واشنطن ـ «القدس العربي»: قوبلت تصريحات إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بشأن حل الدولتين تزامناً مع جولة وزير الخارجية أنتوني بلينكن بشكوك في المنطقة، وقالت صحف أمريكية إن الأمر تجاوز ذلك إلى مشاعر من الاحتقار تجاه البيت الأبيض.
وعلى حد تعبير صحيفة» واشنطن بوست» فقد وصف العديد من المحللين الدور الأمريكي بأنه قريب إلى الهزل والضعف، على النقيض من الأهداف المعلنة لجولة بلينكن، التي جاءت وسط تصاعد مفاجئ في المواجهات بالقدس والضفة الغربية في أعقاب غارة إسرائيلية على مخيم جنين للاجئين أودت بحياة تسعة أشخاص وتنفيذ مقاوم فلسطيني لعملية أسفرت عن مقتل سبعة أشخاص رداً على المجزرة.
وقد أدت سلسلة الأحداث هذه إلى تدهور الوضع الذي كان بالفعل متوترًا بشكل علني في الأسابيع الماضية، لا سيما في ظل تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الجديدة اليمينية المتطرفة، كانت هذه التطورات في صلب المحادثات التي عقدها بلينكن في القاهرة والقدس المحتلة ورام الله خلال إقامته.
وخلال جولته، حث وزير الخارجية على إنهاء العنف، وجدد دعم البيت الأبيض لحل الدولتين، ومع ذلك، فإن تصريحات بلينكن تخاطر بأن تظل مجرد كلمات حيث تزداد العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة تعقيدًا بشكل متزايد، ولا يُنظر إلى واشنطن على أنها محاور موثوق به من قبل الفلسطينيين، لذلك من غير المرجح أن تغير هذه التصريحات الوضع الحالي على الأرض. وبينما تكافح السلطة الفلسطينية لمواكبة التطورات الأمنية في الضفة الغربية، هددت الحكومة الإسرائيلية باستخدام القبضة الحديدية ردا على الهجمات العنيفة.
وقبل عودته للولايات المتحدة، قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إن مهمته العاجلة هي استعادة الهدوء في المنطقة، ولكنه أكد على ضرورة العمل على أكثر من مجرد خفض التوترات على المدى الطويل.
وأكد بلينكن في مؤتمر صحافي على أن الولايات المتحدة تلتزم بالعمل نحو الهدف الدائم المتمثل في ضمان تمتع الفلسطينيين والإسرائيليين بتدابير متساوية من الحرية والأمن والفرص والعدالة والكرامة.
وقال إن «قناعة الرئيس بايدن الراسخة بأن الطريقة الوحيدة لتحقيق هذا الهدف هي من خلال الحفاظ على رؤية دولتين لشعبين ثم تحقيقها، ستستمر الولايات المتحدة في معارضة أي شيء يضع هذا الهدف بعيدًا عن متناوله، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر توسيع المستوطنات، وإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية غير القانونية، والتحرك نحو ضم الضفة الغربية، وتعطيل الوضع التاريخي الراهن في الأماكن المقدسة في القدس، وعمليات الهدم. وعمليات الإخلاء والتحريض على العنف».
وفي الواقع، بعيداً عن التصريحات الجوفاء، كشفت إدارة بايدن أن الولايات المتحدة ليست وسيط سلام نزيها ولا مدافعة عن العدالة والديمقراطية كما تدعي، حيث أتيحت الفرصة لبايدن للارتقاء إلى مستوى خطابه المثالي في مجال حقوق الإنسان من خلال التراجع عن الإجراءات أحادية الجانب لإدارة ترامب، في الواقع، كان القيام بذلك سيمثل الحد الأدنى المطلق لإدارة تدعي دعم عملية السلام وحل الدولتين. وبدلاً من ذلك قررت إدارة بايدن مضاعفة شيكاتها على بياض لإسرائيل.
