القاهرة ـ «القدس العربي»: أخيرا حصل الكثيرون من بين الذين ظل يشغلهم طيلة الشهور الماضية مصير حكومة الدكتور مدبولي، التي تتعرض لهجوم شديد بسبب الغلاء والفشل في التصدي للعديد من المشاكل، على الإجابة بشأن التعرف على اسم رئيس وزراء مصر القادم، حيث كلف الرئيس السيسي مجددا الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء بتشكيل حكومة جديدة تضم الخبرات والكفاءات اللازمة لإدارة المرحلة المقبلة، بعدما قدم مدبولي استقالة الحكومة للرئيس. وأكد الرئيس السيسي أن تشكيل الحكومة الجديدة 2024 يأتي لتحقيق التطوير المرجو في الأداء الحكومي، ومواجهة التحديات التي تواجهها الدولة. ووجه بتحقق الأهداف التالية: تتشكل الحكومة الجديدة 2024 من ذوي الكفاءات والخبرات والقدرات المتميزة. كما وجه الرئيس بالحفاظ على محددات الأمن القومي المصري في ضوء التحديات الإقليمية والدولية. ووضع ملف بناء الإنسان المصري على رأس قائمة الأولويات، خاصة في مجالات الصحة والتعليم، ومواصلة جهود تطوير المشاركة السياسية، وعلى صعيد ملفات الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب بما يعزز ما تم إنجازه في هذا الصدد.
ووفقا للتكليف الرئاسي تعمل الحكومة الجديدة على تطوير ملفات الثقافة والوعي الوطني، والسلام المجتمعي ومواصلة مسار الإصلاح الاقتصادي، مع التركيز على جذب وزيادة الاستثمارات المحلية والخارجية، وتشجيع نمو القطاع الخاص، وبذل كل الجهد للحد من ارتفاع الأسعار والتضخم وضبط الأسواق، في إطار تطوير شامل للأداء الاقتصادي للدولة في جميع القطاعات. وكلف الرئيس الحكومة الحالية بالاستمرار في تسيير الأعمال وأداء مهامها وأعمالها لحين تشكيل الحكومة الجديدة.
ومن أخبار المحاكم: تحفظت الأجهزة الأمنية المكلفة بتأمين محكمة جنح المطرية على محمد أبوالديار مدير حملة أحمد طنطاوي بعد تأييد حكم حبسه عاما في قضية تزوير التوكيلات الخاصة بانتخابات الرئاسة. كانت محكمة جنح استئناف، التجمع الخامس، قد أيدت، أمس الإثنين، الحكم بالسجن سنة مع الشغل على محمد أبوالديار في قضية التوكيلات الرئاسية.
أوراق منسية
هل في يد مصر أوراق ضغط ضد إسرائيل التي تنفذ عدوانا غير مسبوق على الشعب الفلسطيني منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، بعض من يصفهم عماد الدين حسين في “الشروق” بالسذج والمشككين يقولون كلاما مرسلا بلا أي دليل، مفاده أنه لم تعد في يد الدولة المصرية أوراق للضغط على إسرائيل لوقف عدوانها، تمهيدا لمرحلة تهدئة تقود إلى مفاوضات حقيقية لتحقيق حل الدولتين، أو حتى تلجم العدوان الإسرائيلي وتهديده للأمن القومي المصري. الرأي العام مهم وإرضاؤه مسألة جوهرية، لكن ذلك عامل من عوامل كثيرة ينبغي الأخذ بها حينما يتم اتخاذ السياسات والقرارات المختلفة. البعض يقول، بقصر نظر شديد، إننا يجب أن نرفع شعار «مصر أولا وفقط» وهؤلاء لا يدركون أن هذا الشعار يتضمن أيضا ألا يكون هناك كيان خطير يهدد المصالح المصرية في الاتجاه الشرقي. ورغم الخلافات المعروفة بين مصر وحركة حماس قبل سنوات، فإن احتلال إسرائيل لقطاع غزة، ولمحور فيلادلفيا ومعبر رفح يهدد الأمن القومي المصري. ولهذا السبب فإن كبار المسؤولين المصريين يحذرون إسرائيل يوميا من مغبة التصعيد، الذي يقود إلى تفجير المنطقة بأكملها. نعود إلى ما بدأناه ونسأل: ما هي الأوراق الموجودة في جعبة الدولة المصرية لمواجهة إسرائيل؟ ظني الشخصي وخلافا لما يعتقده الكثيرون فإن هناك العديد من الأوراق، والخلاف فقط يدور بشأن متى وكيف يمكن تفعيلها. أول ورقة في يد مصر هي الرفض الكامل للعدوان الإسرائيلي، وقد تم ذلك بالفعل منذ بداية العدوان. الورقة الثانية هي الموقف الرسمي والشعبي الرافض لاستمرار العدوان وهذه الورقة تم تفعيلها منذ اليوم الأول وحتى الآن، وقد يسخر البعض من هذه الورقة، وقد لا يدرك أهميتها إلا إذا قارنتها ببعض الدول التي لم توصف ما يحدث حتى الآن بأنه عدوان.
المهم الإرادة
الورقة الثالثة من أوراق الضغط التي يرى عماد الدين حسين ضرورة استغلالها: العمل من أجل إدخال أكبر قدر من المساعدات للأشقاء في غزة، وأهمية هذه الورقة لتثبيت أهل غزة في أرضهم وإجهاض مخطط التهجير. الورقة الرابعة هي وقف التنسيق مع إسرائيل بخصوص العديد من القضايا، وقد بدأ استخدام هذه الورقة مؤخرا. الورقة الخامسة تجميد بعض أنواع التعاون غير المشمولة في اتفاقية كامب ديفيد. الورقة السادسة: تخفيض التمثيل الدبلوماسي المصري مع إسرائيل، يتبعه استدعاء السفير المصري وتخفيض مستوى التمثيل الإسرائيلي. الورقة السابعة وقف أشكال التعاون الاقتصادي بين البلدين. الورقة الثامنة: مواجهة إسرائيل في المحافل الدولية من أجل فضحها وتجريسها والتصويت دائما ضد إسرائيل وجرائمها. الورقة التاسعة رفض التنسيق مع إسرائيل في معبر رفح ورفض الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي للمحور والمعبر، وقد تم تفعيل هدف الورقة بالفعل. الورقة العاشرة: التداخل في دعوى جنوب افريقيا في محكمة العدل الدولية، والمطالبة بإدانة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية. الورقة الحادية عشرة أن تجمد مصر العمل باتفاقية السلام أو بعض بنودها، استنادا إلى أن إسرائيل خرقتها أكثر من مرة خلال الشهور الأخيرة. الورقة الثانية عشرة أن تلغي مصر المعاهدة تماما حينما تصل إلى قناعة أن مصالحها القومية والوطنية مهددة، وأن خسائر وأضرار الالتزام بالمعاهدة أكبر كثيرا من فوائدها. التصريح المعادي ينبغي أن يرد عليه بمثله، وحينما يتهجم وزير إسرائيلي علينا يرد عليه وزير مناظر له. والمؤكد أن هناك العديد من الأوراق الأخرى في يد صانع القرار، يمكن استخدامها في الوقت المناسب.
فرصة مهدرة
تأخر الرئيس بايدن كثيرا على حد رأي فاروق جويدة في “الأهرام” في إعلان وقف القتال في غزة، لأن الدعم الأمريكي وموقف الرئيس بايدن شخصيا كانا السبب الرئيسي في تمادي إسرائيل في وحشيتها.. لقد تأخر الرئيس بايدن في مشروعه لوقف الحرب، ربما راهن على عامل الزمن والوقت، وأن إسرائيل سوف تحقق أهدافها في تحقيق النصر وهزيمة حماس واحتلال غزة ورفض إقامة الدولة الفلسطينية، وقبل هذا كله التخلص من زعامات حماس وتدمير رفح، ومن أجل هذه الأسباب حاول الرئيس بايدن أن يعطي إسرائيل فرصة للنصر.. ولا شك في أن هزيمة إسرائيل خلال 8 شهور كانت هزيمة للرئيس بايدن واحتمال عدم بقائه في البيت الأبيض فترة رئاسة ثانية، لقد وقف خلف نتنياهو بقوة، ولم يضغط عليه لوقف استخدام أساليبه الوحشية في قتل أهل غزة، ووقف ضد القرارات الدولية التي أدانت الوحشية الإسرائيلية، وقدّم لإسرائيل الدعم المالي وفتح ترسانة البنتاغون بكل ما وصلت إليه من الأسلحة الحديثة، ورغم ذلك لم تحسم إسرائيل الحرب لصالحها.. كان صمود غزة وموقف المقاومة وإصرارها في الدفاع عن أرضها أكبر هزيمة لحقت بإسرائيل وقد تطيح بالرئيس الأمريكي من البيت الأبيض، وهذا درس لكل المتآمرين في العالم حتى لو كانت دولة كبرى خدعتها عصابة ومغامر مثل نتنياهو.. المعركة ما زالت تدور، والعالم ينتظر والشعب الفلسطيني البطل ما زال يموت على أرضه، ولا أحد يعلم نهاية لهذه المأساة.. ليس أمرا بسيطا أو سهلا أن تفشل أمريكا في إدارة معركة وأن تصبح حديث العالم أمام عجزها في إنهاء الصراعات، رغم أنها تحكم العالم كله، ورغم هذا تقبلت الفشل والهزيمة.
تجرفهم الحقيقة
تجمعوا عند النقطة المحددة، في هذه الجزيرة الصغيرة، كانوا نساء بأطيافهن كلها وأطفالا ورجالا وكبار سن وحتى مقعدين، حسب خولة مطر في “الشروق”: حاولوا أن يلملموا أنفسهم وانتظروا بعض الشيء.. وزعوا أعلام فلسطين بينهم واليافطات التي ترفض الإبادة والتطبيع، وكل أشكال الاستعمار والهيمنة.. فرشوا علما كبيرا لفلسطين ليمتد فوق رؤوسهم وعلى امتداد المسيرة التي بدأت تتحرك رافعة كثيرا من الشعارات التي يرددها كُثر من أهل البحرين أحيانا علنا على وسائل التواصل، ومرات في جلساتهم، وكثيرا في قلوبهم التي تتمزق وجعا على الإبادة الصهيونية لأهلنا في فلسطين إلا من بعض «المنافقين»، أو المتصهينين فهم كثيرا ما يكونون جيرانا لنا أو حتى بعض ما كان يسمى «أصدقاء» حتى جرفهم الطوفان، ولم يترك حتى أثرا لهم فوق تلك الصور بالأسود والأبيض، تحت أشعة شمس ظهيرة الخليج التي حضرت مبكرا هذا العام، وهذه عبارة نرددها كل سنة «هذا الصيف بكر كثير» تحركوا معا رافعين الصوت عاليا حتى ذاك الطفل الذي حاول أن يتحرك سريعا ليتقدم وهو رافع علم فلسطين بيد وقبض اليد الأخرى عندما يرددون «النصر للمقاومة والمجد للشهداء».. بقي الحماس في الهتاف ورفع الصوت تضامنا مع أهلنا في غزة، بل في كل فلسطين والأراضى العربية التي تقف وحدها في مواجهة ذاك المشروع الصهيوأمريكي المقبل تارة بآلات الموت والإبادة، ومرات بالوعيد والتهديد، أو حتى التلميح إلا أنه ببعض «المرونة» بالإمكان أن تتحول غزة إلى قبلة سياحية بمنتجعات تشبه تلك التي يروج لها إعلامهم «العبرعربي» يروجون لمشاريع يعرفون أن معظم – إن لم يكن مجمل الجماهير العربية – لا تصدقها، حتى لو كتبت ونطقت باللغة العربية الفصحى وضمت استشهادا ببعض من نصوص الكتب المقدسة.
خجلا أو خوفا
طوفان أهل غزة كشف كما تقول خولة مطر كل المستور والمعلن والموارب والمختفي بين الكلمات والأحرف أو المدسوس بينها. كل مشاريعهم سيجرفها بحر غزة كما فعل بذاك الميناء العائم الذي صوروه على أنه «إنساني» ربما لأنهم لا يزالون ينظرون للعرب كلهم، بل لكل من هم ليسوا «منهم» على أنهم سذج أو أغبياء، أو حتى لا يقرأوا، كما قالت الشهيرة غولدا مائير في مذكراتها التي نحن جميعا بحاجة إلى قراءتها مرة ومرات، بل حفظها لنعرف أن أهل غزة هم من قرأوا وفهموا واستوعبوا، ثم خططوا وقاموا بطوفانهم الذي يجابه بأكثر المعدات «ذكاء» وفتكا وإبادة، لكنه لا يزال يبهر الأعداء أكثر من المقربين الجالسين في جحورهم يحسبون الحسبة لليوم الآخر، أي ما بعد الطوفان، مدركين أنهم لن يكونوا من الناجين على سفينة نوح، ولا حتى على ظهر موجة. عادت صورتهم إلى المقدمة، هم رافعو الصوت عاليا حتى تسمع السماء السابعة، وكأنهم يقولون لملائكة غزة نحن معكم بقلوبنا، وهو أضعف الإيمان حتما، لكننا في كل صباح ومساء لا نمل ولا نتعب من متابعة صوركم وأخباركم وصوت وجعكم يدوى في شوارعنا وأحيائنا بل في زوايا بيوتنا، ونذرف كثيرا من الدمع ونلملم كل ما نملك من قوة، إيمانا بكم لنقول «إنكم لمنتصرون»، لأنكم على حق، ولأنهم مغتصبون متعطشون للدم النقي؛ دمكم الذي يسقي أرض فلسطين بكثير من القوة والحب والعزم، كما يردد ذاك «النصر أو الاستشهاد». كلما تعب أحدهم يخطون خطواتهم في تلك المسيرة، كلما تحرك بعضهم لبث العزيمة والإرادة قائلين: «إنهم في غزة وفلسطين ولبنان وكل الأرض المنتفضة بالطوفان يقدمون حياتهم، بل كل ما بنوه بالحفر في الصخر»، فيدب النشاط مرة ومرات ويمضي الجمع في مسيرته وكُثر من المارين من بعيد ينظرون من خلف زجاج نوافذ عرباتهم، ربما خجلا أو خوفا.
عار عليهم
صحيح والكلام لعبد المحسن سلامة في “الأهرام” أن مقاطعة السلع الداعمة للاحتلال الإسرائيلي ليست إجبارية، ومخالفتها ليست مخالفة قانونية، لكن أن يقع نجوم كبار في «فخ» مساندة هذه السلع، والترويج لها إعلانيا، فهذا أمر غير مستساغ، خاصة أن هؤلاء النجوم الكبار ليسوا في حاجة إلى المال، وأن لديهم ما يكفيهم وأحفاد أحفادهم. على الجانب المقابل، فهناك نجوم آخرون رفضوا إغراءات المال، ورفضوا الظهور في إعلانات تلك الشركات الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، رغم أنهم ليسوا في المستوى المادي لهؤلاء النجوم المشاركين في الترويج لتلك المنتجات. إذن القصة ليست في الحاجة إلى المال من عدمه، لكنها قصة قناعات، وقصة وعي، كما تفعل تلك الشركات، حينما ترقص على أشلاء جثث الأطفال والنساء في الأراضي المحتلة، وتدعم دولة الاحتلال بالمال في حربها الدموية والمجنونة ضد المدنيين في غزة، وكل أنحاء الأراضى الفلسطينية. التقرير الرائع الذي أعده موقع «الموقع» ورئيس تحريره الشاب النابه والمتميز محسن سميكة، عن إعلان بيبسي الجديد، ورصد فيه موقف عدد من النجوم في مجال الرياضة والفن ممن خضعوا لإغراءات المال، وشاركوا في هذا الإعلان يتقدمهم للأسف النجم المحبوب محمد صلاح، ومن الفنانين عمرو دياب، وأحمد السقا، وكريم محمود عبدالعزيز، ونوال الزغبي وغيرهم. التقرير رصد حالة الغضب المتصاعدة على وسائل التواصل الاجتماعي ضد هؤلاء النجوم والمشاهير، الذين شاركوا في إعلان بيبسي الاستفزازي «خليك عطشان» في الوقت الذي انتشرت فيه مشاهد حرق الفلسطينيين في مخيمات رفح في مشاهد مأساوية لا تقل بشاعة عن حرق اليهود في أفران الغاز، وربما تفوقها بشاعة وعدوانية، ضمن جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي. رصد التقرير أيضا مواقف عدد من النجوم الذين رفضوا المشاركة في هذا الإعلان الاستفزازي وعلى رأسهم مغنى الراب الشاب «ويجز» ومعه أيضا الفنان أحمد مكي، والفنانة دنيا سمير غانم. هؤلاء النجوم كانوا محل احتفاء وتقدير على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن رفضوا الملايين مقابل الحفاظ على إنسانيتهم وضمائرهم الحية. كل الشكر والتقدير لمن حافظوا على إنسانيتهم، وكل العتاب لمن وقعوا في فخ الإغراءات المالية.
كرم الضيافة
وضع ملايين اللاجئين غير الشرعيين في مصر تعدى حدود الأخوة وكرم الضيافة، وبات حسبما يرى صبري الديب في “فيتو” يشكل خطرا أمنيا وحياتيا، أقله أن ملايين المصريين باتوا عرضة للطرد في الشوارع، بعد أن قفزت أسعار إيجارات الشقق في المناطق المتوسطة إلى 15 و20 ألف جنيه شهريا للوحدة، بحكم الإقبال غير المسبوق من اللاجئين، وعرضهم إيجارات تزيد عشرات الأضعاف عمّا يدفعه المصريون. معالي رئيس الوزراء.. من المستحيل أن تقبل دولة سوية في العالم بحالة الانفلات والفوضى التي بات عليها اللاجئون غير الشرعيين في مصر الآن، كما أن إنذار المهلة الممنوح لهم لتوفيق أوضاع الإقامة ينتهي في نهاية الشهر الحالي، أتمنى ألا يكون الإنذار مجرد كلام، لاسيما أن الأمر تحول إلى خطر حقيقي يهدد الأمن القومي المصري.. “دي دولة مش وكالة سايبة من دون بواب يا سيادنا”. لا أدري السبب العبقري، وراء إصرار وزارة التضامن الاجتماعي على مرمطة الآلاف من مستحقي المعاش وحاملي بطاقات الخدمات المتكاملة، ممن لا أمل في علاج إصاباتهم أو أمراضهم المزمنة، ورغم ذلك تصرون على تحديد الاستفادة من تلك الخدمات بمدة محددة، وإرغام المريض في نهاية المدة على العودة من جديد لدفع رسوم وتحضير أشعات والعرض على لجان طبية، لإثبات أحقيته الثابتة في الخدمة. معالي الوزيرة.. المسؤول مهمته التسهيل وليس التعقيد، والمعاق وصاحب المرض المزمن لا أمل في شفائه، بل الاحتمال الأكبر تدهور حالته، وتلك الخدمات أقرتها الدولة، وكفلتها الدساتير والقوانين المواثيق الإنسانية كافة في العالم، وربط المعاش أو كارت الخدمات المتكاملة بمدة ليس له مبرر ولا يقبله عقل.. “بلاش تمرمطوا المرضى، وسهلوها عليهم وكفاهم ما فيهم، وتيقنوا أن ابتلاء الله لا يفرق بين وزير وخفير”.
مخدرات مجانية
يدور الإعلام المصري حسب وصف أحمد عادل هاشم في “المشهد” على قاعدة التوقيت في خدمة التكتيك.. لكن قبل التوضيح يتحتم إلقاء الضوء على البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يدور في فلكها الإعلام: أولا يأتي المأزق الأخلاقي والسياسي والعسكري للدولة، أمام ما يحدث من إجرام وإهانة ومذلة في غزة والضفة، ما أدى إلى احتقان شعبي يتصاعد لا أحد يستطيع التنبؤ بعواقبه. ثانيا: ديون خارجية تهدد الاستقلال الوطني (درس التاريخ الذي لا نريد استيعابه). ثالثا أزمة اقتصادية طاحنة، وتضخم غير مسبوق أدى إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، إلى درجة دفعت الحكومة إلى رفع سعر الخبز المدعوم من خمسة قروش إلى 20 قرشا (300% زيادة) متجاهلة التداعيات التاريخية لرفع سعر رغيف الخبز عام 1977 من خمسة مليمات للرغيف الواحد المدعوم إلى عشرة مليمات (قرش صاغ) ما أدى إلى اندلاع مظاهرات عارمة في البلاد، أجبرت السادات على التراجع عن قرار الزيادة.. لغم اجتماعي يصعب تفكيكه، ونخشى تفجيره، في ظل سياسة الصوت الواحد. رابعا: انفراد الاستثمارات الخاصة بالمواطن المصري تحت أعين الدولة والأجهزة الرقابية الرسمية والأهلية (جهاز حماية المستهلك كمثال)، ما أدى إلى قفزات جنونية في أسعار الخدمات، وعلى رأسها الصحة والتعليم والإسكان، فضلا عن الاحتياجات الأساسية للمواطنين. خامسا إهانة القضاء، بتجاهل تنفيذ أحكامه وقراراته الصادرة لصالح الأفراد، سواء ضد هيئات عمومية أو شركات أو مواطنين، وهناك آلاف الأحكام القضائية مضى على صدورها من عشرة إلى خمسة عشر عاما لا تنفذ، ما ورط المجتمع في ظواهر سلبية تنهش في المنظومة الأخلاقية والأعراف المتوارثة وتصب الزيت على نار الاحتقان الشعبي، الممتد من كرة القدم إلى السياسة. سادسا انسداد الأفق السياسي إلى مستوى تبدو فيه مصر، ولأول مرة في تاريخها الحديث بلا نخب سياسية وثقافية وفنية ورياضية على سطح الحياة العامة في الوطن، ما أحدث فراغا وتآكلا في الوعي الجمعي، فتح الباب أمام “الهواميش” للتقدم وملء الفراغ بالدف والرقص والطبل، ما دفع الشرفاء من النخبة إلى الانزواء والابتعاد عن المجال العام للأمة، الأمر الذي يضرب الثوابت الراسخة في الوعي الجمعي المصري، أقلها مساندة المظلومين والمقهورين.
اشتباك رخيص
داخل هذا السياق العام الذي يهتم به أحمد عادل هاشم يدور الإعلام المصري، تأتيه الأوامر بصنع اشتباكات زائفة بين لاعبي ومشجعي الكرة، وبفنانين يسيئون للمصريين، قبل أن يسيئوا لأنفسهم، وبرامج دينية كثيرة تشبه بعضها في الشكل والمضمون وتثير قضايا مثارة منذ ما يزيد عن ألف عام، ولا يجرؤ مقدموها أو ضيوفها على تذكيرنا بالحديث النبوي الشريف: “أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ”.. والسلطان المقصود، كل من له سلطة ونفوذ في إدارة حوائج الناس مهما علت أو تدنت مكانته.. من هنا يأتي التوقيت في خدمة التكتيك: كلما ازداد الاحتقان الشعبي بسبب غزة أو غلاء الأسعار وتدني الخدمات، يتدخل الإعلام والفضائيات لصنع حالة من حالات “الاشتباك الرخيص” بين الأفراد والمؤسسات (تكتيك)، لتشتيت انتباه الناس عن القضايا الحقيقية التي تؤثر على معيشتهم وحياتهم (الاستراتيجية).. والثابت أن التلاسن الرخيص والتحفيل الهابط بين أهل كرة القدم، يأتي في أعقاب أحداث كبرى تنذر بانفجار شعبي، ولأن كرة القدم لها من الجماهيرية والشعبية ما يسمح لشخصية كروية مثل محمود الخطيب رئيس النادي الأهلي بالترشح لرئاسة الجمهورية، فإنها ـ لشعبيتهاـ أفضل إلهاء ممكن للجماهير المحتقنة والغاضبة.. وكرة القدم هي كأس النسيان، ويكفي للتدليل أن النجم شيكابالا كابتن الزمالك حصد لقاؤه في إحدى القنوات ما يقترب من 150 مليون مشاهدة، كما تشير الشركات المتخصصة في قياسات نسب المشاهدة. لذلك ليس مستغربا أن تسمح قنوات فضائية لعاطل وجاهل ومزور لم ينل غالبيتهم شهادة تعليمية أكثر من الإعدادية أو “دبلون” على الأكثر بتقديم برامج هدفها الأول والأخير إلهاء الشعب عن قضايا الحاضر والمستقبل.. برامج كرة القدم في مصر كالمخدرات، تنسيك الهموم كما يعتقد متعاطوها.
ليست عسكرية فقط
يوصف الخامس من يونيو/ حزيران 1967 بأسوأ يوم مرّ على مصر والعالم العربي في العصر الحديث، ففيه حسب مصطفى عبيد في “الوفد” انكسر الحلم بالتفوق والنهضة، وانطفأ وهج الأمل بالتقدم والسيادة، وسقطت منارات شاهقة ظن مُشيدوها أنهم قادرون بها على اختراق السماوات. باختصار شديد انهار كل شيء، هزمتنا إسرائيل، الأصغر عددا، والأقل عتادا، بمفاجأة لم تكن متوقعة، وانكشف واقع الحال في بلادنا عن بُنيان هش، وكيان مريض، ومجتمع يعاني من اختلالات كبيرة في القيم والفلسفة الحاكمة. فالهزيمة هنا لم تكن عسكرية فقط، وإنما حضارية وفكرية ومجتمعية. ورغم رد الاعتبار عسكريا في أكتوبر/تشرين الأول 1973، وعبور القناة، واسترداد الأرض في ما بعد، إلا أننا كُمجتمع مصري لم نُغادر الخامس من يونيو حتى الآن. ولعل ذلك ما جعل أستاذ التاريخ الحديث المفكر النابه خالد فهمى يضيف على مصطلح «هزيمة يونيو» في بحث تاريخي موسوعي عميق يتناول الحدث كلمة «المستمرة»، موضحا أننا ما زلنا نُعاني من كثير من أعراض ما قبل يونيو/حزيران مُجتمعيا. ذلك لأن النظام العام الذي أسسته ثورة يوليو/تموز اتسم بعدة سمات راسخة ما زالت لصيقة بالوطن ومتغلغلة في مؤسساته إلى اليوم. منها مثلا الوعد المؤجل بالجنان والرخاء وسيادة العالم دون قواعد ودراسات وخطط واقعية مرسومة بعناية وبمشاركة خبراء حقيقيين. ومنها أيضا الاهتمام الزائد بالمظهر وإهمال المضمون، وهو ما نراه توجها عاما لدى الكيانات العامة كافة، فالصورة والشكل والإخراج المسرحى لكل مشروع أهم كثيرا من قيمة وآثار ومردود هذا المشروع.
نفاق وأشياء أخرى
من السمات الأخرى الحاكمة لنظام يوليو/تموز 1952 سمة الفردية المُطلقة، التي تلتقي الرؤى، كما أوضح مصطفى عبيد من أعلى لأسفل، فتمجدها وتُعظمها وتُنفذها دون وعى بها، أو تقييم أو دراسة باعتبارها غاية الحكمة والرشاد. تذكروا مثلا أن قرار تأميم قناة السويس سنة 1956 لم يُستشر فيه إنسان، وظل سرا مُنحبسا في رأس جمال عبد الناصر وحده، وعندما أطلقه فوجئ الجميع بكل شيء، ودفعنا الثمن مضاعفا في سبيل شعبية زائفة حققها الرجل. في الرواية المُذهلة «يوميات سعد عباس» للمبدع الكبير مصطفى بيومي، التي يقدم فيها محاكمة صارمة وقاسية لنظام يوليو/تموز يضع بطل الرواية يده على سمة أخرى مهمة ولافتة في تاريخ الأمم، وهي غياب النقد الذاتي. فالجمهورية التي أسسها ضباط طامحون حالمون في 1952، اعتبرت أي مراجعة للأفكار والخطط والأداء بمثابة مؤامرة قاصمة ضد عدالتها، فمارست الرقابة بشتى طرقها وحرمت نفسها والوطن من أي نقد ذاتي بنّاء يساهم في علاج الاختلالات الحادثة. وهكذا سرى النفاق في أوصال المجتمع والكيانات، بل أصبح خيطا حاكما للبيروقراطية المصرية، فصار كل مرؤوس يُنافق رئيسه، يُخفي عنه ما يُزعجه، يُشيد بعظمته، يتجنب تنبيهه لأخطائه، ثُم يساهم في نقل أخبار الآخرين له سعيا للقرب والحظوة. قادتنا كل هذه الاختلالات المُجتمعية إلى هزيمة يونيو/حزيران سنة 67، ففقدنا مئة ألف شهيد، وخسرنا سيناء، وحاولت أبواق النظام الناصري تخفيف الأمر، فأطلقت على الهزيمة وصف «نكسة»، ثُم انتصرنا عسكريا بعد ست سنوات، بفضل وإرادة روح المقاومة في الشخصية المصرية. لكن رغم تلك اليقظة، فإننا لم نر بعد السادس من يونيو، صباحا جديدا ضد الهزيمة الفكرية والحضارية والمجتمعية. فما زالت الشكلانية سائدة، وما زالت الفردية حاكمة، وما زال النفاق حاضرا.
رغيف الفقير
يعاني المواطن ويتعرض للمزيد من المشقة والتعب الذي يصل إلى حد الهلاك أحيانا، على حد وصف سامية فاروق في “الوفد” أثناء وقوفه في طوابير ليس لها نهاية أمام المخابز. والكارثة عندما يقترب من شباك صرف الخبز ويفاجأ بالعامل يقول له «العيش خلص» فتقع الكلمة على أذن المواطن الذي خاض حربا حتى الوصول كالصاعقة التي تفقده أعصابه ويظل يسب ويلعن كل من يراه أمامه، من كثرة الضغط النفسي الذي تعرض إليه في رحلة العذاب اليومية. ولهذا السبب نجد عددا كبيرا يصرف فروق خبز لأنه يختصر على نفسه هذه المعاناة التي يشهدها، ويقبل على شراء الخبز السياحي، في حين أنه، مكلف بالنسبة له كمواطن فقير، لكن لا حيلة عنده إلا أن يشترى وقته وصحته التي تهلك بسبب هذه المأساة. هذه الأزمة مفتعلة من أصحاب المخابز الجشعين، فهم يعطون بعض الأشخاص الذين يبرمون معهم اتفاقيات العشرات من أرغفة العيش لبيعها بالسوق السوداء، أو لأصحاب البطاقات المستنفعين بأسعار متضاعفة مقابل عدم وقوفهم في الطابور. بعض الناس ترضخ للظروف والأزمة الحقيقية تقع على الأجهزة الرقابية، التي لا تقوم بدورها على أكمل وجه، وأيضا لديها من الموظفين الذين يحصلون على الرشاوى مقابل تغافلهم عن هذه الجرائم المشينة. ويحصلون على رواتب شهرية من هذه المخابز حتى يفعلوا ما يشاؤون دون عقاب أو حساب. وعندما يقوم المواطن الذي يبحث عن حقه بتقديم شكوى ضد هذا المخبز، يجد نفسه دخل في دوامة كبيرة، دون جدوى. ولا يتغير في الأمر شيء. بسبب إكراميات المفتش الذي يتوجه بالمرور على هذه المخابز المبلغ ضدها. والسؤال الذي يطرح نفسه إلى متى يظل المواطن في صراع يومي للحصول على حقه الذي كفلته له الدولة للوصول لرغيف الخبز؟ أليس هذا هو أقل حقوق المواطن، وفي الوقت نفسه من أهم حقوقه. لا بد من الضرب بيد من حديد على شبكات الفساد حتى يحصل المواطن الكادح على حقه.
الجبن السائح
في العقد الأخير دخل الجبن السائح، كما أخبرنا أحمد الدريني في “المصري اليوم”، في أطعمة كثيرة وبات الزج به في كل شيء أكلة واحدة من قوانين العصر، فيما يشبه ثورة البهارات واكتشاف إضافتها للمأكولات، وما أحدثه من انعطاف تاريخي في حياة البشرية. ومن ثم صار التعليق على الجبن السائح – مثلا- واحدة من النقاط التي ينتظرها الجمهور للتعليق على طعام كثير منه رديء المذاق، يتم تناوله في سياق إعلاني مدفوع لصناع المحتوى المشاهير «الإنفلونسرز»، يخلو من أي تحليل رصين، ويعتمد على انطباعات سطحية في معظمها، تذم بلا منطق أو تشكر بلا مبرر، أو تصطنع الذم أو تدعي المدح.. كشأن عالم الإعلانات المقنّعة. وهي سوق إعلانية رائجة نشأت في أعقاب العقد الأخير الذي باتت فيه مصر ملجأ لإخوة من دول شقيقة، راجت مطاعمهم وطرق طهوهم، وجرت درجة من التلاقح بين «المطابخ» المختلفة وثقافاتها. إلا أن مناط الانتشار لهذا المحتوى ليس التلاقح الثقافي، ولا حتى دراسة مطابخ الوافدين، بمقدار ما هو الاحتفاء العام بالطعام كطعام في حد ذاته، بما يمثله من لذة يزداد تقدير قيمتها في المجتمع المصري وإعلاؤها في السنوات الأخيرة، بحيث بات الحديث عن الإنفاق السخي على الطعام محل تندر عام ونكتة محببة على السوشيال ميديا. يكفى أن تنظر لعدد المطاعم في الحي السكني الذي تقطن فيه الآن مقارنة بما كان عليه الحال عام 2010 مثلا، وأن تنظر إلى التنوع وإلى دخول قائمة طويلة من الأكلات لم تكن حاضرة في حياتنا كمصريين قبل هذا التاريخ إلى هذا الحد (الكريب- الشاورما السوري- البيتزا- الفراخ البروست…).
على ضفاف الطعام
يبدو التلذذ بالطعام بالنسبة لأحمد الدريني هروبا من هم وطني وغم إقليمي، والتجاء للمتاح من ملذات مشروعة، قبل أن تفتك الهموم بنا فتكا. قبل عقود كان يقال إن الجنس هو ملاذ الفقراء الأخير والجنة الوحيدة المجانية في حياتهم، في ظل غلاء كل شيء، لكن في لعبة كراسي موسيقية دوّارة يحسب الكاتب أن كلفة الجنس، تحت مظلة تكاليف الزواج، تركن جانبا لتتيح المجال لملذات أخرى لتحل محلها. إعلاء قيمة الأكل والانكباب عليه، التي تبدو لي قرينة لشيئين، أولهما ثورة المأكولات التي اجتاحت مصر وهي نتيجة طبيعية للوفرة والإتاحة، وثانيهما الهروب بالطعام فرارا من كل ما سواه بما يمثله أحيانا من سعادة نفسية مستقلة بحد ذاتها يمكن أن تواجه ـ كمسكن – طوفان التوتر العام. وعلى ضفاف الطعام كلذة مفهومة لدى معظم البشر إن لم يكن كلهم، ينشأ الهامش الشاذ كالمعتاد، بما يمثله من اختلاف طبقات النفس البشرية بيننا إلى حد مذهل، ومن تقلب كل منا في عالم خاص متخيل، حيث بعض المحتوى الذي يبثه «الإنفلونسرز» عن الطعام على منصات السوشيال ميديا، يبدو وقد ضل مكانه الطبيعي في الـ«ديب ويب» أو الـ«دارك ويب». هناك في هذه العوالم حيث فيديوهات القتل والدفن والاغتصاب والمحتوى المرضي الخطير وتجارة السلاح والمخدرات والبشر وما لا يخطر للشيطان على بال، في هذا المحتوى يظهر البعض وهو يأكل بصورة مقززة خالية من أي لياقة تذكر، بينما تنساب على جوانب فمه بعض بقايا الممضوغ بين أسنانه وأضراسه في حين يتكلم عن نوع الطعام ومذاقه ورأيه فيه. السمت العام هو الأكل على نحو مقزز أيا كان الذي يقال، بل أحيانا لا يقال شىء يذكر تقريبا. وهى شخصيات لها حضور وجمهور يحرص على محتواها المصور. فنحن لسنا إزاء مجرد محتوى أخرق ضل سبيله لعالم الإنترنت من شخص مخبول.