كلب العمدة ‘الابيض المتوسط’

حجم الخط
0

رابض ومرابط أمام مكتب العمدة بالقرية لا يفارق المكان إلا إذا أغلق العمدة مكتبه وقت صلاة المغرب. فمكتب العمدة مفتوح كامل اليوم. تدرس فيه مشاكل القوم وأشياء أخرى كما في المسجد يذكر فيه اسم الله وينادي للصلاة ولتلقيح الأطفال والاجتماعات ومن أضاع مالا ومن مات إلخ.

ذات يوم كنت واقفا صدفة أمام مكتب العمدة دخل رجل هائجا مائجا يا عمدة ‘اعملوا’ لنا حلا في الكلاب السائبة المجهولة الهوية لقد حرمتنا من صلاة الفجر وأنت تعلم أن أكثر المصلين شيوخ مسنّون وناقصوا نظر. لقد سبقك عمّ إبراهيم.. عمّ إبراهيم؟ وأبلغني، ما أكثر بلاغاتكم يا قوم، نحن بصدد ترتيب حملة للقضاء على هذه الظاهرة. ما إن سمع الكلب ‘القضاء على هذه الظاهرة حتى حرّك أذنيه (طربقها) وانصرف جريا. فضولا مني تبعته على دراجتي، فوجدته في سفح الجبل ينبح وحوله جمع من الكلاب، الكل ينبح، ثمة شيء ما حصل ربما أبلغهم كلب العمدة بما سيحدث. من يدري؟

وأنا مشدوه بما يجري وبما أسمع برز كلب في حجم أسد لكنه هرم أحمر العينين مكشر الأنياب يتبعه أجراء بألوان مختلفة وأشكال متنوعة. سكت كل الكلاب رغم كثرتهم وحده أخذ ينبح وينبح ثم رجع من حيث أتى أما الباقون فقد انتشروا وقد فهموا محدثين صوتا كلبيا مخيفا هبْ هبْ هبْ لعلهم يتوعدون.

خوفا من شرورهم قفلتُ راجعا من حيث أتيت وجدت مكتب العمدة يحترق. سالت الحلاق المجاور له أجابني ضاحكا وشامتا إنها الثورة يا صديقي.

لقد كان العمدة فظا غليظ القلب فاسدا ومفسدا. لم يكمل كلامه. مرّت مسيرة من الشباب هاتفين ‘المسيرة مستمرة والقوّادة على برّه’ دون أن أشعر التحقت بهم مردّدا ‘بالرّوح بالدم نفديك يا وطن’ والمسيرة مستمرة والكلاب لن تخيفنا يا وطن.

واصلنا سيرنا توفقنا أمام المقهى العالية التي تتوسط الشارع الطويل الممتد حتّى الأرض المالحة منشدين حماة الحمي لإيقاظ هم الجالسين على الكراسي التي ملّتهم، قام أحدهم مزمجرا وصائحا في وجوهنا ‘خلّونا نخدموا على أرواحنا’ وقال آخر ‘على رؤسكم هذا الصياح’. واصلنا سيرنا لم نتعب ولم تبحّ أصواتنا، مساء وفي مقر الحزب الفاشل والمنحل تم هيكلة لجنة حماية الثورة وكان من أعضائها من كان في المقهى مزمجرا، وناهرا للشباب الثائر، قال صاحبي الطاهر، صدق من قال الثورة يصنعها المفكرون يلتف عليها الإنتهازيون ورغم هذا تبقى الثورة والمسيرة مستمرة.

مع غروب الشمس تفرقنا وتعاهدنا على أن نلتقي ثائرين لم أجد درّاجتي، دكّان الحلاق مغلق. صباحا أشيع في القرية أنّه أصيب برصاصة قنّاص.

أحمد حمودة[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية