لم ينته فيلم كفرناحوم مع صورة الفتى زين مبتسما، وذلك للمرة الأولى منذ ظهوره على الشاشة. الجمهور اللبناني لم يقف عند تلك النهاية السعيدة إذ دعاه فضوله إلى ملاحقة المصير الشخصي للفتى مؤدي ممثل الدور، حتى السويد، هناك حيث تبنّته عائلة هو وأخوته. أعلنت عن ذلك المخرجة نادين لبكي بقولها إنه، بعد انتهائه من أداء دور البطولة في الفيلم، صار يعيش في غرفة هي غرفته وحده، في منزل من طبقتين، وهو يعيش الطفولة التي لم تتوفّر له من قبل. وهي قالت أيضا إن جهدها الذي أثمر نجاة زين الرافعي من الفقر سيُستأنف على أمل أن تتحقّق للآخرين الذين شاركوا في التمثيل فرص مشابهة.
أما اللبنانيون فقد أمعنوا، بعد لبكي، في ربط الحياة الشخصية للفتى زين بوقائع الفيلم ومجرياته. قالوا مثلا إنه فتى سوري نجا من زورق كان يقلّه مع مهاجرين آخرين إلى شواطئ أوروبا، مضيفين إلى جوانب البؤس المحيطة بحياته مأساة المهاجرين الغرقى. من أجل أن يصير هذا البطل الصغير، كضحية، مشتملا على مآس أخرى راهنة يشاهدون فصولها على شاشات التلفزيون. ولم يقصر الفيلم أصلا عن مقاربتها، إذ أتاح لنا أن نتعرف على مشكلات ساخنة أخرى بينها المصير التعس للإثيوبية «رحيل» الباحثة عن سبيل يؤمن لها بقاء شرعيا في لبنان. وقد أضيف إلى تلك المشكلات – القضايا تزويج أخت الفتى زين، بالإرغام وهي في عمر الحادية عشرة، ووفاتها من ثم. وهذه أيضا، ليست واقعة منفردة حصلت للفتاة التي قضت نحبها نتيجة لذلك، بل هي قضية اجتماعية أخرى تضاف إلى القضايا التي أكثر الفيلم من عرضها.
إنه فيلم القضايا الكثيرة، حيث يمثّل الفتى الطفولة البائسة وتمثّل عائلته التمزّق الأسري بسبب الفقر والجهل، وتمثل رحيل جميع الواقعات تحت نير ما يسمى نظام الكفالة التي تخضع له العاملات الأجنبيات. رحيل إذن ليست هي رحيل فقط، بل هي كلّ أولئك اللواتي رأيناهن في الفيلم مزدحمات في قبو السجن الضيّق. أما الفتى زين فهو جامع لكل المآسي الحاضرة، ليس هنا في لبنان فقط، بل في البلدان المتداخلة بلبنان وقضايا أهلها. وهذا ما أوقع الكثيرين من نقاد الفيلم، التي أعيد نشر مقالاتهم على غوغل، بالارتباك إزاء هوية زين. بعضهم كتب أنه لبناني وبعضهم قال إنه سوري، وبعض ثالث ذكر أنه فلسطيني، وربما رأى أحدهم أنه كل هذه معا.
إنه فيلم القضايا الكثيرة، حيث يمثّل الفتى الطفولة البائسة وتمثّل عائلته التمزّق الأسري بسبب الفقر والجهل، وتمثل رحيل جميع الواقعات تحت نير ما يسمى نظام الكفالة التي تخضع له العاملات الأجنبيات.
لقد شُحن الفيلم بكل هذه المآسي ليتقوّى بها. وإذ نسمع التعليقات المصورة المنقولة من مهرجان كان، نعرف أن الترحيب كان متجها إلى ما نقله الفيلم وعرضه، أي إلى اختياره لموضوعه، أو مواضيعه. لقد احتوى من ذلك ما لن تتسع له عشرة أفلام أوروبية أو أمريكية، لكنه مع ذلك لم يكن فيلما مأساويا، إذ لم تأخذنا نهايته إلى ذلك. ثم إن الفتى زين المعرّض لكل ما شاهدناه ظل ينتصر على المحن العابرة التي تواجهه. كان أقوى من شخصية مأساوية، وأجمل، بل وأذكى، وأكثر قدرة على المبادرة، وأكثر إثارة لإعجاب مشاهديه. كما أن العالم لم يقسُ عليه، إذ كان هذا العالم على سويته هو، مظلوما مثله. من ذلك أهله مثلا الذين، في كل لحظة، كان يمكن تأويل قسوتهم وإرجاع أسبابها إلى ما توصل إليه لعنة الفقر. ثم، ولنضف إلى ذلك تلك المشاهد الطويلة، والكثيرة، التي جمعت زين مع الطفل الإثيوبي يوناس. كان ما أدياه معا مدهشا ومسليا، بل ومفرحا غالبا، على الرغم من أن يوناس، الطفل في عمر السنة، لم يكن يؤدي ما يملى عليه إذ لم يتعدّ ما شاهدناه مجرد تصوير لقطات من طفولته.
تلك المحن القاسية، والشاملة لمئات الآلاف، بل للملايين من بشر الحروب والكوارث، أمكن التغلب عليها أو النجاة منها: في الفيلم استرجعت رحيل ابنها وبكت بكاء عاطفيا في ما هي تحتضن عودته إليها. وزين حظي في نهاية الفيلم بتلك الضحكة الآسرة وبما بتنا نعرفه من الختام السعيد؛ والسجينات في ذلك النفق رأيناهن وهن يحتفلن بالرقص والغناء لوجودهن معا؛ والقاضي كان طيّبا ومتعاطفا؛ والشرطة لم تكن كتلك التي يكون عليها حراس السجون في الأفلام والروايات. كانت تلك المحن هيّنة في فيلم «كفرناحوم» (أرض الخراب، كما يعني هذا الاسم المأخوذ من القرية الكنعانية التي حلّت عليها اللعنة). هو فيلم عن الخراب نخرج منه فرحين راضين وغير كارهين لأحد.
عن فيلم نادين لبكي «كفرناحوم» الذي يعرض الآن في صالات بيروت
٭ روائي لبناني