كلما نظرت إلى امرأة قلت: ‘سأحبها في وقت لاحق’

حجم الخط
0

حكاية رجل يفتح اقواسا فاروق يوسفالتقيت في برلين رجلا مولعا بفتح الأقواس أثناء الحديث. كان كلما فتح قوسا يرفع يديه ويحرك أربعة أصابع، من كل يد اصبعان. وبسبب كثرة الأقواس التي فتحت وظلت فارغة فقد شرد ذهني عن الكلام الذي كان ذلك الرجل يقوله. فكرت في نفسي ربما تكون هذه هي غايته. أن يوقع بي قبل أن أفهم منه شيئا. أن أذهب إلى اللحظات الصامتة من غير أن تتاح لي فرصة التساؤل. ربما كان قصده أن يوهمني بان هناك مناطق لا يزال فيها الكلام مؤجلا. كان بعد كل قوس يفتحه ويغلقه لا ينتظر مني سوى هزة رأس ليستأنف جملته الطويلة. وهكذا ومن غير أن أدري، بعد قوس، قوسين، ثلاثة وجدتني محروسا من الجهتين بأقواس عديدة لا يمكنني أن أتخطاها. اما هو، فقد كان يقف خارج الأقواس التي يلقيها وراءه مثلما يفعل الصياد حين يترك فخاخه في انتظار الفريسة. كان الرجل نوعا من ساحر وكان ما يفعله نوعا من الفن.

