كلينت إستوود يفقد لمسته: بعد فيلم ‘ج. إدغار’ لنْ يُنظر إلى أفلامه على أنها مضمونة الجودة

سيظل التاريخ الأمريكي مدين لـ ‘ج. إدغار هوفر’، هل هذه هي الفكرة التي حاول ‘كلينت إيستوود’ أن يقولها في عمله’ ج. إدغار’؟ نعم، ولكنه سيقولها بطرق خاصة جدا، حيث سيغوص بنا في بداية صراع أمريكا مع المد الشيوعي سنة 1919 ومن هذا التاريخ سيلتقط لنا قصة أقوى رجل في العالم.
لقد كان ‘ج. إدغار’ يعمل في مكتب التحقيقات العام، وحسب قصة الفيلم فلم يكن هذا المكتب يتمتع بصلاحيات كبيرة، تمكنه من الوصول إلى من يهدد أمن أمريكا، ولكن بعدما أُوكلت مهمة إدارة المكتب لـ’ج. إدغار’سيقبل المنصب بشروطه التي حددها في: ‘انفصال المكتب عن السياسة، وأن لا يكون عرضة لأي تدخل سياسي، ويجب على العملاء فيه أن يكونوا جامعيين، وأن تكون المواعيد مبنية على الدقة، وتكون الترقيات مبنية على إثبات الذات فقط’، وانطلاقا من هذه المرحلة سيدخل مكتب التحقيقات الفدرالي ‘إف بي أي’ مرحلة جديدة، عمل من خلالها ‘إدغار هوفر’ على إحداث تغيير شامل مس كل تفاصيل العمل، وبدأ بتوظيف عملاء جدد بناء على مقابلات صارمة ودقيقة، مع الاهتمام الشديد بالبنية الجسدية والولاء للوطن، وفصل كل من لم تتوفر فيه هذه الشروط من العمال السابقين، ليشن المكتب حملة اعتقال موسعة ضد الشيوعيين والراديكاليين وكل المعارضين السياسيين، وسيقوم ‘ج. إدغار’ بترحيل المناضلة الشهيرة ‘إيما غولدمان’، كما اعتمد لأول مرة على علم الجنايات كبديل لطرق التحقيقات التقليدية، وأبدا لم تفارقه مساعدته ‘هلين غاندي/ ناومي واتس’ ومساعده ‘كلايد تولسون/آرمي هامر’.
وعلى إثر اختطاف الطفل ‘لينببرغ’سينجح ‘ج. إدغار’ ـ بعد ضغط كبير ـ في استصدار قانون من الكونغرس يجعل الاختطاف جريمة يعاقب عليها القانون، واستنادا على هذا القانون سيعاقب ‘برونو هالكمان’ مختطف الطفل بالإعدام، وسيعرض الفيلم أيضا لعلاقة ‘إدغار’ مع الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم أمريكا؛ حيث خدم تسعة رؤساء، ولم يكن على وفاق معهم وهذا الموقف ظهر في رد فعل الرئيس ‘ريتشارد نيكسون’ بعد نبأ وفاة إدغار.
ويمكننا أن ننطلق من السيناريو لمناقشة بعض القضايا التي تعرض لها الفيلم فالسيناريو هو من تأليف ‘دستن لانس بلاك’ كاتب سيناريو فيلم ‘ميلك’ وعنه فاز بجائزة الأوسكار، لكن شتان ما بين سيناريو فيلم ‘ج. إدغار’وسيناريو فيلم ‘ميلك’، لقد اختار السيناريست أن يبدأ بعبارة جون إدغار عن الشيوعية، أثناء سرد مذكراته لأحد الكتاب، وهذا يدل على التزامه التام برواية ‘إدغار عن نفسه’ وهي رواية صالحة لكي تقرأ على الورق لكنها بدت مُقيِّدة سينمائيا، بالإضافة إلى اختياره طريقة سردية استرجاعية متداخلة تنتقل بين الماضي والحاضر طيلة مدة عرض الفيلم، فكانت الطريقة متعبة للمشاهد ولم تتلاءم أبدا مع كم الأحداث التاريخية التي عرضها الفيلم، فنتج عن ذلك انعدام التوازن بين أهمية الحدث ومساحة الحوار المخصصة له، وهو ما خلق نوع من التذبذب المقلق للمتلقي كان بإمكان سيناريست بحجم ‘لانس بلاك’ تجنبه، وهذه مسؤلية يتحمل جزءا كبيرا منها المخرج ‘كلينت إستوود’ الذي زعزع لدينا الصورة التي رسمناها عنه سابقا، فمنذ اختياره العمل على قصة ‘ج. إدغار هوفر’ بدأت التنبؤات حول هذا العمل، الذي يعتزم تقديم شخصية هي في الأصل ثابتة عند الأمريكيين، فالكل راهن على عمل ضخم يحتل قاعات العرض لأسابيع على الأقل، ورهان المتلقي هو رهان مشروع بالنظر إلى العناصر القوية التي توافرت لهذا العمل بدءا من القصة بحد ذاتها، بالإضافة إلى التقاء ثلاثي السينما الكبير ‘كلينت إستوود’ و’ليوناردو ديكابريو’و’ نعومي واتس’، لذلك ارتفع سقف المطالب كثيرا، لكن ‘كلينت إستوود’ لم يكن في مستوى التطلعات، ولم يأت الفيلم على نفس القدر الجمالي الذي عُرف به الرجل، سواء بعمله خلف الكاميرا أو أمامها.
سنلمس كذلك ارتباكا واضحا بين السيناريو والإخراج، واختيارات السيناريست لم تسمح لنا بالتأمل في رواية ‘ج. إدغار’، فالأحداث كثيرة وتسير في منحى واحد والفيلم يعرضها دون أية انتقادات لممارسات إدغار التعسفية؛ كالتجسس على سكان الولايات المتحدة، والتنصت على هواتفهم وصناديق بريدهم، وهو على استعداد دائم لتلفيق قضايا أخلاقية لمن يعاديه، والفيلم سكت عن كل هذه الأشياء وجعل رواية ‘ج. إدغار’ تبدو عادية، وكأنه يقول: إن الرجل واجه الفساد بالفساد، وفي هذا تبرير لكل ما قام به ‘إدغار’، ورغم أن العمل يحكي عن حقبة مهمة من تاريخ أمريكا، فهو يمارس نوعا من التعتيم على الكثير من القضايا كاغتيال ‘مارتن لوثر كنج’ و’مقتل جون كنيدي’، ولا يضع أعمال ‘إدغار’ موضع مساءلة بل يمر عليها دونما نقد، فـ’كلينت إستوود’ عرَّض نفسه لنقد مجاني فهو يتعامل مع قصة هي معروفة سواء عند المؤيدين ‘لإدغار’ كونه جالب الاستقرار والأمن لبلدهم، أو المعارضين له من حيث تضييقه على الحريات العامة، لكن الكل في النهاية يجمع على أن لهذه الشخصية جوانب مثيرة للجدل تمس بالأساس سلوكه الجنسي، أي علاقته بصديقه تولسون’ وعدم إقناعه المرأة التي أحب، وتجاوزاته المهنية والأخلاقية…، فالجمهور كان يريد نبشا في هذه الزوايا المثيرة في حياة هذا الرجل، وليس تحويل رواية ‘إدغار’ عن نفسه إلى فيلم سينمائي، ولم يظهر دور الموسيقى التصويرية في صورة مثلى بل لم نكد نحس بها أبدا، والمخرج لم يبذل جهدا ملحوظا لتطويع القواعد الجامدة التي تتسم بها أفلام السيرة الذاتية عادة، لذلك جاءت القصة رتيبة و متعبة في بعض الأحيان، وللمخرج تبريراته، فهو يقول: إنه لم يشأ أن يقدم فيلما عن الشواذ، لكن لا أحد كان يطالب بذلك، فالتعمق في جانب العلاقات لا يعني أبدا التركيز على نقطة واحدة بل الإشارة إليها وترك الحوار يؤدي دوره، وجانب العلاقات عموما لم يظهر بالشكل المطلوب، كعلاقة ‘إدغار’ بصديقه ‘تولسون’ من جهة وعلاقته بمساعدته باستثناء علاقة ‘ج.إدغار’ بوالدته ‘ أنا ماري هوفر/جودي دِنش’ التي كان يطلعها ابنها على كل تفاصيل عمله وأسراره بل كانت هي المصدر الأول لمشورته، الشيء الوحيد الذي لم تستطع التأثير على ابنها هو بخصوص ميوله الجنسية.
أما جانب الأداء فقد شكل نقطة من نقاط القوة القليلة في هذا العمل ‘فليوناردو ديكابريو’ لعب دور ‘ج. إدغار’ بدقة متناهية مستفيدا من المساحات التي وفرها له السيناريو وعلى ذات النهج صار كل من ‘نعومي واتس’ في دور ‘مساعدة إدغار’ وأرمي هامر في دور ‘كلايد تولسون’ صديق إدغار الحميم، وهذا الجانب حفظ لهذا العمل شيئا من البريق.
ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نتغاضى عن نقط القوة في هذا الفيلم، فالمخرج يختزل في مدة قصيرة نصف قرن من الزمن بتقنية المونتاج المتوازي،كما حاول إحاطة الشخصيات بأحداث تساهم في بروزها بالشكل المطلوب، لذلك كان الأداء بارزا في هذا العمل، ونجح أيضا في نقل المرحلة والتعبير عنها بألوان مناسبة معتمة في الغالب للدلالة على جو القلق والحذر والمؤامرات الذي كان سائدا في ذلك الوقت، مع إحاطته للشخصيات عموما و’إدغار’ خصوصا بلقطات قريبة تُبرز دواخلها، لكن هذه الحسنات جاءت قليلة جدا بالنظر إلى هفوات الفيلم، فاختيار المخرج الالتزام بحكاية جون ‘إدغار’ أفقد الإخراج جماليته.
لقد كان ‘ج.إدغار’ قويا وموهوبا سخر كل طاقته للعمل بجهد كبير، بل كان مهووسا بالعمل، لإخفاء تناقضاته النفسية وضعفه الكبير في جانب علاقاته مع المرأة، وهو لم يكن ينظر إلى الشيوعية والراديكالية كتهديد لأمن أمريكا فقط، بل عمل على تضخيم خطرهما لينال الدعم الكافي ويلفت الانتباه إلى فراغ أمني داخلي، وهو أمر نجح فيه بكل تأكيد، وبعدما ضخم الخطر بالقدر الكافي وصوره بصورة الوحش أخد يستعمله ضد كل معارضيه من السياسيين، و’ج. إدغار’ كان مهووسا بالإعلام بمثل هوسه بمحاربة الشيوعية ودائما كان يواجه تهمة الدعاية لنفسه، فحرصه على رواية قصته هو شكل من شكل هذه الدعاية، وإذا تأملنا جيدا في الشركة التي كان ‘إدغار’ يستخدمها لعرض أفلامه سنجدها نفس الشركة المنتجة لهذا العمل ‘وارنر برادرز’ وهذا الأمر يجعل أسئلتنا ـ حول استمرار الدعاية لشخصية ‘إدغار هوفر’ ـ مشروعة وما يزيد من صحة هذا الحكم هو التعتيم الذي مارسه العمل على مجموعة من الأحداث ولشخصيات قدمت لأمريكا أكثر مما قدم ‘إدغار’. نهاية الفيلم تفتح أمامنا فسحة للتأمل، في لحظة مكاشفة بين إدغار وتولسون الذي سيواجه إدغار بكل البطولات المزيفة التي روجها عن نفسه، فهو لم يقتل ‘جون ديلنجر’ بمفرده، ولم يلق القبض على من يدعي أنه اعتقلهم…موقف ‘كلايد تولسون’ يضع اليد على الحلقة المفقودة في هذا العمل ولكن بإشارة صغيرة فقط لم تكن كافية لخلق توازن بين حكاية ‘إدغار’ ونقدها.
لقد حظي هذا العمل بإقبال جيد داخل القاعات السينمائية الأمريكية لأنه يعالج قضية تهم الأمريكيين كثيرا، وربما حقق أرباحا مرضية لفريق العمل لكن ‘كلينت إستوود’ فقد الكثير من سمعته ولن يُنظر بعد اليوم إلى أعماله المستقبلية على أنها مضمونة الجودة.

* ناقد سينمائي من المغرب
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية