الحرية وكلب مطماطة الوحيد

تشبه القمر، قد لا تضيء مثله حين يراها الناظر إلى الأرض من كوكب بعيد، كما نرى نحن القمر، ولكنها، حسب الصور الملتقطة لكوكبنا الجار، مثله: ثلة من التلال الجرداء، صغيرة أو متوسطة الحجم وأخرى كبيرة الى حد يكاد يجعلها جبالا، خجولة ومتواضعة، ولكنها من سلالة الجبال وبهيبتها ذاتها وغرابة تشكلها. وهي متجاورة أحيانا، أو بعيدة نسبيا عن بعضها بعضا في غالب الأحيان، ما يسمح تاليا بتحول المسافات الترابية الفاصلة بينها إلى طرق ودروب ومساحات فارغة، تقود مرة إلى نقاط بعينها في المكان، أو تقود إلى السماء.
مطماطة هي قطعة سقطت لأسباب مجهولة من القمر حاملة للعديد من خصائصه الجغرافية التي نعرف الآن، ولكنها على العكس منه: حية ونابضة، مثلها مثل حواضر الجنوب التونسي القريبة أو البعيدة الأخرى: قابس، مدنين، أو توزر وتطاوين، مع التأكـــيد هنا على تميزها عن جاراتها المذكورات وغيرها بفرادة معمارية لافتة وجريئة، تلك الماثلة للعيان في بيوتها/ كهوفها، المحفورة في سفوح تلالها وجبالها الصغيرة، والصالحة حتى اللحظة، لجميع طقوس العيش الآدمي.
ومطماطة هي الصحراء حين تشذ عن مكوناتها الأم، وتبتعد عنها قليلا لتقترب من خصائص المدن أو القرى الكبيرة أكثر، بدون أن تكف عن كونها بداية صالحة للصحراء، أو نهايتها الممكنة.
وتلك حكاية أخرى، مطماطة برمتها هي حكاية أخرى، قد لا ينجو الزائر المهووس بالكتابة من نداء سردها يوما.. وعليه أن يستجيب، عليّ أن أعود أنا الآخر مرة لأحكي عن تفاصيل المكان العبقري ذاك. أما الآن فلا تأسرني غير الرغبة الشفيفة والغامضة باستحضار ذلك الكلب الرمادي، الذي رأيته فوق تلة كبيرة هناك، وما زلت غير قادر بعد كل تلك السنوات التي مرّت على تجاوز سحر النظرات الطويلة التي تبادلانها حينها معا. وكأنه، هكذا أشعر الآن: يتابع التحديق حتى اللحظة بي، وكأننا كنا نقود حوارا من طراز نادر، عن بعد مرئي للعين تفرضه المسافة الفاصلة بيننا، وقرب روحي لا يُرى، ولكنه كثيف وآسر.
رمادي كان لونه.. أو ربما أسود يميل بفعل خيوط الشمس الساقطة مثل كتل من لهب فوق المكان، إلى رمادي خفيف، وبذيل طويل مرقط بالقليل من البياض ورأس متوسطة الحجم تدل على تناسق جسدي أنيق، هو كلب أنيق اللون والحجم وهيئة الجسد الواقف بثبات فوق التلة، مثل ذئب مجرب وقادر بغريزية مدهشة على التأمل.. وهو وحيد.

في مديح كلب رمادي وحيد فوق تلة جرداء في الصحراء. في مديح حرية بديعة يعرفها هو.. وأعرف أنا، او أجتهد لأعرف، كيف أكتب الآن عنها ما كتبت، ولا شيء آخر.

من أين جاء، سألت نفسي حين لمحته فور وصولي المكان، ولماذا غادر قطيعه الصغير، والكلاب تعيش مع بعضها بعضا في مثل تلك المطارح عادة، ليختار التجوال وحيدا في الفضاء المفتوح بسخاء مذهل على السماء؟ انتظرت لحظات ولم تنضم كلاب أخرى إليه.. لم يأت أحد، لا مخلوق شبيه ولا آدمي صديق.. ربما طردته العائلة؟ وربما اختار طواعية عزلته الفريدة هذه وراح يتبعها إلى أقصاها، إلى حدود التشرد والعيش بلا انتماء لعائلة يتقاسم معها الليل والمكان والمخاوف والأكل الشحيح. وقد يكون كلبا عارفا بالاقتراحات العميقة للحرية، فاختار أعلاها، ليكون حرا بضربة متقنة واحدة. حين لمحته في المرة الأولى، ابتسمت. وحين عدت بعد تجوال قصير في المكان لأنظر نحوه، ابتسمت من جديد.. ثم ارتجفت دفعة واحدة، وقت أدركت أن الكلب الواقف هناك يحدق بي، ويطيل التحديق، وكأنه لم يسقط عينيه لوهلة واحدة عني.
ماذا يريد! ولماذا اختارني أنا من بين هؤلاء الذين جئت مطماطة بصحبتهم ليحدق على ذلك النحو المريب بي؟ ابتعدت خطوات عمن حولي واقتربت من مكانه أكثر، ولكنه لم يتراجع كما انتظرت إلى الوراء قليلا، بل راح يهز ذيله ببطء مرة وبسرعة ملحوظة مرات، وهي وسيلة أثيرة عند الكلاب حين تود أن تقول شيئا ما، ماذا تريد أن تقول، سألته، وخلته يسمع؟ وأظنه، بحذاقة العارف، أجاب: أنا حر هنا، لا أفكر بالمواعيد القريبة أو البعيدة للسفر، ولا أحلم ببيت يطل على البحر أو أول الغابة، ولا تقلقني أنواع الدواء أو الغذاء ولا المذاقات المفضلة للقهوة أو طرائق إعدادها، ولا النبيذ بأنواعه وأشكال كؤوسه ولا أكترث بالعطور وألوان الثياب المناسبة.. لا عناوين أو ارقام هواتف لديّ. لا عشيقة تنتظر غزلا صباحيا أو ليلة خاطفة، ولا زوجة تفتش جسدي عن آثار أصابع غريبة وممكنة، ولا أخشى الموت أو الحب ولا أخدش روحي بمخالب الذاكرة.. لا شيء لي إلا ما تراه أنت الآن: ريح خفيفة تجيء من جهة البحر. روائح خلابة للصخور والتراب. سماء شهية زرقاء ومطارح واسعة بلا جدران.. وهذا الأفق.. أنا حر هنا، فماذا عنك؟
أنت حر في كنف الصحراء والهواء والأفق السماوي الذي لا يحد.. أنت حر، أجبته، وخلته يسمع ويضحك. وأنا لا أشبهك، لديذ مواعيد مؤجلة وأخرى مقبلة غدا.. لديّ ما ينتظر أن اقوم به، ولا أحب، وأنت: لديك كل ما تشتهي ولا عليك أن تقوم بما لا تحب.
يحدق كلب مطماطة الوحيد الآن بي، يواصل التحديق. أحدق أنا الآن في النافذة وأعد الأشجار العالية التي تتراءى من خلفها، ثم أعود لأواصل كتابة هذه الكلمات في مديح الريح.. في مديح كلب رمادي وحيد فوق تلة جرداء في الصحراء. في مديح حرية بديعة يعرفها هو.. وأعرف أنا، او أجتهد لأعرف، كيف أكتب الآن عنها ما كتبت، ولا شيء آخر.

٭ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية