المئات يقفون في صف طويل يخرج من الطريق ويلتوي ليدخل شارعا مجاورا، درجة الحرارة تقترب من الصفر والرياح بردها يهز أحشاءك داخل جسدك، عدد المقاعد المُعلن لا يتجاوز ثلثي عدد المنتظرين، ولكن أحدهم لا يفقد الأمل في اللحاق بالعرض، ولا يقوم كذلك بأي تلاعب ليأخذ دور غيره أو يتقدم في الصف الملتوي كثعبان ضخم، كل هؤلاء ـ وأنا بينهم ـ لا ينتظرون جائزة مالية، أو عرضا لفيلم أمريكي شهير، أو حتى لأفلام جديدة من إنتاج العام، وإنما ينتظرون عرض عدد من الأفلام القصيرة المنتجة منذ عدة أعوام، والتي ستعرض هذه المرة على شاشة داخل مسبح! مرحبا بك في كليرمون فيران.
المشهد السابق يلخص باختصار كل عناصر مهرجان كليرمون فيران، الذي أصبح الحدث الأهم سنويا في عالم الأفلام القصيرة بلا جدال. العناصر هي الشغف الجماهيري، شطحات التنظيم، واكتمال الصناعة التي نجهلها. فجمهور المدينة الصغيرة التي لا يتخطى تعداد سكانها 141 ألف نسمة، معظمهم من عمال المصانع وطلاب جامعتي أوفيرن وبليز باسكال، هو جمهور يعشق السينما بشكل مطلق، يأتي ليقف في صفوف لا تنتهي في أربعة عشر قاعة عرض لخمسة عروض يوميا في ثمانية أيام هي أيام المهرجان. لا كلل ولا ملل، ولا تفرقة بين برنامج يعرض أفلام محلية فرنسية وبرنامج يعرض أفلام من موزمبيق وجمهورية الدومنيكان (المشاركتان بالفعل بفيلمين في المسابقة الدولية).
جمهور كليرمون يعشق السينما بلا حسابات، ويقدر صناعها ويجلهم، ويكفي أن هناك تقليد ثابت مع جميع الأفلام، هو التصفيق لكل فيلم مرتين، مرة عند نهاية آخر مشاهده، ومرة مع انتهاء التترات وإضاءة القاعة (التي تضاف لدقيقة بين الأفلام لتسمح للجمهور بتدوين ملاحظاته وقراءة بيانات الفيلم التالي). التصفيق فقرة ثابتة لكل الأفلام بغض النظر عن مستواها، صحيح أنه يزيد بالطبع مع الأفلام المميزة، إلا أنه متواجد حتى مع الأفلام ضعيفة المستوى. هذا جمهور يقدس السينما ويحترم مجهود صناعها وإن أخفقوا، وليس كجمهور الكثير من المهرجانات العربية الذي يدخل القاعة مشهرا كل أسلحته لاصطياد العيوب في الأفلام، بل والسخرية منها خلال العرض!
شطحات التنظيم
الأفلام القصيرة صناعة تعتمد بشكل شبه كامل على الشباب، فهم تقريبا كل صناعها وأغلب جمهورها. وكليرمون مدينة شابة، يحولها أربعون ألف شاب وفتاة يأتون للدراسة في جامعتها إلى مدينة تكاد لا تلمح فيها عجائز إلا قليلا. الأمران كان لا بد وأن ينعكسا على المهرجان، الذي أصبح شهيرا بشطحاته الممتعة. فبعد أن كان في إحدى الدورات السابقة أول وآخر مهرجان في العالم يقدم فيلما من إخراج قرد ـ نعم لم تقرأ الكلمة خطأ، الفيلم أخرجه قرد ـ ها هو هذا العام يقدم التقليعة التي ذكرناها في بداية المقال: سينما المسبح.
‘سيني بيسين’ أو سينما المسبح هو عرض يقام داخل مسبح المدينة الرئيسي، وهو نفس المكان الذي يحتضن المركز الصحافي للمهرجان ـ تماشيا مع الأفكار الشابة الخارجة عن المألوف ـ، يذهب الصحافي في كل صباح لتفقد صندوق بريده الخاص، الذي يسلمه المهرجان رقمه ليتلقى عليه مراسلاته من الراغبين في الاتصال به أو دعوته لعروضهم طوال المهرجان، فيمر خلال طريقه على الشباب والفتيات الذين لا تتوقف تدريبات السباحة الخاصة بهم، في المسبح الذي تم تكييف جوه ليصير صيفا في قلب الشتاء. الفكرة انطلقت منها لتتحول إلى نصب شاشة عرض ضخمة في المسبح، وتخصيص المياه لمائة وعشرين مغامرا جاءوا بملابس السباحة ليشاهدوا الأفلام من الماء. أما المدرجات، فخُصصت لأربعمائة وثمانين متحفظا ـ مثلي ـ من الراغبين في مشاهدة العرض دون أن يخلعوا ملابسهم!
هذه النوعية من الأفكار قد تبدو غريبة للوهلة الأولى، ولعل من يحاول طرحها في مهرجان عربي، سيقابله من السخرية والاستهجان ما يدفعه للتخلي عن الفكرة، بل واعتبار نفسه قد أخطأ بالتفكير فيها، أما في كليرمون فيران، فهي الأشياء التي تمنح المهرجان روحه الشابة المتجددة في كل عام، والتي تجعل ضيوف المدينة التي لا تحمل في حد ذاتها الكثير من المفاجآت، يجدون في المهرجان ما يعوضهم عن تقليدية المدينة.
صناعة نجهلها
ما سبق يتعلق بالمهرجان وعروضه، لكن هذا ليس كل شيء، بل في الحقيقة أن كل ما سبق كان ليصنع مهرجانا ناجحا، لكنه لا يكفي أبدا لتحويله لأهم مهرجان في عالم الأفلام القصيرة. أما ما حقق له هذا فهو بالطبع سوق الفيلم القصير، الحدث السنوي الذي يقام على هامش المهرجان، ويستقطب شركات الإنتاج والمراكز السينمائية الوطنية المهتمين بصناعة الأفلام القصيرة من كل أنحاء العالم، يأتون إلى كليرمون فيران ليسوقوا إنتاجهم الجديد لمحطات التلفزيون والمهرجانات، ولشتى مصادر الدخل الأخرى، والتي تحول إنتاج الفيلم القصير إلى صناعة ناجحة ومربحة، وليست مجرد نشاط له طابع ثقافي أو تعليمي.
سوق الفيلم القصير لا يعكس فقط فارقا جوهريا بين مهرجانات العرب والمهرجانات الحقيقية، ولكن الأهم من ذلك أنه يكشف عن سذاجة النظرة التي ما زلنا نتعامل بها مع الأفلام القصيرة، باعتبارها مرحلة في حياة المخرج، يمر بها ليتعلم ويثبت موهبته، قبل الانتقال لإخراج الأفلام الطويلة، وهو ما انعكس على التعامل معها باعتبارها صناعة خاسرة، تحتاج لمن يمولها بدافع الاهتمام بتشجيع المواهب، دون انتظار أي ربح مادي يعود عليه من إنتاج أفلام لا تباع، وتُعرض ـ إن عُرضت ـ بدون مقابل.
في سوق كليرمون فيران تدرك أن الأفلام القصيرة عالم كامل، عالم به صناعه ومنتجوه وموزعوه ومشتروه المتخصصون، الذين يؤمن كل منهم أن الفيلم القصير هو وسيط مختلف للإبداع، يشبه الفارق بينه وبين الفيلم الطويل الفارق بين الفيلم والرواية على سبيل المثال، فكلاهما يشترك في بعض العناصر المكونة، لكنهما في النهاية وسيطان مختلفان، لا يجوز التقليل من أحدهما، أو اعتباره مجرد درجة أدنى من الآخر. وفي هذا الفهم المغاير، يكمن سر تطور هذه الصناعة كما وكيفا في بلاد تحترمها، بينما لا تزال الغالبية العظمى من صناع الأفلام القصيرة العرب، تدور في حلقات مفرغة من الأفكار وأشكال الإنتاج.
جوائز لا تؤثر كثيرا
أما على صعيد الجوائز فقد منحت لجان تحكيم مسابقات المهرجان الثلاث جوائزها، في أقسام المسابقة الدولية والمسابقة الفرنسية ومسابقة الأفلام التجريبية ‘لابو’، لتأتي بعد الاختيارات متوافقة مع توقعات المتابعين، وبعضها يختلف عنها بعض الشيء.
جائزة المهرجان الكبرى، جائزة أحسن فيلم في المسابقة الدولية، ذهبت للفيلم البلغاري ‘فخر’ للمخرج بافيل فيسناكوف، عن جنرال سابق من العصر الشيوعي، يجد ما يخدع به نفسه من تماسك عائلي ينهار في يوم واحد، عندما يعلم أن حفيده مثلي جنسيا، وأن ابنته على وشك الحصول على الطلاق.
أما جائزة لجنة التحكيم الخاصة فذهبت للفيلم الفرنسي ‘صندوق الموسيقى’ للمخرج إيلان كليبر، عن مغن عجوز، كان في شبابه نجما شهيرا فائق النجاح، ثم راحت عنه الأضواء ليعيش وحيدا فاشلا يسترجع ذكريات ماض جميل يصعب استعادته.
أما جائزة الجمهور فذهبت كما هو متوقع للفيلم البرازيلي الممتع ‘صديقي نيتشه’ للمخرج فاوستون دي سيلفا، الذي كان بالفعل أكثر فيلم أعجب الجمهور، فنال تحية ضخمة لم ينلها أي فيلم آخر. يروي الفيلم حكاية صبي فاشل دراسيا يقرأ الكلمات بصعوبة، تنصحه معلمته بقراءة أي شيء يقع تحت يده لتطويره مستواه، فيكون حظه هو العثور على كتاب ‘هكذا تحدث زرادشت’ للفليسوف الألماني نيتشه، لينقلب حال الصبي وتعامله مع من حوله، ويصير فيلسوفا يقتبس كلماته من الكتاب، وزعيما يقود زملاءه في المدرسة ويخطب فيهم حول مفهوم السوبر مان! وهو نفس الفيلم الذي نال جائزة أحسن فيلم كوميدي كذلك.
بعد المغادرة
الجوائز كثيرة يصعب حصرها في مقال واحد، وليس من المهم أن نحصرها، فالأهم هو أن كل فيلم شارك في المهرجان، قد خرج فائزا بالعديد من المكاسب: جمهور ضخم شاهد الفيلم ست أو سبع مرات، سمعة جيدة ستنقل المهرجان لمئات المهرجانات التي تأتي لكليرمون بحثا عن أفلام لضمها، وشبكة علاقات مؤثرة مع الصناع المهتمين بالفيلم القصير بشكل احترافي، وكلها أمور تجعل الجوائز أمرا هامشيا، فما يناله من يحضر كليرمون فيران، أكبر بكثير مما يمكن أن يحققه في عشرات المهرجانات الأخرى، حتى وإن فاز بجوائزها.
‘ ناقد مصري