كلمة في وداع عبد السلام العجيلي

حجم الخط
0

كلمة في وداع عبد السلام العجيلي

ماجد رشيد العويدكلمة في وداع عبد السلام العجيليعرفت مبكراً الدكتور عبد السلام العجيلي، مذ كنت في الخامسة عشرة من عمري، بعدها بسنوات ثلاث تعرّفت عليه أديباً مع روايته باسمة بين الدموع وبعض قصصه القصيرة. ولعلني من يومها وأنا أتابع أخباره علي الصعيد الشخصي والأدبي والسياسي، متابعة الشغوف بما أنتج، وبما يصرّح به. فهذا الرجل الكبير كان غاية في الطيبة كأنما في حياته تمثّل الحديث النبوي الكلمة الطيبة صدقة وكان غاية في التواضع تواضع العارف الملآن علماً وأدباً. وكنتَ تراه في سيره محني الرأس ليس عن خلل في البنيان الذي ظل شامخاً حتي اللحظات الأخيرة من عمره، وإنما عن هذه الكتلة العظيمة من التواضع يحملها علي كاهله علي مدي تسعين عاماً كأنها صخرة سيزيف لا يملّها ولا تملّه لأنها كانت بعضه في حياة أدرك أنها زائلة وأنها متاع زائف لا يستحق أن يتجبر الإنسان من أجله، ولا أن يمشي في الأرض مرحاً، رغم أن هذه الدنيا أعطته من المال والجاه ما يجعل غيره من محدثي النعمة من المناضلين يتيه في الأرض مرحاً وهو المركوب من جهل فاقع، وأعطته من العلم والأدب ما صنع عبره ما يزيد علي أربعة وأربعين كتاباً في مختلف صنوف الكتابة أجاد فيها كلها، إلي جانب حيازته لغتين أتقنهما، وكتب بالفرنسية محاضرات عديدة قرأ بعضاً منها في الكوليج دي فرانس، ما دفعني إلي سؤاله يوماً عن سبب إحجامه عن كتابة بعض قصصه بها، فأجابني يومها أنه يحب لغته العربية أكثر وبها يعبر عن خلجاته ومشاعره بشكل أكثر سلامة وسلاسة.ولا أدلّ علي تواضعه وشفافيته من تقبّله النقد، ومن الثناء علي الناقد الذي يقوم في نقده علي كشف عيب أو أكثر في عمل له: فعندما بدأت بقراءة أجملهن روايته قبل الأخيرة، وجدت فيها فصلاً راعني لحظتها أن أتأكد من أنني قرأت هذا الفصل سابقاًَ ولكن أين؟ وكيف لرجل مثل العجيلي له هذه التجربة الطويلة في الكتابة الأدبية أن يوظّف في رواية له نصّاً مأخوذاً عن غيره كما يذهب الظن بالقارئ أول وهلة. ولأنني رفضت هذا الاستنتاج قرّبت من نفسي فكرة أن العجيلي اقتبس من نفسه. وهنا شرعت بإعادة قراءة كتبه إلي أن انتهيت عند كتاب دعوة إلي السفر وهو من كتب الرحلات عند العجيلي وفيه وجدت ضالتي.. الفصل ذاته.. وهو مقال بعنوان رحلة إلي جوف الأرض ، وبين كتابة المقال 1956 ورواية أجملهن الصادرة في عام 2001 خمس وأربعون سنة. وكان هذا الأمر محور سؤال في واحد من حواراتي معه، ولا أنسي أنه أثني علي ما وصلت إليه.وحساسيته تجاه قضاياه الوطنية والقومية ظلّت ترافقه عمره المديد، مبتدئاً في تجسيدها سلوكاً منذ التحاقه بجيش الإنقاذ، وكان يومها نائباً في البرلمان في الثلاثين من عمره، الذي ذهب لينقذ فلسطين من يهود عصرنا فعاد من التحاقه هذا حزيناً ومتحسراً ليس فقط علي ما ضاع من الأرض وإنما علي ما اكتشف من خبث السياسة والسياسيين. وظل يجسد هذا الحب لبلاده وتاريخه ويمارسه في عيادته مع مرضاه، وفي ترحاله في أربع أرباع الأرض. ولعل خير قصة عنده ناطقة بهذا الحب هي قناديل إشبيلية التي صوّر فيها حياة عربي يحنّ إلي ماضيه أو يفاخر بذلك الماضي، ويقعد عن العمل لاستعادة مقومات ما يفاخر به وينزلق إلي أن يصبح تابعاً لمن طردوه من داره وسلبوه خيراتها. وكان علي الصعيد السياسي رجلاً واضحاً ومباشراً، ولما سئل عن رأيه في الوحدة المزمع إقامتها بين مصر وسورية رأي في مقال له نُشر في جريدة الكفاح عدد 20 ، الصادر في 23 كانون الثاني (يناير) 1958 بأن الفروق الواقعية في النظم الاقتصادية والحقوقية والإدارية التي تسير عليها الدولتان، وفي مستوي المعيشة، هي فروق جسيمة تكوّن علامات استفهام كبيرة في فكرة تكوين دولة موحّدة . ولإنجاح هكذا وحدة يجب أن تتوفر شروط موضوعية لإقامتها. وطلب أن تتخذ الدولتان فرصة علي عدد من السنين تعملان خلالها علي اتخاذ الخطوات الكفيلة بإنجاح الوحدة في حال قيامها. وعندما وقع الانفصال، وافق علي الدخول في حكومته التي أنشئت أصلاً لإعادة الوحدة، وهي الحكومة التي انقلب عليها البعثيون في الثامن من آذار (مارس). هؤلاء البعثيون المحسوبون علي التقدمية الذين طالبوه براديو ترانزستور أيام كان وزيراً للإعلام، بعد عامين من تخليه عن الوزارة، ووجِدَ هذا الجهاز التافه في درج مدير مكتب الوزير. وأما قصته الشهيرة أيامي في جزيرة شاور والتي صوّر فيها العلاقة بين التقدمي و الرجعي عبر ما سماه في قصته بالحزب التقلطي أي التقدمي والحزب التكحزي أي الرجعي، وكيف تمت إضاعة هذه الجزيرة علي يدي التقلطيين. المرحوم الناقد المصري أحمد محمد عطية انتقد القصة نقداً شديداً، واتهم العجيلي بأنه يهاجم التقدمية ودورها في تنمية البلدان من خلال هجومه في القصة علي بطلها دحمان ، هذا الناقد ذاته يرسل إليه بعد مضي خمس عشرة سنة من نقده للقصة من إحدي الدول العربية رسالة يقول له فيها بالحرف كل ما كتبته أنت عن جزيرة شاور يطبق هنا علي التمام! .لقد أدرك عبد السلام العجيلي الذي اشتغل في السياسة في وقت مبكر من تاريخه نوعية الحكام التقدميين من العرب، ولذا فلقد ذهب إلي مهاجمة المتاجرين بالتقدمية، وليس التقدمية بعينها.وفي حوار لي معه نشر في مجلة الكويت أشرت إلي اعتبار أن الأندلس صارت نوعاً من الفردوس المفقود في الذهن العربي الذي عجز عن تحرير أرضه المستلبة من أعداء كثيرين. فقال لي في بعض إجابته فراديسنا المفقودة كثيرة في الماضي، نعدّ منها الأندلس وفلسطين والأهواز والإسكندرون والجولان اليوم. وأخشي أن نعد منها في المستقبل جنوب السودان وشمال العراق وجزراً في الخليج العربي وقرب باب المندب .لم يكن عبد السلام العجيلي ينتظر مديحاً، ولا شعر يوماً بالحاجة إلي أن يطريه أحد، ولهذا أوصي أولاده أن يبتعدوا بجنازته عن مظاهر التأبين وإلقاء الكلمات وأن ادفنوني بصمت . غير أن الرقة أبت إلا أن تخرج مودعة رائدها في جنازة مهيبة. بقي أن أشير إلي أن تقدمية بعض الحمقي، أساءت إلي هذا الراحل الكبير باتهامه بالرجعية وما إليها، في الوقت الذي كان العجيلي فيه، طبيباً ونائباً ووزيراً ومتقناً لأكثر من لغة أجنبية، وقبل هذا كله أديباً لامعاً توفي عن أربعة وأربعين كتاباً في القصة والرواية والمقالة والمقامة والشعر والمحاضرات. رحم الله العجيلي رحمة واسعة. كاتب من سورية0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية