آهات على موال مصر المحروسةالقاهرة ‘القدس العربي’ من كمال القاضي: الخلاف بين الأشقاء وما يسفر عنه من تفاصيل تراجيدية وما يحمله من رمزية تتجاوز الفكرة العائلية وترمي إلى ما هو أبعد اصبح هاجساً لدى ناصر عبدالرحمن وخالد يوسف يتسلط عليهما في كل تجاربهما تقريبا.
ً ففي ‘حين ميسرة’ نرى التكوين العائلي العشوائي ونلمح ظلال الأخ الأكبر الغائب ‘رضا’ الذي تتحرق الأم لغيابه الطويل وتترقب مجيئه باعتباره المهدي المنتظر ليأتي بالعصا السحرية ويحل كل مشاكلهاو وأمام لوعة الأم تتراءى لنا صور الحياة القاسية ونتابع مأساة شريحة اجتماعية كاملة مختزلة في شخوص اعتبرها كاتب السيناريو والمخرج عينة تتوافر فيها صفات القهر والجوع والفقر يدلل بها على الأزمات المتراكمة لسكان العشوائيات.
وعلى ذات الخط يسير الاثنان معاً ناصر وخالد في دروب إنسانية متنوعة ويطرقان جانباً آخر ينطوي على الكراهية والعنف والطمع، ثلاثة مفردات تؤدي في النهاية إلى الجريمة الشنعاء، حيث يقتل الشقيق شقيقه في فيلم ‘دكان شحاتة’ بعد صراع مرير مع الشكوك والحقد والغيرة العمياء ويظل السؤال مطروحاً، من المسئول عن تلك النهايات المأساوية لذوي الأرحام؟!
وحيث لا يوجد جوابا شافيا كافيا يعاود خالد يوسف وناصر عبدالرحمن البحث عن مواطن الخلل في المصائر والضمائر علهما يكتشفان جديدا فيكون فيلمهما الثالث ‘كف القمر’ بادئين من نقطة جوهرية تتصل بحلم قديم يراود سكان الجنوب وهو حلم الثروة وامتلاك ذهب الفراعنة الكامن في حضن الجبل وهي إحالة درامية مقصودة أو غير مقصودة لرواية ‘الجبل’ للكاتب الكبير فتحي غانم التي تحولت إلى فيلم ومسلسل بأجوار وأحداث مختلفة عرج عليها السيناريست كمفتتح لروايته الدرامية الموازية لتكون بداية الخيط من مصرع ‘الأب’ الذي استبدت به غواية التنقيب عن الذهب فدفع حياته ثمناً لحلم الثراء بعد أن اغتالته يد غادرة كانت أكثر منه طمعاً فمات وترك للزوجة ‘قمى’ أو وفاء عامر هم الأبناء الخمسة معلقاً في رقبتها، حيث يمثل كل واحد منهم إصبع من أصابع يدها ويمثل الخمسة مجتمعين كف يدها بالكامل ومن هنا جاءت تسمية الفيلم ‘بكف القمر’، وبرغم حاجة الأم الشديدة لأبنائها إلا أنها تطلق صراحهم وتأذن لهم بالسفر الى القاهرة ليعملوا وينهضوا على وعد بأن يعود بهم شقيقهم ‘ذكرى’ أو خالد صالح الى حضنها سالمين غانمين، ومن تاريخ رحيلهم من القرية الأثرية على ظهر صندل يشق بهم عرض النيل وصولا الى القاهرة يبدأ مستوى آخر من الوعي ويتفتق ذهن المتلقي عن أبعاد مختلفة للحوار والصورة ومسيرة الأبطال فالقاهرة التي فتحت ذراعيها للأشقاء الخمسة ولمت شملهم تحت سقف واحد هي نفسها التي فرقت جمعهم في غياب الدليل والقدوة وجعلتهم عرضة للاصطياد لا سيما أن الشقيق الأكبر انحرف عن المسار الصحيح وبات مشغولا بما يؤمن حياته ويضمن له الثروة، وقد استغرقته الحياة بتفاصيلها فلم يستطع إحكام قبضته على إخوته كما كان فانفرط العقد وكان في انتظار كل منهم جريمة فضاحي وبكر وجودة ويس تنوعت نشاطاتهم وغباتهم وفقدوا ثقتهم في ‘ذكرى’ شقيقهم الأكبر وأعلنوا عصيانهم عليه إلا أنه ظل حريصاً عليهم ولكن حرصة زادهم عنادا فهم يرفضون الوصاية وينزعون الى الحرية والاستقلال وهي الإشكالية التي كانت محور الأحداث، الفرق بين الحماية والوصاية وحدود تطبيق كل منهما دون إشعار الأطراف الأخرى بالقمع فثمة أواصر كثيرة تربط كل الشخصيات ببعضها، أولها صلة الرحم وانتمائهم لمرجعية واحدة تمثلها الأم التي يوصلها بهم الحنين المتأجج ببعد المسافات ويوصلهم بها الدم الجاري في عروقهم الواصل من كفها الى كفوفهم وأجسادهم، غير أن الأحقاد المترسبة في النفوس أكبر من محاولات الإحتواء ومهارات الشقيق الأكبر في إثبات أنه لا يزال على العهد، الأمر الذي يمثل إنقساماً في شخصيته ويبرز مساحات المراوحة بين الخير والشر بداخله فيبدو طيباً أحيانا وقاسيا أحيانا أخرى لأنه لم يحسم بشكل نهائي عواطفه تجاه إخوته واكتفي بأنه يمثل إنقساما في شخصية ويبرز مساحات المراوحة بين الخير والشر بداخله فيبدو طيباً أحيانا وقاسيا أحيانا أخرى لأنه لم يحسم بشكل نهائي عواطفه تجاه إخوته واكتفى بأنه الأكبر فهذا وحده كفيل من وجهة نظره بإعطائه حق تحديد العلاقة واعتبر أن الأخذ بثأر أبيه منفردا سيكون حجة عليهم ودليلا له يثبت سلامة نواياه تجاه الأب والأم والأشقاء، بيد أن شكوكاً قد تسربت الى الإخوة جميعاً تنفي ما يحاول شقيقهم إقناعهم به فهو يلعب الدور لصالح نفسه ويمد لهم يده حال إحساسه بأنه أصبح مكشوفاً ولا مناص من أن يداري أنانيته بأي غطاء، فالمنطق يحتم ألا يضحي الطبيب الشهم بأخيه في صفقة سلاح مغشوش ثم يسعى لإنقاذه في الوقت الضائع أو يصادر على عواطف الأخ الأصغر إذا ما رأى تقارباً بينه وبين فتاة تحبه ويحبها بدعوى الحفاظ على التقاليد، فهذه سلوكيات سلطوية يؤكد بها مكانته وسيادته وإن ابتغى من ورائها الصالح العام.
الصراع يظل محتدما على أشده في غياب الأم وتواريها عن الأعين وقعودها عن أداء الدور الرقابي، فالمعنى المستخلص نستبينه من الغرغرينة التي أصابت كفها التي تحمل الأصابع الخمسة وأدت الى بترها كحل إضطراري بعد الفشل في علاجها، حيث الربط بين فرقة الأبناء وعودة ذكرى وحدة دون إخوته وبين بتر الكف كان واضحا وجليا، كما أن رحلة الشقاء المكتوبة على جبين كل الشخصيات عذرت ايضا الفكرة وقربت المعاني المباشرة والمتوارية وأوضحت المقاصد والأهداف، غير أن الأداء المتميز للأبطال وفاء عامر وخالد صالح وصبري فواز وهيثم أحمد زكي وحسن الرداد والممثلين المساعدين كان له دور رئيسي في بلورة الفكرة وتعاطف المشاهد مع كافة الشخصيات بما فيها العناصر المنحرفة وفي ظني أن هذه قدرات مخرج يمتلك من الحرفية الفنية ما يثير الشجون ويفجر النوازع الإنسانية ويخلق طاقات استيعابية عند المتلقي تمكنه من التماس الأعذار لغير الأسوياء مع عدم إعفائهم الكامل من المسئولية.
فضلا عن الكتابة المرهفة لناصر عبدالرحمن الذي ينسج بحساسية خيوط الدراما ويشكلها وفق معطيات المجتمع الذي يغوص فيه وينتقل بين أرجائه من أقصي الصعيد جنوباً الى قلب العاصمة شمالا فنرى آيات من الخوف والجوع والمرض والقهر والجهل تتبدى فوق المسطح الواسع لمصر المحروسة.
لقد استوقفني مشهد النهاية الذي تشيع فيه ‘ممر’ الى مثواها الأخير وانتابني شعور بالحزن عندما تعالت صرخات أبنائها المخلوطة بالحيرة والألم وبرغم تقليدية الصورة التراجيدية وتكرارها في مئات الأفلام إلا انها كانت تحمل خصوصية، فالموت ليس موت قمر وحدها وإنما ثمة أشياء تموت بداخلنا جميعاً وربما كنا نشيع أنفسنا في الموكب الجنائزي.
تحية لمدير التصوير رمسيس مرزوق وواضع الموسيقي التصويرية أحمد سعيد ومهندس لديكور عادل المغربي ولا ننسى الراحل حامد حمدان الذي أهدى إليه خالد يوسف الفيلم فهو باني الأحياء العشوائية في أفلامه السابقة وصاحب السبق في ظهورها على الشاشة.