كلنا يلعب المباراة نفسها

حجم الخط
0

عناية جابر من معاني البؤس أيضاً، إحساس المرء أنه ولد في الزمن غير المناسب، والمكان غير المناسب. هذا لا يعني اللبناني فحسب، بل يعني المصري والأوروبي والأرمني وناس جبال التيبت وافريقيا والبلاد الإستوائية، ويعني الأمريكي حتى، وكل من يلازمه الشعور ببؤس ما، وغربة. تبدو المدن العربية الآن، كأنها مدينة واحدة، يلعب ناسها المباراة نفسها في كرة القدم. اللاعبون دائماً هم ناس المدينة جميعاً، يركلون كرة الحرية الحديدية لترتفع عالياً، فتتشقق أصابع أرجلهم، وتتكسّر قصبات سيقانهم، وتنهار أدمغتهم على الطرق والأرصفة. بالنسبة لي، وخوفاً من أن يصبح البؤس أسلوب حياة، عزمت على التماهي مع الآخرين، واللعب مع اللاعبين: لاعبة وسط في مباراة، أو لاعبة في مركز هجومي (لما لا؟)، او في مرمى الدفاع. المهّم ان ألعب لكي لايستغرقني البؤس، ألعب كما يفعل اللاعبون، وأكون إيجابية وحيوية، عادية وبلا طعم. أحياناً وبحسب طبعي المتفلت، أغالي في اللعب، أتمادى مُبجّلة الأعمال الشنيعة بتعبيرات لطيفة، وهي طريقتي الوحيدة للإفلات من إزدواجية العالم. أشعر أن ما يُغرق كل منّا في بؤسه الخاص، هي مدينته ذاتها وناسها أنفسهم. لا يقتصر الأمر على الإستبداد والظلم والفساد وجبروت الحكّام وتبعية بعض الحشد المضلل. هناك شيء آخر يربط العالم العربي معاً، وهو ببساطة الهوة الهائلة التي تفـصـلنا عن العـــصر، وعدم انسجام معتقداتنا مع حداثته، ومع رؤيته الجديدة الى حرية الشعوب وحماية مصائرها من الإمتهان.

مع ذلك، لنعترف أن خللاً فظيعاً يكمن في ثقافة الشعوب العربية نفسها، وذلك بفعل مواتها الطويل وصمتها، المتواطىء بالضرورة مع كل الإنعكاسات التي أفضت الى ما نحن عليه الآن. إن هذا الخلل، هذا الميل للخداع، لا يكمن في شعب عربي وحده، بل يتفشى في روح كل المجتمعات العربية، التي راكمت مثل هذه التبعيات والعلاقات المشوّهة. نحن عاجزون، بعضنا على الأقل، عن تفسير مايحدث حولنا، كما ان طريقتنا في فهم أنفسنا واحتياجاتنا خاطئة، كذلك الأسلوب الذي نريد ان نبدو معه مختلفين عن حقيقتنا، ولسنا نفهم أساساً طبيعتنا الفعلية. إننا في كابوس فعلي، نحلم بالعيش مثل الناس الأحرار حقاً الذين نقرأ عنهم في الكتب، عاجزين في نفس الوقت عن قوة إبتكار مثل هذا العالم وتلك الحرية في بلداننا. جزء منا يشتاق الى التماثل والتماهي مع الحريات في الدول الأوروبية، وجزء آخر او فئة تحّن للإنتماء الفعلي لبلدها الأصلي الذي كبرت على حبه بالفطرة والعادة والذكريات. رغبات متباعدة، وأمنيات متناقضة، وأكثرها اختلاطاً تلك التي تتلاشى بمرور الوقت وكثرة المعاناة، وتُسقطها القسوة، يسقطها الإستبداد والسوداوية التي تحني البلاد العربية رأسها لها.

تظهر المدن العربية في حراكها الثوري المنتفض على التلفزة، كما لو بلاد غريبة وأمكنتها غريبة. أتامل الحشود الغاضبة التي تهتف، وأفكرّ أنهم لطالما تمتعوا بحناجر صادحة، فلماذا لم يستعملوها منذ عشرات السنين. كيف صمتنا كل هذا الوقت؟ كيف تأتى لنا كل هذا النوم، مع انه كالح ويضجّ بالكوابيس؟ كيف فعلنا بانفسنا ما فعلنا؟

لأهرب من هذه الكتابة المهجنة، ألجأ الى القوة العليا، أناشدها مساعدتنا على هبة الحصول على وقتنا الجميل الذي فاتنا عيشه، ولحظاتنا النقية العالية التي نستحقها فعلاً كما لدى بعض شعوب الأرض. أناشد قوة عليا، للثأر للقتلى، للشباب الذي ذُبح واريقت دماؤه على الأرصفة في رغبته الى الحرية التي لم يوفرّها له آباؤه والجيل الذي سبقه.

الحرية وقد فتحت ذراعيها اخيراً للشباب، وحدهم من يطفون الآن على سطح الذاكرة، وسط هذه الحشود التي ما زالت تهرع الى الموت، عارية من كل شيء، إلإ من عشقها الى الهواء والكرامة.

أعمال الشر تزدهر مع ذلك في الليل كما في النهار. سيقاننا التي تسابق الأرصفة، مسكونة بذاكرة مهانة طويلة، تسقط عند زوال الفزع. أحياناً تستسلم سيقاننا لسلطان التعب، لجاذبية الرقاد المريح الغابر، ثم سرعان ما تعود وتنكمش بالصلابة السميكة للحرية التي ترفعها. توازن فاتن، بين التعب وبين فجر جديد. هي حالنا الآن التي تُسحر وتُصعق في آن. سيقاننا الملهوفة الى التظاهر من اجل الحرية، تتحدى الصدأ والرقاد الأملس. يساورنا قلق غائر للغاية، وريبة امام هذا الرصاص المتهافت يهطل من الرمّاحين. حقل من اجساد مرميّة وقادرة مع ذلك على ان توهم بمواصلة السير. أمّا قلبي (ولي غاياتي الخاصة من هذه الثورات) الأكثر لهفة، فيرتعد إذ يعاوده قلق الطريق المستحيل، وشرارات الألم التي يرسلها المعدن القاسي، المتوهج في الظهيرة وفي عتمة الليل، شهباً يهوي له سمعة الكارثة. ثمة سيقاننا مع ذلك، تعتدي على قانون الجاذبية، وتري العالم الشباب الذين يسقطون واقفين. تلك بارقة أمل أكيد، انتهاك الجاذبية تلك، يلبث ليدّمر كل وساوسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية