كلما زادت اسرائيل مواقفها مرونة زاد العرب والفلسطينيون مواقفهم تشددا
كلما زادت اسرائيل مواقفها مرونة زاد العرب والفلسطينيون مواقفهم تشددا اعلم اذا سمعت رئيس الحكومة يتنبأ متفائلا بتسوية سلمية في غضون زمن محدد أنه يتوقع كما يبدو في القريب مرونة سياسية اخري. تحظي صيغتان سياسيتان رفضهما شارون لحينه ـ المبادرة السعودية وتلك المسماة مبادرة جنيف ـ الآن بالتقبل عند اولمرت ولفني. اذا ما تم الأخذ بمركبات منهما، فستنضمان الي مسيرة التنازلات، والانسحابات وزيادة المرونة التي قامت بها اسرائيل في هذا العقد علي نحو أحادي وبلا فائدة تقريبا.في صيف 2000 حاول رئيس الحكومة باراك لاول مرة التوصل الي انهاء النزاع بمرة واحدة. كانت التنازلات التي اقترحها في كامب ديفيد تفوق كل ما كانت اسرائيل مستعدة له قبل ذلك، مع تحطيم خطوط عُرّفت انها حمراء. رفض عرفات الاقتراحات بل أجهد نفسه في عرض اقتراحات مضادة. بعد ذلك بأسابيع خرج الفلسطينيون الي الانتفاضة. في أواخر تلك السنة، وبمحاولة يائسة عشية الانتخابات، اقترحت حكومة باراك في طابا تنازلات اخري تفوق تنازلات كامب ديفيد ولكن عبثا.مع تبدل السلطة ايضا، وتحت عنف طاغٍ، استمر التآكل لمواقف اسرائيل المبدئية.في خطبة اللطرون في 2003 قال رئيس الحكومة شارون إن الدولة الفلسطينية قائمة بالفعل . جرّ تصريحه عرض خريطة الطريق الصادرة عن الرباعية، والتي حددت ثلاث سنين لاتفاق سلام ومكّنت من اقامة دولة فلسطينية حتي قبل ذلك ـ بغير مقابل (مثلا الموافقة علي عودة اللاجئين الي مناطق تحت السلطة الفلسطينية فقط).تجاهل شارون نقائصها، وفضل إبراز حقيقة أن المرحلة الاولي تُلزم الفلسطينيين أن يحلوا البني التحتية للارهاب وفرض خريطة الطريق علي حكومته. لكن بعد ذلك بأشهر قليلة عدل عنها وخرج بمبادرة الانفصال ، التي توجد فيها تنازلات لا جديدة لا شبيه لها في الماضي: مثل حل كتلة المستوطنات وانسحاب تام الي خطوط 1967 قبل تسوية دائمة وبغير مقابل. بضغط من نتنياهو خلّص شارون من الامريكيين عددا من التفاهمات التي تتصل بالتسويات الدائمة في المستقبل مثل اعتراف امريكي بأن اسرائيل ذات حق في حدود يمكن الدفاع عنها؛ وشمل الكتل الاستيطانية الكبيرة تحت السيادة الاسرائيلية، والتصريح عن أن عودة الفلسطينيين يفضل أن لا تكون الي اسرائيل.منذ أن انتهي الانفصال أعلن مهندسوه، وفيهم اولمرت ولفني، اجراءات مشابهة في الضفة الغربية في اطار الانطواء . عاق عجز أبو مازن، وفوز حماس، وحرب لبنان الثانية الخطة وكان يمكن أن نتوقع تعلم الدروس، لكن يتبين الآن أن الانطواء الأحادي قد يستمر. منذ تنفيذ الانفصال لا يوجد حل للبني التحتية للارهاب وهو الشرط السابق للمباحثة السياسية، وتُسلم اسرائيل لحكومة الوحدة الفلسطينية التي تتضمن حماس مع كونها مستعدة للانتقال الي التباحث في الأفق السياسي ـ أي في مركبات التسوية الدائمة. إن طرح المبادرة السعودية مرة اخري، وفي مركزها طلب انسحاب الي خطوط 1967 في جميع المناطق، تحلل ايضا من التفاهمات التي تم الحصول عليها مع الولايات المتحدة منذ فترة الرئيس فورد حتي الرئيس بوش.كيف حدث أن اسرائيل تقفز من مبادرة الي مبادرة مع التخلي عن مباديء ومواقف عرّفتها في الأمس فقط كضرورية في حين أن العرب والفلسطينيين يتمسكون بمواقفهم؟ قد يكون لذلك عدة تفسيرات: علي حسب توجه اليسار مثلا، مطالب الفلسطينيين عادلة في الأساس، والاحتلال الاسرائيلي أم جميع الخطايا، لهذا فان كل تنازل أو انسحاب مبارك. وهناك مزاج آخر هو سحر المهادنة ـ اعتقاد أنه يمكن إرضاء طرف عدواني كثير الطلب بتلبية مطالبه. يوجد ايضا الانفصال عن الواقع ـ تجاهل المعطيات والوضع، كما أحسن عرضها في الأكثر أفراد الاستخبارات ـ والتوجه الي أهواء القلب. تمت أخطاء ايضا صادرة عن عدم التنبه أو ضعف الرأي. ينبع فشل سائد آخر من جهل طرق المساومة، ويبرز بروزا خاصا عدم فهم وهن أحادية الجانب: لا توجد وجبات بالمجان ولا توجد تنازلات بالمجان. وبالاضافة الي ذلك، ولا يجب الاستهانة بهذا، منذ طابا، مرورا بـ الانفصال وربما الي اليوم، ظهرت الظاهرة الخاسرة ألا وهي التنازلات من اجل البقاء السياسي في حد ذاته.هل السقوط وتوالي التنازلات سيفضيان الي إرضاء الفلسطينيين الي حد انهاء النزاع، مع انهاء مطالب اخري منا؟. لا يُخيل إلي أن هذا ما سيحدث، لانه من ناحية تاريخية كلما زادت اسرائيل مواقفها مرونة تشدد الفلسطينيون بمطالبهم، إما بسبب أحادية مسيرة التنازلات التي لم تُشترط بتنازلات متبادلة، وإما لان الفلسطينيين لم يُمكّنوا في أي محاولة سابقة من اغلاق النزاع. الحكومة الفلسطينية الحالية تُعيدنا بمواقفها الي تلك المواقف التي سبقت اوسلو، ورويدا رويدا يلوح ايضا إلحاح فلسطيني – اسرائيلي، ينضم الي الخارجي، ولا يعني انهاء النزاع بل انهاء الدولة اليهودية.لا يبنون السلام هكذا. يُحتاج في البدء الي توجه اسرائيلي مخالف ـ بريء من الاخفاقات المذكورة آنفا، لا يوجد فيه مهادنة لا قدرة لها علي البقاء، وينحصر بتقديم المصالح الاسرائيلية لا بالتضحية بها.عوزي أرادكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 4/4/2007