كلام في كلام.. الوجه القبيح وسحابة دخان الإخوان

بديهيٌ ومتعارفٌ عليه أن المط في الأمور يصيب الناس بالملل، والتبلد إذا شئنا الصراحة، خاصةً حين يتعلق الأمر بأوضاعٍ مضطربة وانقطاعٍ في الرزق ووقف للمصالح وأمن مفقود وفوضى عارمة وسط طوفان من التصريحات والتحليلات والوجوه، كلها يزعم أنه يملك زمام الحقيقة، وأن الآخرين مارقون خونة ومدلسون. ولا يحق لنا أن ننسى الإرهاق المصاحب لكل ذلك طيلة ما يقارب الثلاثة أعوام، فضلاً عن خيبة الأمل من حراك ثوري كان واعداً ولم يحقق أية مكاسب تذكر.
لا أعلم إن كان هذا هو سبب حالة اللامبالاة والقرف والغضب ونفاد الصبر التي تسيطر على قطاعاتٍ متسعة من الجمهور (وأنا منها)، أم أن هناك سبباً آخر (أو أسبابا) اخرى، وأستطيع أن أقول انني، شيئاً فشيئاً، بت أشعر كما لو كنت أعيش وأراقب واقعاً غريباً، بل غرائبياً. وعلى خلفيةٍ من حظر التجول والمعارك الكلامية واختيار لجنة لكتابة الدستور، تبدو مصر وكأنها تسير بصورةٍ معدة سلفاً، على الطيار الآلي، ويخرج علينا المسؤولون والعالمون أو مدعو العلم ببواطن الأمور أنها ماضيةٌ على طريق تحقيق أهداف الثورة، لكن النكتة أن كثيراً منهم لا يخبروننا ما هي تلك الأهداف، أو أنهم يطمئنوننا بالإشارات والإيماءات وهز الرؤوس أن تلك الأهداف راسخةٌ في ضمائرهم، على طريقة ‘فهمتكم’ التي خلدها غير المأسوف عليه المنسي زين العابدين بن علي، وربما ذكرهم أحدهم بأن الأهداف تتباين بين الفرقاء وفقاً لمواقعهم ومصالحم الطبقية، ولن تعدم ان تسمع أحد الثوريين الحقيقيين أو بعضهم، يردد أحياناً الشعار الملهم الشهير ‘عيش .. حرية.. عدالة اجتماعية’ في حديثٍ أو تصريح، كما تردد الرقية أو يحتفظ بالتعويذة لإبقاء الحلم حياً.
في واقع الأمر أن ذلك الشعور أوصلنا إليه مشهدٌ شديد القبح بعد مسيرةٍ معقدة طيلة الفترة الماضية، ولن أتردد في تحديد أبطال هذا المشهد، وهم جماعة الإخوان، التي عادت محظورة، والإعلام والدولة العميقة وراء المؤسسة الأمنية والعسكرية وأصحاب المصالح الاقتصادية الكبيرة. قد يعترض البعض بأنه من قبيل الإجحاف تحميل الإخوان مسؤولية الصورة الآخذة في التشكل في مصر، وأنهم مطاردون في أضعف أحوالهم، خاصة أن قادتهم يتساقطون واحداً تلو الآخر فتغيبهم السجون، إلا أنني أرد على ذلك لا بالتذكير والتشديد على كون تحالفهم مع المجلس العسكري في البداية، ومن ثم حماقاتهم الكارثية وفشلهم في النهاية، هو ما أوصلنا إلى حيث نحن الآن، وإنما استمرار مسيراتهم الضئيلة العدد نسبياً ضعيفة التأثير فعلياً، تسهم في خلق سحابةٍ من الدخان والضجيج يتخذها أعداء الثورة والإعلام المنحط في التشهير بهم وصرف الأنظار عن المهام الحقيقية في هذه اللحظة، نظام ديمقراطي حقيقي وعدالة اجتماعية. أما الإعلام المصري فحدث ولا حرج، ولا أبالغ إذا قلت ان جل ما أشعر به من النفور والقرف يرجع إلى أسلوب ولغة خطاب (هذا إذا تنازلنا وسمينا تلك الترهات المسفة خطاباً) تلك الجمهرة من الإعلاميين، وليست المشكلة في تناول سقوط الجماعة وتاريخها بالنقد والتحليل، وإنما تخيل شعوري وأنا أرى وأشاهد تلك الثلة ممن صاروا ثوريين في مساء 11 شباط/فبراير 2011 بعد أن كانوا يتجنون على الثوريين ناعتينهم بأشنع الأوصاف ومدافعين عن مبارك، ربما أكثر من أركان نظامه، وليسوا وحدهم، بل هناك مجموعة لا بأس بها من الجهلاء المتفيقيهين و’الخبراء الأمنيين’ والمخبرين الأكثر أناقةً، تخيل شعوري وأنا أشاهد وأسمع هؤلاء وهم يتكلمون ويصيحون مزايدين باسم الثورة، وذلك الكم من الشماتة الرخيصة والتطاول والأكاذيب والبذاءات التي وصلت إلى السب العلني من بعض من أكل وشرب على موائد مبارك وأدار بعضهم ( أو بعضهن،) حملة انتخابه الرئاسية الأخيرة، ورقص لدى نجاحه، بم تسمي ذلك؟ سوف أعف عن الإجابة، مستتراً وراء تصدر الحدث السوري الاهتمام، ووراء سحابة دخان الحماقة التي يثيرها الإخوان، ينفرد ذلك الوجه القبيح بالساحة، ولا يكتفي ذلك الإعلام المغرض بالإثارة والتحريض على الكراهية واستمرار العنف فحسب، وإنما يوقظ ويحض على حملةٍ شعواء من الشوفينية وشيطنة الآخرين، دونما أدنى اعتبارٍ للظروف والتاريخ، وبذا تصبح غزة واللاجئون السوريون الهاربون من أبشع أنواع القمع والإرهاب مسؤولين عن ممارسات الإخوان وضالعين في فشلهم وعنفهم، غير أن الأخطر من ذلك بمراحل هو ضلوع ذلك الإعلام في تكريس سرديةٍ جديدة، ترتكز على مبدأ منقوص يساوي بين نجاح الثورة والاستحقاق الديمقراطي، دون المضمون الاجتماعي، ومفادها أن إسقاط سلطة الإخوان، السطحية جداً كما تبين في حقيقة الأمر، والمتماهية من حيث الانحياز الطبقي مع نظام مبارك، هو انتصار الثورة وتحقق أهدافها، والحقيقة أنهم في ذلك مقلدون، فقد استأنفوا من حيث توقف الإخوان، وباسم الثورة يعملون لدفن الثورة وإحباط مضمونهما التحرري الهادف للعدالة الاجتماعية، ناهيك عن ذلك القطاع منهم الذي إما يلمح أو يصرح بأن فشل الإخوان لا يعني قصورهم، وإنما فشل الثورة وعدم الحاجة إليها من الأساس، ولا يخفى على أحدٍ أن الهدف من راء ذلك الإيحاء بالمكسب، هو إعادة ترميم النظام وتضميد جروحه، بما يتفق والمصالح الاقتصادية للطبقات الأكثر استفادةً من مبارك ونظامه.
ما تزال مصر تدفع ثمن ضعف التنظيمات المدنية، ولم يتبق بها فصيلٌ منظمٌ قوي سوى المؤسسة العسكرية والأمنية، أما نحن، الجمهور فتقتسمنا النزاعات التي مزقت أسراً وأججت العدواة بين أشقاء، الكل متمترس وراء انحياز والكل مرهق تعِب، نتابع المعارك والغزوات الكلامية، يفلت منا الحلم أو يوشك والحال لا تتحسن، ننتظر الفرج المكافأة، وإذا استمر الوضع من دون تحسن (وهو الأرجح عندي) فوحدها الأيام ستكشف ما اذا كانت هذه مجرد استراحة محارب أم لا.

‘ كاتب مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية