كل جيل شعري يصبح حبيسا لفترته!
الشاعر المغربي العياشي أبو الشتاء:كل جيل شعري يصبح حبيسا لفترته!تطوان ـ القدس العربي : العياشي أبو الشتاء أحد الأصوات المميزة في الشعر المغربي والتي علا صداها في السبعينيات من القرن الماضي، تعدُّ قصائده إحياء للتراث والأصالة لأنه ظل محافظا علي أسلوبه المنبثق من ديوان الشعر العربي القديم رغم ما اعتري الشعر من تحولات جوهرية. هذا نص الحوار معه عن الشعر ومفهومه للحداثة ورؤيته للمشهد الشعري المعاصر. كيف أتيت الي الشعر وكيف غصت في أوقيانوسه؟ أتيت وفي زوّادتي ثمر النخيل كما قال ذلك الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور أتيت الشعر كما باقي كوكبة الشعراء المحسوبين علي العقد السبعيني وتحديدا من سنوات التكوين. وهي سنوات التلقي والتعليم في مراحل الدراسة المختلفة.فهذه السنوات بالنسبة لي بدءا من المرحلة الابتدائية إلي المرحلة الجامعية هي التي صنعت وجداني وذائقتي الأدبية كما صنعت أيضا مخيالي الجمالي.ولأن السؤال تحديدا يتعلق بالطريق إلي الشعر فإني أقول، لقد سلكت إليه عبر أخاديد وشعاب من القول الشعري تمثَّل في النصوص الشعرية التي تربي عليها جيلي في سنوات التلقي الأولي وهي نصوص تعدُّ من المختارات ومن عيون الشعر العربي القديم.من ثمة انفتحت أمامي عوالم وقوالب في التعبير والتخييل وازداد هذا رسوخا في ما بعد حينما عملت علي حفظ مجموعة من القصائد القديمة كنت أختارها لنفسي أثناء تجوالي في ديوان الشعر العربي القديم.وينبغي أن نشير إلي أنَّ هذه المرحلة التكوينية إن بالنسبة إليَّ أو لجيلي كانت القصيدة الطاغية والمستهلكة هي القصيدة العمودية ولم تكن القصيدة الحديثة قد أثبتت وجودها وأصبحت مكرسة في المشهد الشعري. فالتخييل الشعري عندي ظلَّ يقتات في الغالب علي قاموس القصيدة الكلاسيكية وعلي أشكال أساليبها وقوالب التعبير فيها. ألا تري أنَّ تمسُّكك بالقاموس الكلاسيكي وتشبثكَ بقوالبه في الكتابة الشعرية أدي إلي عدم تحديث تجربتك؟ قد يكون هذا صحيحا بالنسبة لشاعر أو مبدع ظلَّ حبيس تجربة تلقٍّيه الأولي.. مرهونا لماضٍ من الشعر واللغة لا يتجاوزهما ولا يتخطّاهما أما إذا توفَّر شرط التخطي والتجاوز فإنَّ الأمر يصبح غير ما أشرتِ إليه. ثم من قال إنَّ الشعر يحكم علي حداثته استنادا إلي القاموس اللغوي هل هو كلاسيكي أم هو ينتسب إلي اللغة الثالثة… اللغة المراوحة ما بين اللغة العريقة واللغة اليومية المعيشة؟الشعر هو إضرام النار في اللغة سواء كانت هذه اللغة عتيقة عريقة أم كانت لغة بسيطةومن هنا القول إنَّ الشعر لا يصنع بالأفكار ولا بنماذج لغة معينة تنتسب إلي عصر معين. وإنما الشعر يصنع من العلاقات التي يخلقها الشاعر بين كلمات اللغة التي يستعملها واستنادا إلي هذا نسمع أن شاعرا مثلا يمزِّق اللغة وآخر يوجد في شعره ماء اللغة والمقصود بهذا هو الاستعمال المعين للغة في المنجز النصي لكل شاعر.وترتيبا علي هذا فحداثة الشعر لا تقاس باللغة المستعملة هل هي مستدعاة من مستودع القاموس القديم أم من القاموس الحديث وإنما حداثته تكمن في طريقة استعمال اللغة بغض النظر عن نوعيتها.وهذا يقود إلي الحديث عن ما يسمَّي بـ(الميثولوجيا السرية) للمبدع والمقصود بها كما هو الأمر عند الناقد الفرنسي (رولان بارت) الأسلوب الشخصي للكاتب أو الشاعر. ومن ثمة فالحكم بالحداثة أو القدم مرهون بهذه (الميثولوحيا السرية) وليس مرهونا بنوعية اللغة. تنتمي لجيل السبعينيات من القرن الماضي وبتعبير آخر جيل الجمر والرصاص…. هل كانت تلك المرحلة حافزا علي العطاء أم كانت عائقا أمام الانفتاح علي التجارب الشعرية الكونية؟ كلّ جيل يصبح وديعة لدي الفترة والحقبة التي يعيشها والجيل السبعيني بالمغرب لا يخرج عن هذه المعادلة ولذلك كان لتلك المرحلة تأثير علي القصيدة الشعرية التي ظهرت فجاءت ملفوفة برؤيا تباينت والنعوت التي أعطيت لها فهناك من سمّاها بالرؤيا المأساوية وهناك من سماها برؤية السقوط والانتظار وعلي الجملة فقد كانت المرحلة مرحلة احتقان وانحباس علي المستوي السياسي والاجتماعي والثقافي.وقد انعكس كل ذالك علي وجدان الشعراء الذين ينتمون لتلك المرحلة فكتبوا قصائد تكاد أن تكون مكرَّسة ومحصورة في الهم الوطني والشعبي تواقة إلي تجاوز وضعية الانحباس تلك. ولعلَّ هذا ما يفسّر رؤية البعث والنشور التي كانت تبشر بها القصيدة السبعينية التي تكوَّنت في زمان الجمر والرصاص والغيوم الرمادية ومن هذا الجانب فإن القصيدة في هذه المرحلة وبشكل من الأشكال ظلَّت حبيسة هذه الرؤيا وهذه المعالجة مما جعلها تغمد العين عن آفاق أخري ونوافذ جديدة في الشعر العالمي ذي التجارب المختلفة.وقد لعب مفهوم الالتزام والذي كان طاغيا ومهيمنا علي الساحة الأدبية دورا في جعل القصيدة تظل رهينة للرؤيا الانبعاثية (الرؤيا التموزية) لكن هذا لا يعني أن القصيدة السبعينية بالمغرب لم تستفيد من تقنيات وأساليب التجربة الشعرية العالمية. كيف تري المشهد الشعري المغربي حاليا وخصوصا تجربة الحساسية الجديدة؟ راهنا المشهد الشعري المغربي يعرف وفرة وزخما في الإصدارات الشعرية والأسماء الشاعرة وككل تجربة دائما هناك الغثُّ والسمين إلاَّ أن المشكل يصبح قائما حينما لا نجد من يتابع هذه التجربة الجديدة بالنقد والتقويم لفرز ما يمكن المراهنة عليه وتبنِّيه واحتضانه وتكريسهِ، في نفس الآن التنبيه علي ما قد تكون التجربة قد وقعت فيه من زلاّت وهذا الذي نقوله عن الحساسية الشعرية الجديدة ينطبق أيضا علي التجربة الشعرية المعاصرة في المغرب.عموما فهذه التجربة تفتقد إلي النقد، والإبداع بدون نقد يبقي منقوص الوظيفة المراهن عليها من حيث أنه يصبح بواسطة النقد فاعلا ومتغلغلا في نسيج الوعي الجمالي والذائقي للمتلقي… والحق أن في تجربة الحساسية الشعرية الجديدة بالمغرب أسماء أعطت نصوصا فائقة المكونات الجمالية والتعبيرية ونقلت الرؤيا الشعرية إلي آفاق كانت تعد إلي وقت قريب بكرا ورغم ذالك لم تجد من النقد والاهتمام ما يبرز لديها تلك الإمكانيات ويجعلها علي طريق ارتياد آفاق أخري بالإضافة إلي أن الحساسية الجديدة بعضُ الأسماء فيها علي الأقل لهم حساسية اتجاه النقد الذي تري فيه تحطيما بدل أن تري اهتماما وليس ببعيد عن ذاكرتنا تلك الهجمة التي شنَّتها كوكبة من الشعراء الشباب علي ناقد مغربي لما تجرَّأ وقارب نصوصهم فلم يرقهم ذالك فثاروا ووضعوه علي السُّفود وربما لهذا الأمر انكفأ وأخذ يتعامل بحذر مع التجربة الجديدة. أجمل ما في الشعر قدرته السحرية علي خلق عوالم حالمة تنقذنا من فضائحية الواقع وترفّعنا عن تفاصيله. هل استطاع الشعر أن ينقلك إلي هذه العوالم؟ ضمنيّاً هذا السؤال يعود بنا إلي ما كان أرسطو قد طرحه حينما تحدث عن التاريخ والفن والشعر فهذا الأخير يراهن علي الممكن الجميل….علي الذي لم يقع بعد، ومن هنا فالعوالم التخييلية التي يخلقها الشعر والفن عموما تجعلنا نفارق الملموس والمعيش واليومي، لكن لا ينبغي أن نجعل من الشعر ممارسة تتعالي عن الواقع شريطة ألاَّ نجعل من هذا الواقع يمرُّ عبر الشعر فجّا فطيرا وإنّما نمرِّر الواقع واليومي في الشعر إذا احتلنا عليهما شعريّا ومن هنا نطرح السؤال، لماذا سقطت أغلب الدواوين إن لم نقل القصائد التي غرفت من الواقع وجعلته مادة لها؟ الجواب هو أنَّها آلت إلي ذلك السقوط بسبب تصويرها الذي اعتمد المباشرة والحرفية والتعيينية.الشعر ينغرس وينغرز في الواقع لكنه ليس الواقع.التقته: فاطمة الزهراء بنيس0