لفتة رمزية
زيارة أنتوني بلينكن لا تهدف إلى تحسين حياة الفلسطينيين أو دعم عملية السلام بأي طريقة ذات معنى. وتواصل الولايات المتحدة منع الفلسطينيين من السعي لتحقيق العدالة من خلال الوسائل القانونية الدولية. إن قرار إدارة بايدن بإعادة المساعدات للسلطة الفلسطينية والأونروا، هو مجرد لفتة رمزية لا تعالج الأسباب الجذرية لمعاناة الفلسطينيين، وهي قليلة جدًا بعد فوات الأوان.
ووصف محللون أمريكيون تصريحات بلينكن بأنها «مجرد كلمات جوفاء» وقالوا إنه على الرغم من التشدق بصيغة الدولتين وفقًا لممارسات السياسة الخارجية الأمريكية المعتادة، أشار بلينكن إلى أن البيت الأبيض ليس على استعداد للذهاب إلى أبعد من ذلك لممارسة الضغط وجعل إسرائيل تقدم التنازلات اللازمة تجاهه.
ولا ينظر العديد من المحللين إلى الأمر كمفاجأة، حيث لم يجعل جو بايدن حل النزاع من أولوياته، منذ بداية رئاسته، ولم يتراجع عن أي من خطوات سلفه دونالد ترامب التي أبعدت الفلسطينيين عن طاولة المفاوضات، وفي مقدمتها اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل خارج إطار المفاوضات، ولم يحاول رسم خط أحمر لاحتواء التوسع الاستيطاني.
ولم يدع بلينكن خلال جولاته الدبلوماسية إلى جولة جديدة من محادثات السلام، بل دعا إلى الهدوء، وكانت آخر محاولة للترويج لحل الدولتين في عهد الرئيس باراك أوباما في عام 2014 بقيادة وزير الخارجية السابق جون إف كيري، وانتهت بالفشل.
وقال بلينكن في بيان اطلعت «القدس العربي» على نسخة منه: «خلال الاجتماعات مع الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية والشركاء في القاهرة، سمعت مخاوف عميقة بشأن المسار الحالي. لكنني سمعت أيضا أفكارا بناءة لخطوات عملية يمكن أن يتخذها كل جانب لخفض حدة الأمور ورفع روح التعاون وتعزيز أمن الناس. ولذا فقد طلبت من كبار أعضاء فريقي البقاء في المنطقة ومواصلة المناقشات حول كيفية تقدم هذه الخطوات بالفعل».
وأضاف «هذه هي الخطوات التي يجب على الأطراف أن تقودها، وليس لدينا أوهام بأننا نستطيع أن ننزع فتيل التوترات المتصاعدة بين ليلة وضحاها. لكننا على استعداد لدعم الجهود هنا ومع الشركاء في المنطقة إذا كان لدى الأطراف الإرادة للقيام بذلك. الولايات المتحدة مستعدة وراغبة دائما في أن تكون شريكا في قضية السلام والأمن».
برنامج طويل الأمد
وفيما يتعلق بموضوع السلام الدائم، ينظر العديد من المحللين إلى هذه الزيارة التي قام بها دبلوماسي أمريكي رفيع المستوى على أنها مجرد حلقة أخرى في برنامج طويل الأمد، مع موضوعات قديمة وطاقم من الشخصيات التي عاودت الظهور.
واستنتج المحللون أن الولايات المتحدة لا يهمها الآن سوى استعادة بعض الهدوء في الشرق الأوسط وتوسيع عملية التطبيع بسبب قلقها من تهديدات أكبر قادمة من روسيا والصين.
وعلى أي حال، لم يكن هناك أي اهتمام إسرائيلي حقيقي بحل الدولتين في أي وقت من الأوقات، إينما كانت هناك سياسة إسرائيلية تقوم على «المناورة» بشأن هذا الاقتراح، وبالنسبة للعديد من الإسرائيلين، فإن تصريحات بلينكن ليست مهمة على الأطلاق، و«المناورة» حولها لا تحتاج لجهد كبير، وبالنسبة للفلسطينيين، هناك قناعات بأن الولايات المتحدة ليست مهتمة بحل النزاع وهي لم تكن مستعدة في أي وقت للضغط على إسرائيل.
ومن الواضح أن واشنطن قد بدأت تتعامل مع السلطة الوطنية الفلسطينية من الباب الأمني فقط كما تفعل إسرائيل، حيث كشفت العديد من المصادر أن وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن مارس ضغوطا على الرئيس الفلسطيني محمود عباس لقبول وتنفيذ خطة الأمن الأمريكية للسلطة الفلسطينية لاستعادة السيطرة على جنين ونابلس.
وقال مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون إنهم يرون تقليص السيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية عبر الضفة الغربية المحتلة كسبب رئيسي للتصعيد المستمر في المنطقة.
وأكد المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون أن الخطة صاغها المنسق الأمني الأمريكي اللفتنانت جنرال مايكل فنزل.
وقال موقع «أكسيوس» إن إدارة بايدن تبحث عن طرق لتهدئة الوضع في الضفة الغربية ومنعها من التدهور إلى انتفاضة ثالثة.
ولدى السلطة الفلسطينية تحفظات على الخطة، التي لا تتضمن أي مطالب لإسرائيل بتقليص عدد توغلاتها في الضفة الغربية، علاوة على ذلك، ألقى عباس باللوم على إسرائيل و«عدم وجود جهود دولية لتفكيك الاحتلال» في التصعيد.
وفي محطة القاهرة، أكدت الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي، إلى مصر العلاقة الإيجابية الشاملة بين القاهرة وواشنطن، كما أوضحت، أيضاً العلاقات الدبلوماسية تقوم على المصالح المشتركة أكثر من القيم المشتركة.
وتتوقع الولايات المتحدة أن تساهم مصر في الأمن الإقليمي وتتخذ موقفًا ثابتًا ضد روسيا، علاوة على ذلك، تريد واشنطن من السيسي التوسط في المواجهة السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
وقال محللون أمريكيون إنه مع انتهاء التعاون الأمني بين الفلسطينيين وإسرائيل، فمن المهم للولايات المتحدة أن تحتفظ مصر بقناة حوار مفتوحة مع تل أبيب ورام الله في محاولة لتقليص الأزمات المتوقعة وبالتالي منع المزيد من التصعيد العنيف. كما يتوقع بلينكن أن يلتزم السيسي بالكامل بدعم تسوية سلمية للأزمة الليبية، وفي سياق متصل، تسعى مصر إلى الاعتراف الدولي بدورها الإقليمي، والمساعدة العسكرية، والدعم الاقتصادي، من حيث نقل المعرفة والاستثمارات، والنقطة الأخيرة ملحة بشكل خاص في فترة الأزمة الاقتصادية.
وبالنسبة لحقوق الإنسان في مصر، ردد بلينكن تصريحاته الروتينية، حيث قال: «كانت حقوق الإنسان أيضا، كما هي دوما، من أهم البنود على جدول أعمالنا، وكما هو الحال مع الشركاء في جميع أنحاء العالم وفي محادثاتنا مع العديد من البلدان الأخرى. ترحب الولايات المتحدة بالخطوات المهمة التي اتخذتها مصر لحماية حرية الدين وتمكين المرأة، وترحب بإقامة حوار وطني وإطلاق سراح مئات المعتقلين وإعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي. سنستمر في تشجيع الحكومة المصرية على اتخاذ المزيد من الإجراءات لمتابعة التقدم الملموس، بما في ذلك الإفراج عن المزيد من السجناء وإصلاحات الاحتجاز السابق للمحاكمة وغيرها من ممارسات إنفاذ القانون؛ وحماية العمل الأساسي للمجتمع المدني، بما في ذلك الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان؛ والتأكد من أن جميع المصريين يمكنهم التعبير عن أنفسهم بحرية من دون أي خوف من الانتقام. هذه هي الرسالة التي شاركتها عندما التقيت البارحة بمدافعين مصريين بارزين عن حقوق الإنسان».
وأضاف «أن إجراء تحسينات ملموسة ومستدامة في ملف حقوق الإنسان أمر ضروري لتعزيز علاقتنا الثنائية بشكل أكبر، كما أنها أولوية بالنسبة لأعضاء الكونغرس من كلا الحزبين، وهذا في الأساس في مصلحة الشعب المصري، ولهذا السبب أعرف أن الرئيس بايدن يتابع هذه الجهود».