كلمات على هوامش الوداع المؤقت

حجم الخط
0

‘خلال الفترة الطويلة التي قضاها في المعتقل الكاتب السوري ياسين الحاج صالح، لم يعش خارجه بالمعنى الحقيقي إلاَّ لماماً، بقي وفياً لسوريا التي عايشها كفاحاً لم يعرف الكلل أو الملل، حيثُ عاش بين الرقة ودمشق وحلب، ولم يخرج من سوريا سوى إلى بيروت لفترة قصيرة.
‘الاسم والشهرة التي حصدها، الحاج صالح، لم يكن مرجعها إلى هذا الالتصاق العضوي بالساحة الجغرافية للنضال السياسي فحسب، هذا الالتصاق الذي لم يتمكن من إتقانه كثيرون من شركاء الكتلة التاريخية الذين غادروا- معذورين- ساحة النضال السياسي، نتيجة فداحة الخسائر المادية والمعنوية.
‘إذاً هنالكَ أسباب ودواع أخرى لهذه الشعبية الجارفة تتعدى أبجديات النضال السياسي، صاغت تفصيلات وأطر هذه الشخصية المتفردة، لتجعل منه إحدى الشخصيات القلائل التي كافحت ضد جهنم الأسد، وهزمت كل فنون استبداده وظلمه. ولا يتأخر استحضار الإجابة لدى الوسط الثقافي والثوري السوري، وكل من كان يعرف الحاج صالح، الذي كان في مقدمة العمل منذ شبابه حتى الآن. حيث أدوات المعرفة لديه لا تنحصر بإنتاج مقالات بل أدوات المعرفة لديه تتجسد في خوض غمار العمل السياسي الشاق في جمهورية الصمت، وإنتاج النصوص المعرفية على ضوء هذا الغمار،فشحنات الكلمة لديه، تحاور وتجادل، وتفرغ شحنتها المعرفية في المعترك العام، لتكون المعرفة هنا ذات اشتراطات نموذجية ومنتجة، قل مثيلها في مجتمعاتنا.
القضايا التي تهم المحاور وبدقة تشخيصية وبمباشرة تجنبها الكثيرون نحو العموميات والمداورة، قضايا تحاور الهم الوطني الصرف وتحمل النظام ‘اللاوطني’ مآلات ما تعيشه البلاد من مشاكل متعددة الأشكال وعلى المستويات كافة، بالاضافة الى المناصرة غير المحدودة للمحاور الوطني صاحب الحقوق، وانحياز غير مشروط للجماعة الأهلية والمدنية التي ينتمي إليها، وأخذ مسافة من كل الذين يقفون منها موقف النقد والفوقية. كل هذه الأشياء وأكثر كانت مواضيع غمار كتابات الحاج صالح التي أبصرت النور في جريدة الحياة وملحقها تيارات، وجريدة النهار وملحقها، وكذلك موقع الأوان الإلكتروني، وعدة كتب كان أبرزها ‘بالخلاص يا شباب’.
الخصال النبيلة وترفعه عن استعمال أدواته المعرفية لغايات شخصية، وابتعاده عن الجدال والمناكفات التي طاله الكثير من سهامها، خِصالٌ زادتْ شعبية الحاج صالح لدى الناس، والتعامل مع هذه الانتقادات عبر أساليب مغلفة بالحب، وعبر منظومة خلقية اعتمدت على الخير والتعاضد والحب، ونبذت أساليب الغيرة والضغينة والحسد. بتلك الخصال تجد كاريزما شخصية ذات قيمة وتفكير أخلاقي. وربَّما السمة الجوهرية في نتاج الحاج صالح، مرجعها التأييد المطلق للثورة السورية، تأييد كرس من خلال تقسيم صارم للآراء والأفكار، منحياً عفن الأيديولوجيا، وجاعلاً من نصر المظلوم ضد الظالم بوصلته. لذلك كتاباته تشد الكثير من جيل الشباب- وأنا أحدهم- والكثير الكثير من القراء والمتلقين والمحاورين، مناصرة يشتهيها مجتمع مظلوم انعدمت فيه الفوارق بين النخب والسلطة، لتلحق كل النخب في قاطرة السلطة،أو قاطرة عفن الاشتراطات الأيديولوجية الصارمة والمتصلبة، لتغدو الثقافة جزئية لا تعني أكثر من كونها وجها آخر وقبيحا للسلطة.
‘الحكيم’ هو اللقب الذي خلعته عليه الحلقة الشبابية المثقفة المحيطة به في العاصمة السورية- دمشق- تقديراً لنتاجه الفكري والبحثي ذي القيمة العالية، والذي لم ينجُ على خلفيته من سلبية بعض الذي فشلوا في مجابهة القضايا التاريخية لمجتمعاتهم، وبدلاً عن هذه المجابهة، وجدوا سهولة في مجابهة شخصية مع ضمير حي يذكرهم على الدوام بفشلهم التاريخي المدوي والصارخ. كلمات بسيطة وعلى قدر عال من الرفاهية وبمستوى لا تقل عنه من الاحترافية كتب الحاج صالح رسالة وداع سوريا مؤقتاً، الشخص الذي حاز على مكانة لدى الناس يحسده عليها الكثيرون، نتيجة قيمة وجودة ما كتب، جودة لا ينقص من قدرها التقريظ. نتاج لا يشبه نتاج أحد من العظماء الذين نتغنى بهم، نتاج ياسين الحاج صالح لا يشبه سوى نتاج ياسين الحاج صالح.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية