي ابن مدير المزرعة، اما كييرا نايتلي فقد لعبت دور سيسيليا تاليس ابنة صاحب المزرعة الارستقراطية. الفيلم والرواية يدوران حول فكرة التوبة والتكفير عن ذنب كبير. وهو في النهاية فيلم رومانسي عن الحب والهجران وعن الحرب وعن اخطاء الطفولة. وهو فيلم عن ابطال يريدون ان يحكوا لنا حكاياتهم. احداث الفيلم تدور في فترة زمنية ما بين 1935 ـ 1945 اي سنوات ما قبل الحرب العالمية واثناءها. اذ تحدد احداث عام 1935 او قل حادث في هذا العام سياق واحداث الفيلم، والرواية ايضا هي عن بريوني شقيقة سيسليا الصبية في عمر الثالثة عشرة تحاول التغلب علي ضجرها بكتابة مسرحيات وتطلب من ابناء عمومتها تمثيلهاوتقديمها ممسرحة وعندما تجد ان لا احد منهم يهتم بها تقوم بعمل اخر وهو التجسس علي اختها سيسيليا وتفسر خطأ علاقتها مع روبي، بريوني ( سواريس رونان) تقوم بمراقبة اختها وروبي الذي كان يحضر للدراسة في جامعة كامبريدج ويتخصص في مجال الطب بريوني تتبني الكثير من الافتراضات الخاطئة التي ستقود للكارثة فخيالات الطفلة الجامحة تقود الي تغيير في الاقدار فسوء فهمها لطبيعة العلاقة بين روبي وسيسليا في قلب مشكلة الفيلم اذ تري ان العلاقة من جانب واحد وانها مفروضة من جانب روبي علي اختها. سنعرف لاحقا ان بريوني كانت معجبة بروبي لدرجة انها رمت نفسها في النهر لكي تختبره ان كان سيقوم بانقاذها. بريوني تحمل كل مواصفات الطفلة الاشكالية والمضطربة وغير الراضية بحياتها وهذه المواصفات هي التي تقود الي الحادث الذي سيحدد مصير العلاقة بين روبي وسيسليا والذي حدث عندما يحضر شقيقها ليون ومعه صديق اسمه بول مارشال ويدعوان روبي للعشاء في تلك الليلة يختفي قريباها الصبيان الشقيقان اللذان يروعان شقيقتهما لولا ويهربان وتبدأ بعدها عملية بحث عنهما. في اثناء البحث تجد بريوني ان قريبتها لولا كانت مع شخص اما انه كان يغتصبها او كان يمارس الفعل الشنيع معها عن رضاها. يهرب الشخص هذا مع ان بريوني كان لديها الوقت للتعرف عليه الا انها تقنع قريبتها ان الشخص هذا هو روبي ربما لانها شاهدته مع اختها قبل العشاء في المكتبة وهما في وضع حميمي. عندما يحضر روبي مع الولدين تكون الشرطة في انتظاره بعد ان شهدت ضده يريوني. ومن هنا تبدأ مرحلة جديد في الفيلم.
يتنقل بعدها روبي للقتال في الجبهات. نعرف انه خير بين السجن والخدمة في الجيش ليختار الذهاب الي فرنسا. بالنسبة لسيسليا فانها ترحل عن البيت وتصبح ممرضة. وتواصل رسائلها الي روبي في الجبهات تدعوه للعودة اليها. وفي مشهداً ينقل اجواء الحرب في لندن يلتقي روبي مع سيسيليا قبل ان يذهب الي فرنسا ينقل الينا رايت مشهداً عن مقهي وطقوس شرب الشاي. اعتمد رايت علي الخلط بين المراحل التاريخية والتقدم مرحلة او العودة الي الوراء مرة اخري حيث نعرف ما حدث لكن تفاصيل ما حدث تتوضح في مشاهد لاحقة مما يمنح المشاهد فرصة للتعرف علي وجهة نظر كل شخصية. عدسة رايت تنقل جماليات الريف الانكليزي وتلوناته في الصيف. وبعدها ينقل الينا اجواء الحرب وتراجع الحلفاء في معركة دانكيرك وسقوط فرنسا في يد الالمان. حشود من الجنود ينتظرون وصول التأمينات، جنود يقومون بقتل خيولهم وآخرون يتلفون السيارات، جنود يلعبون او يغنون الاغاني الوطنية والدينية، سفن تنتظر الاقلاع مشهد الحرب والدمار وروبي ورفاقه الذين انضموا للحشد في كآبته وفظاعته ينقل صورة عن جبهات القتال والتي تتداخل في ذاكرة وخيالات روبي الذي جرح في المعركة وظلت ذكريات ذلك الصيف تلاحقه، يوم ان كسر قارورة الورد العتيقة، وقامت سيسيليا بالغوص شبه عارية في حوض الماء لالتقاط قطعة من القارورة وهي التي تعود الي القرن الثامن عشر وصنعها مصمم وفنان معروف، يومها عاد روبي لبيته من اجل التحضير لحفل العشاء ارتداء بدلته التي حضرتها له امه وتلميع حذائه، وقبل ذلك كان عليه ان يجرب عددا من المسودات لكي يكتب رسالة اعتذار لسيسيليا عما حصل بجانب حوض الماء. قبل ان يخرج من البيت في الطريق الي البيت الكبير تأكد من ان ولاعته التي يشع فيها سجائر من نوع بلشفيك تعمل بشكل جيد، وذلك كي ينجح في فحص الدخول والتعامل مع الارستقراطية الانكليزية.
صور ذلك اليوم وقراره المتعجل بأن يرسل الرسالة مع بريوني لكي تكون في يد سيسيليا قبل وصوله تلاحقه في الجبهات يستعيدها في كل لحظة وحين، وهو قرار يعرف انه لم يكن صائبا لان بريون تفتح الرسالة وتطلع علي ما فيها. كان روبي جريحا في الجبهة وظل متمسكا بأمل العودة الي لندن ولقاء حبيبته. وفي لعبة خداع يقوم بها الكاتب والمخرج يوهماننا ان هذا اللقاء قد تم في بيت متواضع في لندن حيث كانت سيسيليا تعيش. وهذا المشهد هو جزء من عملية خداع في الفيلم اذ يوهمنا بالامل وان اللقاء قد تم بين محبين كتب عليهما التفرق والعذاب وهو ما لم يتم في حقيقة الزمن الروائي لان كليهما يموت، روبي بسبب جراحه وسيسيليا بسبب انفجار في نفق ولكن كيف عرفنا ان هذا هو حقيقة ما حدث لهما عرفناه من بريوني الصوت القوي في الرواية والتي تتطوع بعد الحادث للخدمة في سلك التمريص كمحاولة للتكفير عن ذنبها وهي وان لم تتخل عن طموحها لكي تصبح كاتبة الا انها ظلت تحاول الاتصال بأختها للاعتذار عن ف.
بريوني نقابلها مرة ثانية وقد بلغت الثامنة عشرة من عمرها حيث تحصل بطريقة او باخري علي عنوان اختها وتذهب للبحث عنها وفي الطريق تتوقف عند كنيسة لكي تحضر زفاف بول مارشال صاحب مصنع الشكولاتة علي قريبتها لولا والذي تعرف يقينا انه هو الذي كان يمارس ذلك الفعل الشنيع مع قريبتها لولا. وبدلا من الكشف عنه اقنعت لولا لكي تلبس الجرم بروبي الذي خسر مستقبله وعطف الجميع وعاني من السجن وقسوة الحرب مع ان هناك متهماً آخر هو ابن الحارس توني هاردمان. بريوني هي من تقوم بفك عقد الرواية اذ تظهر في المشهد الاخير من الفيلم وقد كبرت وفي لقاء تلفزيوني حو ل روايتها رقم 21 بعنوان كفارة تكشف لنا ان هذه الرواية ستكون الاخيرة وانها لن تكتب بعدها رواية اخري بسبب مرضها وتقول ان رواية كفارة لا يمكن اعتبارها الاخيرة بل يمكن اعتبارها الاولي لانها كتبت مسوداتها اكثر من مرة. اما حكاية لقاء روبي مع سيسليا فهي لم تحدث كما تقول لان روبي مات عام 1941 وبعده سيسسيليا بعامين ولكن لماذا الخداع تقول بريوني تاليس ( تقوم بدورها في هذه المرحلة الممثلة المعروفة فانيسا ردغريف) تقول انها اوهمت القارئ بهذا لانها تريد منح امل لهما وهو قرار غير مقنع من ماكيوان ومن رايت علي العموم نجح رايت في تقديم فيلم عن الحرب والحب والخطايا كما ان هامبون كان مخلصاً لنص ماكيوان اذ ا ن روح النص موجودة في ثنايا الفيلم يخرج المشاهد منه ومعه صوت آلة الكاتبة القديمة التي ينطلق صوتها مثل الرصاص او القنبلة.
مشكلة فيلم كفارة انه يعول علي فكرة النوستالجيا خاصة لاعوام الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي كما انه أخذ فكرة الميلودراما من هوليوود وفي جوهرالفيلم اشكالية مصداقية تتعلق بعدم نزاهة الراوي او الرواة فنحن هنا امام ابطال يريدون قص قصصهم علينا وما نعتقد انه حقيقة هو في النهاية سراب او وهم.
غير كاتب السيناريو هامبتون من نهاية الرواية الاصلية فهي بدأت بمحاولات بريوني تقديم مسرحيتها ( محاكمة ارابيلا ) وهي المسرحية التي قررت التخلي عنها لعدم وجود اهتمام بها وفي نهاية الرواية تقوم بحضور حفل عرض للمسرحية بعد اكثر من خمسين عاما علي الحادث وفي زيارة لها لمتحف الحرب الامبريالي، لندن عام 1999 تلتقي عرضا بلولا التي لم تتغير كثيرا لكن الذي تغير هو زوجها بول مارشال. تتساءل بريوني قائلة كيف يمكن للكاتبة ان تكفر عن الخطيئة وهي نفسها قامت بتحديد مسار السرد وخلق الاقدار انها بهذه المثابة تقوم بممارسة دور الرب وتعترف بريوني وهي تقف عند نافذة بيتها بعدم وجود كينونة عليا لتمنحها التكفير سواء عناية عليا او الروائية نفسها وهي تحاول اقناعنا ان ما فعلته مع روبي سيسيليا هو فعل جميل لقد وحدت بينهما في الحياة والموت ومنحتهما السعادة والحياة روبي وسيسيليا لم يموتا بل ما زالا نابضين بالحياة والحب يجلسان جنبا الي جنب في المكتبة يتابعان مسرحية محاكمة ارابيلا. تؤكد لنا بريوني ان هذا ليس خداعا بل هو حقيقة ممكنة ولكن ( يجب ان انام الان). بدأت عروض الفيلم وكاتب الرواية كان في مركز جيد حول ترشيح عمله الروائي الاخير شاطئ تشيسل للقائمة القصيرة من جائزة بوكر الادبية المعروفة ذلك لان هذا العمل قصير ولا تنطبق عليه شروط الاعمال التي يجب ان تكون طويلة وليست نوفيللا او رواية قصيرة كما هو الحال مع رواية ماكيوان.
ماكيوان اديب يحتفل بنثره وسرده وينتمي الي جيل السبعينيات من القرن الماضي من الحائزين علي جائزة بوكر ورشح لها اكثر من مرة، وهو كاتب معروف بين جيله، بجودة قصصه القصيرة وأصدر عملا روائيا عن احداث ايلول (سبتمبر) وتداعياتها بعنوان (السبت) . كتب ماكيوان مجموعتين قصصيتين حب اول، طقس الاخير و بين الشراشف (الاغطية) ، وقدم تسع روايات الحديقة الاسمنتية، الطفل في الزمن، عزاء الغرباء، البريء، الكلاب السود، الحالم في النهار، حب محتمل، امستردام.. ونال جائزة بوكر الرفيعة عام 1998 عن روايته امستردام.. ناقد من اسرة “القدس العربي” 0QMK