الحيلة عينها التي جربها الفنانون عبر العصور. من فناني الكهوف حتى فناني المفاهيم كانت تتمثل في الرغبة في دفع المشاهد إلى مناطق بصرية يائسة تحتدم. حين يطبق المشاهد عينيه مضطرا تأخذ اللعبة مسارات أخرى. يمكن لنا دائما أن نتخيل أننا كنا مخدوعين. ما نخرج به منتصرين هو في حقيقته ليس سوى فقاعات الصابون التي تعمي العيون. لذلك فان أية عودة إلى عمل فني أسرنا من قبل ما هي إلا بداية جديدة في النظر إلى ذلك العمل. ما بقي من ذلك العمل في الذاكرة هو خيط دخان. نحن نستأنف علاقتنا بالعمل الفني الذي سبق لنا وأن رأيناه في كل محاولة نظر جديدة من لحظة صفر. ومع أنني لا أحب زيارة المتاحف، فقد كنت أجد نفسي مضطرا أحيانا إلى الدخول إلى متحف ما لرؤية عمل فني بعينه. لا لأنني لم أر ذلك العمل من قبل، بل لأني أدرك ان حواري مع ذلك العمل قد انتهى من قبل إلى خيال جمالي ناقص. مثال ذلك ما حدث لي حين عرفت ان لسيزان مستحمات في الناشيونال غاليري بلندن. اعتقد ان ما نقوم به في هذا المجال لا علاقة له بفكرة العودة إلى عمل فني نحبه. ففي الطريق إلى العمل الفني الحقيقي هناك فخ دائما. يفضل الكثيرون الوقوع في ذلك الفخ الذي يحضر على هيأة فكرة ذهنية ميسرة، متعة بصرية ضاربة، نغم ملح يتكرر مثل جملة موسيقية متأنية. حينها ننسى ما تبقى من الطريق لنكتفي بالجلوس في تلك الاستراحة ونحن على يقين من أننا قد وصلنا إلى الهدف. ذلك اليقين هو في حقيقته محاولة للهرب من الاستمرار في المشي في طريق قد لا تؤدي. شعورنا بالعجز تعبر عنه جملة مترددة: ‘رأيت ذلك العمل من قبل، غير أنني لم أركز عليه. كان هناك الكثير من الأعمال التي تستحق أن يراها المرء’. ولطالما شعرت بالندم لأنني لم أقف طويلا أمام عدد من الاعمال الفنية. شعرت ذات مرة بلسعة من (فيدوفا) وانا أغادر أحد المتاحف. حاولت أن التفت، غير أني كنت متعبا. يقول المرء لنفسه: ‘سأعود إليه’ غير أنه يعرف أنه يبتكر ذريعة ليس إلا. لقد تعلمت أن أشتري قطعة الثياب التي تعجبني ما أن أعثر عليها. اما حين أقول لنفسي بتردد: ‘سأعود إليها’ فان ذلك يعني انني سأغادر البلد من غير أن تكون معي تلك القطعة. بالنسبة للمسافر فان هناك دائما شوارع وساحات وأفنية وفضاءات ومطاعم ومقاهي ومحطات وقاعات ومتاحف أخرى. لن تكون العودة إلى المكان نفسه مسلية. كما أن علينا أن لا ننسى أننا ننسى. ما أن أجلس على مقعدي في الطائرة حتى أشعر بالندم. لقد فتحت الكثير من الأقواس وظلت المسافة التي تفصل بين القوس والقوس الذي يقابله فارغة. لقد خدعت نفسي، حين صرت أشير إليها بأربعة أصابع في محاولة مني لتهدئتها. كيف يمكنني أن أغفر لنفسي مثلا أني وقفت مرتبكا أمام (فتيات افنيون) لبيكاسو مثل رجل هبط لتوه من سيارة آجرة باحثا عن فندق يقيم فيه أصدقاؤه؟ لقد تكرر ذلك الامر مع بيكابيا وهانس آرب وديلوني وبولوك وروشنبرغ ووليام دي كوننغ وشاكر حسن ولوكوربوزيه وماكس ارنست وبوسان وكرافاجيو وديغا وغويا. وحده فنسنت فان غوخ لم ينله ذلك الحيف. كنت أدخل إلى غرفته (في كل مكان) وأنا أعرف أن صلاتي ستكون طويلة.’اشبع من فنسنت يا قلبي’النظر إلى رسوم فنسنت بالنسبة لي مثل الكتابة. مثل النظر إلى امرأة أحبها. مثل العودة إلى العراق في الحلم. من أجل كل ذلك احتاج إلى وقت لا علاقة له بالساعة التي في معصمي ولا بالساعة التي على جدار المطبخ ولا حتى بالساعة التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان الفرنسي. مع فنسنت يكون المرء في مأمن من الزمن. في الميتافيزيقيا لا يحتاج المرء إلى أن يفتح قوسا ويغلقه. يقنعك فنسنت برداءة المناخ في الخارج فيأخذك إلى غرفته في آرل. يلذ لك أن تمثل دور بول غوغان. طبعا لن تكون خلاسيات غوغان في متناول يديك. ولن يطلق أحد الرصاص عليك. ولكنك ستكون الصديق المثالي. لن يخدعك فنسنت. سيجلب لك من المقهى التي رسمها كاسا من النبيذ الأحمر. ‘بوردو’ تبتسم فقد هيأت حالك. حقيبتك مليئة بالقناني. لن يرفع فنسنت يديه ليفتح اقواسا. حياته نفسها كانت ذلك المكان الصامت الذي لا يحتاج فيه المرء إلى الكلمات. يبتسم فنسنت لأنك تعرفه. لو لم ينتحر لكان قد رسمك مثلما فعل مع الدكتور هاشيت. بالنسبة لي فان رسوم فنسنت تخلو من الفخاخ. كل لوحة هي بئر يسقط فيه المرء ولا يخرج. ما من يوسف يا أبي. إذاً يحتاج المرء إلى حيوات كثيرة لكي يتابع فنسنت. ذلك الساحر الذي لم يفتح قوسا في حياته. لم يرمم جثث الكلام بل اخترع لغة جديدة. حيلته في الرسم كانت يابانية، غير أن اليابان كلها، بعظمة ثقافتها لا يمكن أن تهب طبيبا بالرسم مثله. يوما ما سيكتشف الأطباء النفسانيون علاجا لمرضاهم بفن فنسنت. هل الحاجة إلى فن غوخ مرضية؟ لا أقصد ذلك، وإن كنا بطريقة أو بأخرى جميعا مرضى. يشعر المرء وهو يقف أمام رسوم فنسنت بأنه تأخر في اكتشاف مرضه.

لو لم يفتح صاحبي أقواسه لي في برلين لما أكتشفت ان عظمة فنسنت تكمن في أنه لا يفتح قوسا. سألجأ إليه في كل مرة التقيه فيها لأنظف بنظراته المسافة التي تقع بين قوسين. سأصدق أن فنسنت لم ينتحر يأساً. ذلك لان رسومه صارت تنقذ الالاف من البشر يوميا من الانتحار. ستكون لدى كل واحد من زواره نسخة منه. ستمر حكاية اذنه المقطوعة كما لو أنها جزء من خرافة. لا يحتاج فنسنت إلى ذلك الرجل العاشق الذي أهدى عشيقته أذنه لكي يكون موجودا بقوة في تاريخ العاطفة. هي واحدة من خرافاتنا. رسومه مشبعة بالحياة، بما يكفي للقفز على كل الأقواس المتخيلة. أذنه المقطوعة هي قوس يمكن القفز عليه. مر فنسنت نفسه بالطريق الضيقة التي نمر بها، ولأنه لم يجد أحدا فقد ظن أن مهمته قد انتهت. لذلك قضى منتحرا. ‘أيها الموت أهبك جسدي’ لو كان فنسنت رجلا يجيد فتح الأقواس لكان شبيها بذلك الرجل الذي التقيته في مطعم ببرلين. أربعة اصابع في الهواء وتكون الكذبة كلها حاضرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية