احمد بابانا العلوي
ـ 1 ـ منذ زمن ليس بالقصير حاولت بكل قوة ان ابتعد عن الكتابة او الخوض في الانتخابات الموريتانية الجارية… لاسباب لا اريد الخوض فيها، فبعضها ذاتي والبعض الآخر موضوعي… ولكن المهم في الامر كله، هو انني حاولت ان اقنع نفسي بان اكون علي مسافة كمثقف وكاتب عن الوضع الموريتاني المعقد نتيجة لتناقضاته العميقة سواء منها الاجتماعية او السياسية او الاقتصادية او الثقافية، وهي تناقضات تعمقت وتجذرت بفعل وصول العسكر الي سدة الحكم منذ حوالي ثلاثة عقود.
هذا الوضع وصل الي افق مسدود خلال العقد الماضي واصبح الجسم الموريتاني يتطلب اجراء عملية كبيرة لانقاذه من سكتة قلبية وشيكة.. الا ان غياب الحكيم او النخبة السياسية المؤهلة للقيام بالدور التاريخي لانقاذ الدولة والمجتمع من الدخول في نفق مسدود سيؤدي حتما الي الاضمحلال ونظرا لان العسكرة ادت بالفعل الي عقم سياسي اجتماعي حقيقي.. فان النخبة الحاكمة لجأت الي مسكنات وعمليات تجميلية تلبي متطلبات خارجية او مصالح فئوية داخلية آنية، ولكنها بالتاكيد لا تعالج الازمة العميقة للدولة والمجتمع في لحظة العولمة الجارفة التي سوف تعصف بالعديد من الاوضاع الهشة التي لم تعد تلائم المتغيرات المتسارعة للعالم في الالفية الثالثة.
لقد كتبت رايي في الاوضاع، وقلت كلمتي، وانصرفت، وقد يقول قائل بان رأي الكاتب قد لا يسمن ولا يغني من جوع، وعلي كل حال فالراي قبل شجاعة الشجعان… اما ما يعني الكاتب فهو ما عبر عنه امير الشعراء احمد شوقي رحمه الله:
قف عند رأيك في الحياة مجاهداان الحياة عقيدة وجهادنعم لقد حاولت النأي عن الكتابة في الشأن الموريتاني الا ان شيطان الكتابة الذي يأخذ بناصية الكتاب، وتلابيبهم كما يعلم جمهرة الكتاب قد يدفع الكاتب الي ان يكتب في امر لا يحبذ تناوله اما لعبثيته او لانه اصبح عصيا علي الادراك!.. الا ان سلطان الكتابة قد يفرض نفسه علي الكاتب، وسلطان الكتابة مثل الهوي فانه غلاب! ـ 2 ـ ان مهمة الكاتب ان يكون شاهدا علي عصره ومجتمعه… لان الكتابة تعبير عن راي اي عن رؤية وتصور بمعني الحكم والتقدير وادراك لحقائق الاشياء بموازين العقل والضمير.. في حين ان انعدام الرؤية لدي اي مجتمع يعكس بالفعل حالة من فقدان النخبة لقدرتها الادراكية ووعيها بشروط التقدم ومن ثم ابقاء المجتمع في وضعية بدائية متخلفة.
لا شك بان انعدام الرؤية سيؤدي حتما الي فقدان الوعي الذي هو تعبير عن تخلف حضاري وتاريخي… ولكي يخرج المجتمع من حالة التخلف لا بد من اعادة بنائه وفقا لشروط جديدة قادرة علي التفاعل مع العالم ومع التاريخ… ذلك ان جوهر عملية السياسة في معناها الحديث هو قدرة الدولة والمجتمع علي اشباع الحاجيات وتحقيق المصالح الحيوية.. وبعبارة اخري انها جملة العوامل التي تسمح لمجتمع ما ان يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره.
هذه العلاقة التطورية التي تنقل مجتمع ما من حالة التخلف والبداوة والجمود الي حالة الحضارة والتطور والفعالية… لا يمكن ان تتحقق الا بتوفر شروط تغير شبكة العلاقات الاجتماعية وبتغير شبكة العلاقات الاجتماعية يظهر نظام اجتماعي جديد يتيح للجماعة ان تتطور الي شكل راق من اشكال الحياة الاجتماعية… ومن هذا المنظور فان النظم الاجتماعية هي اساس كل حركة سياسية تشمل المجتمع في حالة المحافظة او التقدم.. وبالتالي من الوهم ان نتصور ان نظاما غارقا في بداوته الاجتماعية والسياسية وعقليته العشائرية وتخلفه الاقتصادي والثقافي، سوف يتحول الي دولة مؤسسات وقانون.. لمجرد ان المؤسسة العسكرية الحاكمة قررت اجراء انتخابات لتنقل البلاد الي جنة النظام الديمقراطي!. هذا نوع من المجازات والكنايات التي يختلط فيها الواقع بالخيال فيتم استبدال مشتقات قديمة بالمشتقات الجديدة الا ان المشتقات الجديدة لا تخرج عن كونها صورا وتعبيرات لسلوكيات النظم العسكرتارية التي سادت البلد منذ عقود… اما خلاصة ما يجري الآن فهو مجرد تصارع القوي وتدافع المطامع، وتنافس علي مراكز الحكم بين ذوي الحول والحيلة، وهناك فئات من العسكريين ورجال الدين وكبار التجار والمغامرين والمحتالين سوف يثبون الي مراكز الحكم ويستاثرون بسلطانه، مستعينين باعوان من الدهاة واصحاب الحيلة، وتجار السياسة… وعلينا ان نعلم بان الديمقراطية اجراءات لتحقيق الحرية وتحرير الارادات، وعملية تنظم ممارسة الحرية.. فاذا تمسكنا بالاجراءات وحدها او بشكل النظام، فاننا نفتح المجال لتزييف جوهر الحقيقة… ثم ان الغاية من سياسة المجتمعات هي المحافظة علي قوة الدولة ومناعتها في معترك الامم.. وبغير مناعة ولا قوة لا امان علي الدولة من الضياع او الخضوع لاعدائها. ـ 3 ـ تنصب الخيام الاميرية في مختلف الاحياء والمقاطعات والدوائر الانتخابية للعاصمة الموريتانية نواكشوط بمناسبة انطلاق الحملة الانتخابية البلدية والتشريعية التي ستجري يوم 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 وقد انخرطت النخب السياسية الموريتانية بجميع اطيافها في العملية الانتخابية ربما املا في احداث تغيير ما علي موازين القوي السياسية التي فرضها النظام العسكري الذي يسود البلاد، منذ ما يناهز ثلاثة عقود، نهبت خلالها الثروة الوطنية وسرق المال العام وانتشر الفساد واستحكم، بل اصبح هو الثقافة السائدة وتم تدمير النسيج الاجتماعي وشل قدرات المجتمع المدني، واطلق العنان للفساد والافساد المنظم، وكل ذلك بغية ابعاد المجتمع عن التفكير في الانتقال الي نظام سياسي مدني حقيقي يكون فيه تدبير الشأن العام شفافا ومراقبا من طرف مؤسسات حقيقية ذات مصداقية معبرة عن ارادة الامة.
وعندما ضاقت السبل بالنظام العسكرتاري الحاكم، انقلب علي راس النظام في الثالث من اب (اغسطس) 2005، وحل محله علي راس الدولة رئيس الشرطة، وتم تقديم وعود قاطعة باجراء بعض اصلاحات اقتصادية ودستورية تتوج باجراء انتخابات بلدية وبرلمانية ثم رئاسية في سنة 2007 كل ذلك بقصد نقل السلطة الي المدنيين، حسب الوعود القاطعة التي قدمها العسكر الي الراي العام الموريتاني… والسؤال الذي يطرح نفسه بمناسبة انطلاق المسلسل الانتخابي الموريتاني هو هل وضعت فعلا الآلية السليمة والناجعة للانتقال نحو نظام مدني حقيقي تقوده نخبة وطنية لديها برنامج ومشروع اصلاحي ينقل البلاد من البداوة الفكرية والسياسية الي مجتمع متحضر يؤسس لدولة متطورة يشارك مواطنوها في صنع مستقبلهم بانتخاب مؤسسات تمثل ارادتهم الحرة؟
لعل المتابع للتطور الدستوري والسياسي في هذه المنطقة من العالم سوف يلتزم موقفا حذرا من التجربة الدستورية الموريتانية ربما لانها لا زالت جد بسيطة ومتواضعة من حيث موقعها في المسيرة الديمقراطية والمؤسساتية.. ولكن هذا لا يمنع الباحث او الدارس انطلاقا من منطق العلم ومنطق التجربة معا ان يسائل ويحلل التجربة انطلاقا من الممارسة العملية للصناع وما يمكن ان يترتب علي ذلك في المستقبل.. واذا ما نظرنا الي التجربة من منظور الثقافة السياسية اي كل ما يتعلق بتدبير الشان العام من نظام سياسي وقواعد تنظيم العلاقات العامة، ومجالات عمل مؤسسات الدولة وادوار هيئات وتنظيمات ومكونات المجتمع المدني والسياسي، وآليات اشتغالها، ووسائل التعبير عن توجهات الراي العام، وكذلك الخيارات، ومناهج وطرق التدبير، واتخاذ القرارات، وكل ما له علاقة بمزاولة العمل السياسي… فلا بد من تحديد شكل النظام الذي ترتكز عليه التجربة في ثقافتها السياسية، ويؤثر في بلورة الخيارات والتوجهات والممارسات، ولا شك باننا امام نظام سياسي ينتمي الي النظم السياسية التقليدية البسيطة والبدائية باعتبار ان التمايز الابرز بين الدول ونظم الحكم يتجسد فيما تتميز به سياستها او يطبع هذه السياسة من الاجماع والاتفاق، والشرعية والتنظيم والفعالية، والاستقرار، وتلك التي تعاني سياستها من عجز علي هذا الصعيد. ما اريد التركيز عليه في هذا المجال هو ان النظم السياسية المبنية او المؤسسة علي قواعد واصول وتقاليد وتراكم تجارب… هي التي لدي مواطنيها وقادتها رؤية مشتركة للمصلحة العامة للمجتمع، بحيث توجد بيروقراطية فاعلة، ونشاط اقتصادي متطور، ورقابة مدنية علي القوات المسلحة واجراءات من اجل تنظيم انتقال السلطة وضبط الصراع السياسي، اما المجتمعات التي يسود فيها النظام السياسي التقليدي البسيط فالحكم فيها غير فعال يفتقد للاستقرار ويعاني من ضعف الثقة المتبادلة بين المواطنين في الولاء القومي العام، كما يعاني من الضعف في المهارات والقدرات التنظيمية.
ويمكن ان نضيف الي العناصر السابقة ما اشار اليه احد الباحثين الغربيين من ان الدولة في البيئة العربية العشائرية كانت دائما مؤسسة ضعيفة، كما ان المصلحة الخاصة كانت دائما اعلي من المصلحة العامة… وباختصار فان ما نريد التاكيد عليه ان هناك بونا شاسعا بين المجتمعات المتطورة سياسيا والمجتمعات المتخلفة… وبالتالي فان التحول من نظام اجتماعي الي آخر يتم وفقا لعملية التغير الاجتماعي والاقتصادي بحيث اذا انهارت البنيات التقليدية فيحب استحداث مؤسسات اجتماعية او اشكال جديدة للوصول الي مستوي عال من التطور السياسي. الا ان القدرة علي انشاء مثل هذه المؤسسات يتطلب تحرير الارادات بخلق ديناميكية اجتماعية الامر الذي سيؤدي الي ايجاد تنظيمات اكثر فعالية تعتمد علي المهارات والقدرات التنظيمية للشعوب… وبالتالي فان الاصلاح السياسي هو اختيار من طرف شعب ما بارادته الحرة من اجل التحرر من نظام يكبل قدراته ويعطل تقدمه ثم الانخراط في مؤسسات تعبر عن تطلعاته في الانتقال من طور التخلف الي طور التقدم، فان عملية الاصلاح لا بد ان تتمخض عن فعاليات المجتمع وقواه الحية، ولا تتم عن طريق املاء او وصاية من طرف مجلس عسكري كما هو الحال بالنسبة للتجربة الموريتانية، فالاصلاح الحقيقي هو الذي تقوم به القوة الحية بالبلاد، وهي وحدها المؤهلة للقيام بها، لانها هي وحدها التي تعبر عن الوعي بضرورة الانتقال من نظام الدولة التقليدية الي دولة المؤسسات حيث المشاركة السياسية الواسعة لكل فئات المجتمع وحيث المراقبة الشفافة ليس فقط لمزاولة الحكم ولكن لمزاولة العمل السياسي اي كل ما له علاقة بالشأن العام.
ان الذين ينتظرون من التجربة الحالية ان تغير من جوهر السلطة في البلاد، واهمون اشد الوهم لان تغير جوهر السلطة لا يتم الا وفق معادلة اجتماعية تغير من بنية الدولة وهيكلية المجتمع ذلك ان اشكالية السلطة تعتبر الركن الاهم في عملية الاصلاح السياسي، وبدون تغيير جوهري في بنية العلائق الاجتماعية فلن يكون هناك بالامكان ظهور قوة اجتماعية فاعلة وقادرة علي خلق نظام اجتماعي متوازن تتوزع فيه السلطة علي مؤسسات مسؤولة ومراقبة من طرف المجتمع.
فالمسألة لا يمكن حصرها في سياق انتخابي من اجل الحصول علي مقعد في البرلمان ولكنها تكمن بالاساس في دور المؤسسة البرلمانية التشريعية والرقابية وفي السلطة المخولة لها دستوريا من اجل ان تكون قوة فاعلة في تطوير المجتمع.. ان المراقب الموضوعي للشان السياسي الموريتاني والذي يسعي الي فهم النسق السياسي بكل تعقيداته، سوف يصل الي نتيجة اساسية وهو ان ما يجري علي الساحة الموريتانية لا يعدو ان يكون مظهرا من مظاهر الحالة التي اطلق عليها الباحث زكي العيدي (ZAKI LAIDI) (ديمقراطية النسكافي La d‚mocratie Nescaf‚) بحيث تصبح الديمقراطية مجرد سلعة استهلاكية، او اطارا شكليا بدون مضمون لان عملية الاصلاح تحتاج الي نخبة وطنية تحمل مشروعا مجتمعيا لاعادة بناء المجتمع وتاهيل مؤسسات الدولة وتحرير الارادات والطاقات الخلاقة للمجتمع… هذا المشروع غائب تماما عن التجربة الموريتانية التي وضع العسكر خطوطها وقواعدها… وهي بالتالي لن تختلف كثيرا عن التجارب السابقة التي مورست خلال العقود الفارطة، بل انها تكرار لها بصبغة اخري. ـ 4 ـ ان الباحث المدقق في مكونات المشهد السياسي في اللحظة الراهنة وعلي المدي المنظور ونتيجة لتراكمات العقود المنصرمة سوف يتوصل الي ان السلطة الحقيقية المنظمة التي تمسك بجميع خيوط القرارات داخل دواليب الدولة وخارجها هي المؤسسة العسكرية.
وبالتالي فان الهدف الاستراتيجي من العملية الجارية، سواء وعت النخبة بذلك او غاب عنها الوعي والادراك، هو اعادة انتاج النظام السياسي بصيغة اخري مقبولة من طرف القوي الدولية المؤثرة، وتفرضها بالداخل موازين القوي القائمة… فالعملية السياسية القائمة تقضي بادماج النخبة السياسية وترويضها داخل حقل سياسي حددت فيه ادوات اللعب، ورسمت القواعد كلها بشكل مسبق، وفرضت علي الجميع بغرض تكريس هيمنة المؤسسة العسكرية كسلطة محورية داخل الحقل السياسي. ـ 5 ـ هذه هي ملامح الصورة كما بدت لي كملاحظ ودارس يراقب الشأن الجاري من بعيد.. اما معركة الاصلاح فهي معركة مستمرة، وممتدة عبر صيرورة الزمن لانها تروم اصلاح الحكم، واصلاح المجتمع، واصلاح الدولة فهي بالتاكيد معركة صناع المستقبل… اما الاشكال الفارغة من كل مضمون فانها قد تدول بفعل القوة ومنطقها الي حين ولكنها في النهاية الي زوال… ان مسألة الحكم كما يري استاذنا العقاد رحمه الله مسألة تتنقل بها الحلول من عصر الي عصر والعلم بمواطن الخطأ والصواب منها افضل واسلم من الجهل بها علي كل حال.. فلا بد من الزاد الضروري للمقابلة والمقارنة بين التجارب المتوالية، لتثبيت اصول الحكم وقواعد الحقوق، طلبا للاصلاح والكف عن الطغيان والاستبداد في جميع العصور.