كلماتها تسبقها مثل لغز صامت الصورة التي تفارق معناها لتلهم الجمال قسوته
فاروق يوسفكلماتها تسبقها مثل لغز صامت الصورة التي تفارق معناها لتلهم الجمال قسوتهكما لو أنهما في سفرة عائلية. جلسا متعبين وهما ينظران الي المصور بمزاج معتدل: أشهر المطاردين في عصرنا، المنشق الروسي تروتسكي والي جانبه بابا السيريالية، اندريه بريتون. في مكان سري. لكن ظهور الرسامين ريفيرا وزوجته فريدا في صور أخري قد يشكل عنصر وشاية. المكسيك، هي الباب الضيق لذلك المتمرد، الذي لم يطق ستالين اسئلته الكونية. بريتون ذهب اليه بصفته سريالية معيشة عن طريق الثورة. اما ريفيرا، وهو الشيوعي الملتزم بالواقعية الاشتراكية الرثة، فلا تزال الشبهات تحوم حوله. صورة ثالثة يظهر فيها تروتسكي وهو يقرأ في ورقة صغيرة، فيما وقف الي جانبه ريفيرا وبريتون، الاول يبتسم فيما الثاني ينظر بصرامة الي وجه تروتسكي، لم يكن معنيا بالورقة تلك، بل بكلمات كان تروتسكي يقولها. خبأ المصور المجهول صوره. كانت هناك فرقة للموت تعدادها عشرون الف شرطي بلشفي تطارد الفريسة، من مكان الي آخر. لكن حين يعثر المرء علي تلك الصور وهي تباع علي ارصفة نهر السين بباريس لا بد أن يدرك أن العشرين الف المجهولين اخطأوا الطريق. لقد قتلوا رجلا لا تزال صورته تعني شيئا غامضا، ليس من اليسير اقتناص معانيه. هناك دائما شعراء شباب يتساءلون: من يكون ذلك القديس الذي ينظر اليه بابا الشعر كما لو أنه ايقونة متجددة؟ كان الشاب الارجنتيني المتمرد ارنستو تشي غيفارا ببدلته الخاكية لا ينظر الي رينيه بوري وهو يصوره، كانت عيناه وهما تظهران عدم اكتراث بالامتار القليلة التي تفصلهما عن عدسة الكاميرا تنصتان الي أصوات نشيد قادم من التخوم. دخان سيجاره الكوبي المغرور لا يذكر بدخان سيجارة صاموئيل بيكيت الوحيد في غرفته، وقد خبأ بنفور كل شيء من كيانه داخل بدلته التقليدية، صورة جانبية هذه المرة. الرسام البلجيكي رينيه ماغريت يهمه أن يقلد شخصياته، فهو الاخر يقف مثل لغز صمت، مثلها تمام. هناك صورة غاية في الرقة تجمع بين بابلو بيكاسو وبريجيت باردو. الفتاة الطازجة والعجوز الاخاذ. الجميلة والوحش. ما الذي كان يقوله رجل الغوايات الفنية للدمية التي اختصرت بجسدها الغواية كلها بعد موت الامريكية الشقراء مارلين، التي لا تكف المتاحف عن عرض صورها؟(2)الصور مثل الكلمات تتشابه، وهي ايضا مثل الكلمات تختلف. كل أعمال الامريكي أندي وارهول هي صور متاحة. الرجل لم يفعل شيئا سوي الاستنساخ. غير ان صوره تلك المستباحة بعموميتها دخلت التاريخ بصفتها كشوفا. كان رصيد وارهول يسيرا: أخرج الي الشارع والتقط صورة لأول شيء تراه، ثم عد الي الاستديو لتفعل بالصورة التي التقطتها ما تراه مناسبا لخيالك. رسومه تلك مثل الكلمات التي يقولها الشعراء. لقد صرنا لا نري في رسوم وارهول الصورة التي رآها حين خرج الي الشارع، بل تلك التي تخيلها. تروتسكي الذي نراه في تلك الصور التي صارت أكثر شعبية من ستالين في زمانه هو ذلك الذي ينصت اليه بريتون بخشوع. اما باردو فان كلمات بيكاسو قد وهبتها معني مختلفا، يخرج بها بعيدا عن مفهوم الدمية. لا يحتاج المرء الي قراءة (في انتظار غودو) ليعرف أن من في الصورة، وهو الذي كتب تلك المسرحية، لم يكن الا رجلا أمضه انتظار عبثي قاده الي الامعان في صمته. تقول الصورة اكثر من هذا، ان اتجهنا الي السرد. غير أن الشعر، وهو ملكة بيكيت الحقيقية، يمكنه أن يقول كلاما مختلفا. لقد كان بيكيت رجل استنتاجات عصية. يهمه الحديث عن الوقائع التي لن تحدث وعن الناس الذين لن يجيئوا. صورته تمثله شبحا في لا مكان. ولم تكن أفعاله لتعني أحدا سواه. بعكس ماغريت، كان ابطال بيكيت يقلدونه. انهم صورة عنه. (3)(فن الاداء الجسدي)، هو أحد تجليات عصيان الحداثة. فتيات رغبن في أن يكون لأجسادهن دور في صناعة مفهوم جمالي مفارق. الصورة هي ما يتبقي من ذلك الفعل الجمالي الخارق. وهي ما تجعل منهن رصيدا لمفهوم ما بعد حداثوي عن الجمـــال. في حدود المعني الساذج فان الصورة هنا هي مجرد وثيــقة عن فعــــل صار جزءا من الماضي، غير ان ما تفعله الصورة جمـاليا يتجـاوز ذلك الفعل ولا يكرسه، اذ أنها تكتـــــسب حياة مختلفة مما يضيفه المتخيل عليها. هناك اليوم الاف الفتيات لا يعرضن سوي صورهن الشخصية. الامريكيات جميما ستيلا، لورين غرين فيلد، الكس ماك كولين والهولندية مادلينا بيرك هيمر واليوغسلافية مارينا ابراموفتش والسويسرية دانيلا دوتي والبولندية ماسي أوسيكا والفرنسية صوفيا غالا، فنانات لا يعرضن سوي صورهن الشخصية. سيرة حياة قد لا تهم أحدا آخر، غير انها تجد طريقها معبدا بالتبجيل في اتجاه القاعات والمتاحف الفنية. هناك ما يقوله هذا الفعل المناهض لما نتوقعه: ليس اليومي الفاني هو ما تتصل به تلك الصور، ما يتبقي هو الأهم. حكمة أن نكون موجودين كما لو أننا لم نغادر بعد. تروتسكي الذي تبقيه الصورة حيا هو ليس ذلك الرجل الذي تمكنت منه فأس مسعورة. هناك أسئلة تطرحها الصورة لا تتعلق بالمعني بقدر ما تذهب الي جمال خفي تنتجه طبيعة المشاعر التي تلهمها لحظة النظر لغة نافرة ومحلقة. لغة تكسب الواقعة حدسا ما لم يقع بعد. الاداء الجسدي ليس استعراضا مؤقتا بقدر ما هو محاولة لاستخراج لغة تخلت عن طبائعها المستهلكة.(4)كان الناس يقفون أمام الكاميرا لتمثيل دور صامت، لتعينهم الصور فيما بعد علي أن يتذكروا الكلمات التي لم تقل حينها. وحين كان المصورون يلتقطون صورا لبشر لم يكونوا يعلمون بأنهم كانوا هدفا لاقتناص بصري فانهم كانوا يهبون صورهم كلاما مختلفا، لا يمكن الاعتراف سوي بواقعيته. وفي الحالين لم تكن الصور بريئة. فقد كان هناك دائما قصد مبيت تنطوي عليه تلك الصور فيما كان البشر يشعون براءة. غير أن النزهة بين الصور الان ليست بمثل هذه العدالة. ففي عصر صارت الصورة واحدة من كبري صناعاته يحق لنا أن نشك في كل نزاهة بصرية ممكنة. لقد صار من اليسير علي الاطفال في منازلهم أن يزيفوا الصور ليركبوا مستحيلات ممكنة. مشكلة بهذا الحجم يمكن أن تلقي بكل متعتنا التخيلية في متاهة استفهامية لا حدود لها. ماكنة الزيف يمكنها أن تلقي بالجميع الي هاوية سحيقة من الصمت. فلا بريتون ذهب الي المكسيك للقاء النبي الأعزل ولا بريجيت باردو توجهت الي بيكاسو في مرسمه لتستمع اليه ولينصت الي جسدها. هل يمكننا أن نصدق كل ذلك؟ افتراضي هذا سابق لأوانه. لا يزال عصرنا طريا وذاكرتنا فتية. ولكن اللعبة الالكترونية ان استمرت فانها ستطيح بآخر ممكنات البصر التي نتوقعها، من جهة كونها حقائق. فما سنراه في الصور سيكون عبارة عن حكايات يرتجلها خيال شرير. وهي حكايات محبطة. ذلك لأنها لن تستطيع أن تهب كلماتها منطق الشعر. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0