كلمة الحق في قاموس الباطل
د. علي محمد فخروكلمة الحق في قاموس الباطليقال بأن لاخلاف حول مبادئ الديمقراطية الأساسية وانما الخلاف هو حول وسائل وأشكال تطبيقها في الواقع. من هذه الحقيقة البسيطة يدخل العالم في محنته مع الولايات المتحدة الامريكية. فهي تصنٍّف وتبارك وترضي عن وتغضب علي هذه الديمقراطية أو تلك، لا من خلال موازين معروفة، وانما من خلال توافق مصالحها الامبريالية مع هذا الشكل من التطبيق أو ذاك. ونخطئ اذا اعتقدنا بأن امريكا تكيل بمكيالين، اذ أنها تكيل بألف مكيال، وحتي درجة الغثيان.تبدأ القصُّة عندما تصل طائرتنا، بعد عناء وارهاق ساعات طويلة من السفر، فوق مطار عاصمة من عواصم بلدان الشرق الأقصي. قبل الهبوط بدقيقتين يعلمنا قبطان الطائرة بأنه مضطر ليحوم لمدة نصف ساعة لأن المطار قد أغلق من أجل هبوط طائرة رأس الدولة. نبقي في النهاية، نحن وغيرنا، نحوم لمدة ساعة كاملة قبل أن تأذن لنا سلطات مطار جمهورية تدُّعي أنها ديمقراطية بالهبوط الذي لايمكن أن يبدأ الاً يعد أن ينتهي قرعٌ الاستقبال وشحنٌّ شٌنط رأس الدولة. وفقط عندما يبدأ المطار باستقبال المواطنين العاديٍّين، هؤلاء الذين وضعوا رأس الدولة علي عرش سلطانه يمكن لطائرات عباد الله بملامسة أرض المطار.كانت هذه أول اشارة الي احد تطبيقات الديمقراطية في ذلك البلد. لكن الاشارات تتوالي في الظهور. نكتشف في الحال أن تلك الدولة الديمقراطية قد عانت من العيش في ظلٍّ الأحكام العرفية عندما خرجت جموع هائلة من المواطنين تطالب باستقالة رأس الدولة واسقاطه من علي عرش حكم فاسد حتي النخاع، متعاون مع حثالات جنرالات الجيش الفاسدين، خاضع لادارة الأجانب ومقدُّمٍ البلاد كصحن شهيٍّ فوق طاولة قوي العولمة النًّهمة. وتكتمل قتامة الصورة عندما نعلم بأن حكومة رأس الدولة لم تستطع أو لم تٌرد، منع اغتيال أكثر من مئة وأربعين من قادة ونشطاء المجتمع المدني المعارضين لسياسات الحكومة والمدافعين عن الفقراء والمهمُّشين.أين تكمن المفارقة؟ انها تكمن في أن هذه الجمهورية هي من أكثر حلفاء امريكا المقرُّبين والمفضلين والمتعاونين الي حدود التبعيُّة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية. ولأنها كذلك فانها في عرف عتاة اليمين الأصولي الصهيوني في واشنطن وفي عرف الاعلام الامريكي تعتبر من الدول الديمقراطية التي يشار اليها بالبنان. وعليه فان الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض، الذي يوزٍّع يومياً التٌّهم بحق دول العالمين العربي والاسلامي ويٌنصب دولته كضمير للعالم، ولايجد لدولته مبرٍّراً لأن يكون اغتيال الأبرياء في دولة حليفة خاضعة كتلك الجمهورية موضوعاً يستحق الاهتمام ورفع الصوت العالي مثلما تفعل دولته مع الآخرين.لا يماثل هذا الصُّمت المخجل الاُّ صمت امريكا عن جرائم الاغتيالات اليومية الصهيونية في فلسطين المحتلُّة، ولايكشف معانيه الاٌ عندما نري اغتيال فرد واحد في احدي دول الوطن العربي مبرٍّراً يستوجب تكوين لجان التحقيق الدولية وعرض الأمر علي مجلس الأمن، لكنه لا يستوجب حتي الادانة الدولية الشفهية عندما يتعلق الأمر بالدول المباركة من قبل سلطان واشنطن. فكأنُّ امريكا تقول لنا بأن اختلاف الناس في مراتبهم السياسية يعني اختلافهم في قيمتهم الانسانية، وهو ما يدمٍّر أهم أسس الديمقراطية في تساوي البشر في الروح والكرامة.ولكن من قال بأن امريكا معنيُّة بالمبادئ الأساسية الأخلاقية للديمقراطية؟ ان الديمقراطية، مثلها مثل الطائرات ومثل الرؤوس النووية، هي أداة للاستعمال من أجل المصالح الامريكية العليا في بلاد العرب والمسلمين ولكنها في بلاد الأصدقاء والحلفاء تصبح شبحاً لايرٌي. في بلاد العرب يصبح شكل تطبيق الديمقراطية قضية من القضايا الكبري في القرن الواحد والعشرين لكنه في بلاد الحلفاء يصبح قضية هامشية. ان اختلاف تطبيق الديمقراطية في مختلف بلاد العالم هو حقيقة تاريخية واجتماعية، لكن كلمة الحق هذه تنقلب الي باطل شيطاني غامض عندما تدخل في القاموس السياسـي الامريكي.9