كل شاعر ثوري هدام كبير للمعروف ..

حجم الخط
0

كل شاعر ثوري هدام كبير للمعروف ..

خميس الخياطي كل شاعر ثوري هدام كبير للمعروف .. في موعد محدد من كل سنة، تبكي الصبايا الإغريقيات رحيل المراهق الجميل: أدونيس.عند ولادته بالـ أولامب ، تسقط في هواه آلهة الحب أفروديت وهي كذلك فينوس آلهة الحب والجمال وقد ولدت من زبد البحر. وحتي تحفظ له حياة هادئة، تودعه بين أيدي برسيفون ، آلهة الفلاحة والتي إختطفها حاديس وفي جهنم السفلية ذاقت طعم ثمرة الموت، الرمان. وبدورها، تسقط برسيفون في حب ضيفها وترفض إعادته لغريمتها. لذا، تنزل أفروديت العالم السفلي لتستعيد الطفل. إلا أنها تفشل في مهمتها. حينها ودرءا للصراع بينهما، تحتكم الإثنتان إلي زيوس . وكونه إله الآلهة، يقضي في حكمته بقضاء أدونيس فصلي الربيع والصيف بين أحضان أفروديت ليعود للمملكة السفلية في فصلي الخريف والشتاء… وهكذا قضي أدونيس حياة رائعة لحين إلتقاه مصيره المشؤوم. كان الشاب يحب الصيد. ويجوب الغابات ليصارع الخنازير البرية. مرة ما، أصاب أدونيس أحدها فجرحه، فهجم عليه الحيوان الوحشي فجرحه فأصابه هو الآخر إصابة مميتة… وهو يصارع الموت، تنزل من أدونيس قطرة دم تشربها الأرض فتنبت في الحين مكانها زهرة… شقائق النعمان .هذه قصة أدونيس في معجم الميثولوجيات حيث نعلم كذلك أن الإسمين المرادفين لأدونيس هما تموز و أطيس وأن مصدر آدون يعني لدي الفينيقيين السيد ويمثل في ثلاثي بعل الها شابا هو زوج ديوني المعروفة كذلك بإسم بلطيس … أما لدي الإغريق، فالاله أدونيس يرمز لثنائية الطبيعة في الفناء/البعث… ما محل كل هذا من الإعراب التلفزي؟ المحل هو ما ذكره شاعرنا السوري المعروف بـ أدونيس في لقاء شيق مع الدكتورة بروين حبيب علي قناة دبي (هوتبرد تردد 11747، نايل سات تردد 11785) في برنامجها المباشر نلتقي مع بروين حبيب (إخراج نشأت دعجة). إسم البرنامج لا يشير إلي الضيف فلان أو الضيفة علانة. لأن النجم هنا هي معدة ومقدمة البرنامج. هل توجد نرجسية أضخم من هذه الأنا؟الشاعر والرئيس والمدرسة ختمنا زاوية الأسبوع الفارط بوعد العودة للقاء بروين بأدونيس وها نحن مع الوعد. بعض المعاينات الشكلية علي هذا البرنامج الجيد الصنعة تفيد بأنه متقن من عديد النواحي الفنية والتقنية. فإن كان النسق التقني من إضاءة وديكور وتأثيث ينم عن ذوق رفيع في تجانس الألوان فليس مرده فقط الوفرة المالية ـ كوننا علي قناة دبي ـ بل كذلك تصور مصيب لما يجب أن يتوفر في برنامج حواري لا يعتمد لجذب المشاهد علي الأذن فحسب بل علي العين كذلك… مثال بسيط علي هذا يتمثل في تلاقي ألوان لباس بروين بلباس أدونيس. الأولي بجاكتة بيضاء تميز اللون الأزرق الفاتح الموجود تحتها وعلي يسار صدر بروين مشبك يحمل يعسوبا وهي حشرة أجنحتها الأربعة شفافة وجميلة الخطوط، عيناها جاحظتان، طويل ذيلها. وحينما تحلق علي سطح السواقي والجداول، تأخذنا بهلوانياتها إلا أنها شرسة مفترسة… بالمقابل يحمل أدونيس جاكتة سوداء تحتها قميص أسود هو الآخر وإن تشقه خطوط بيضاء في ما كان الديكور الداخلي ألوانه هادئة من نوع الـ باستيل … أما الخارجي فهو مدخل كزقاق شيك … إلا أن الإخراج وخاصة عند قراءة الشعر كان إخراجا كسولا، فقيرا. قد نقبل الإستعمال المفرط للقطة القريبة المتوسطة لغرض المحاورة ، فهو أمر متعارف عليه. أما ونحن أمام شاعر من طراز أدونيس وهو يقرأ شعره، كان الأجدر بالمخرج أن يذهب أكثر إلي ما وراء الصور. لم يفعلها وهو الذي أضاع الفرصة…منذ البداية ذكرت المعدة/المقدمة الثابت والمتحول . أشارت إلي أغاني مهيار الدمشقي . نعتت الكتاب أول الجسد، أول البحر . تكلمت عن الصوفية والسريالية لتنتهي بـ أنطولوجيا الشعر العربي القديم … وحينما نعلم كل هذا ويضاف أن إسمه يرادف أبو الحداثة العربية أو انه باستمرار مثير للجدل لا يمكن للمشاهد إلا أن يستخلص دون عناء بأن الضيف لا يعدو أن يكون إلا الشاعر العربي الكبير أدونيس . وتجدر الإشارة منذ البداية إلي أن بروين جهزت لبرنامجها بصفة جيدة. سألت عن التنكر، عن الموت والزمن، عن الشعر الجاهلي، عن ثمن الحرية، عن الأيديولوجية، عن الحداثة، عن نزار قباني ومحمود درويش، عن القارئ العربي والشعر، عن التقليد المتهم به، عن بنتيه وزوجته وإنتهت بالرسم او ما يسميه الرقائق ثم إختتمت بقراءة الشعر من مخطوط. كانت أسئلتها التي اودعتها الجذاذات تشبه كثيرا اسئلة مادة الأدب العربي المعاصر في إمتحانات البكالوريا. الإختلاف الوحيد بين النوعيتين هو أنها هنا مولدة للذكريات والتوضيحات والتأكيدات التي تقطعها مساحات مدبجة بصور من الماضي كـ ألبوم ذكريات أبكم تزيد الفواصل عليه بكما علي بكم. وما أكثر هذه الفواصل… أجاب أدونيس بهدوء وتواضع علي الأسئلة، فذكر حفظه القرآن مع كبار الشعراء في سن العاشرة، تحدث عن نظمه الشعر وخاصة ذاك القصيد الذي وضعه وجها لوجه مع الرئيس شكري القوتلي حتي يساعده ويرسله إلي المدينة لإكمال دراسته. يقول أدونيس: هذا قصيد هو بمثابة الحلم. قرية بدون مدرسة ويتعذر علي والدي أن يرسلاني إلي المدينة فحلمت بالرئيس القوتلي سيزور المنطقة (وقلت) سأكتب له القصيدة وستعجبه وسيستدعيني وأقول له: أريد أن أدخل المدرسة لأتعلم. فعلا كتبت القصيدة وقرأتها لأبي الذي علمني الشعر . ويطول السرد ويعلم جمهور المشاهدين بأسلوب بسيط وحكي شيق ركض أدونيس وراء الرئيس وكيف ألتقاه فاستعمل القوتلي صدر بيت شعري من قصيد الطفل ليبني عليه خطابه. مثل هذه البدايات لها خيوط مع الملاحم أو نشوء الآلهة… وبالتالي، لن نفاجأ أن تخطر علي بال المراهق إستعارة إسم أدونيس . وهنا كذلك يذكر الشاعر كيف أن إسمه الحقيقي (علي أحمد سعيد) أصبح عائقا أمام نشر قصائده وكيف أن التنكر وراء الإسم المستعار أصبح هو الحقيقة و إن كان لي أن أتنكر مرة أخري، فعلي بالكتابة تحت إسمي الحقيقي . لقد إستهوته أسطورة أدونيس حتي تغلبت علي الأصل فمحته لتصبح أصلا محله. وهكذا الأمر مع الوالدين (الأب = عالم الثقافة/الأم = عالم الطبيعة)… الأسئلة والقراءة المفقودة إن محاورة الشعراء وإن هي صعبة من جهة، فهي من أيسر المهام الصحافية من جهة أخري لكونها أمام مخزون حسي ولغوي كل ثمرة منه هي بذرة قابلة لأن تكون بدورها مصدرا حسيا ولغويا. كانت أجوبة أدونيس عن الموت (شكل من إشكال الحياة)، عن الزمن (ريح تهب من جهة الموت)، عن النهاية (أحببت أن تنتهي حياتي حيث ولدت، تماما في القرية)، عن المصادر (تأثرت بالشعر الجاهلي، بأبي نواس وأبو تمام والمتنبي والمعري وهم كبار الشعراء العرب وما تبقي هم بمثابة التنويع علي هؤلاء) هي أجوبة يمكن أن تكون محورا لمحاورة خاصة. إن كان الأمر هكذا مع الشعراء، فما بالك حينما يكون مع أدونيس حيث التجربة من جميع أوجهها إن لغويا أو شعريا أو شكليا أو سياسيا وقس علي ذلك هي تجربة تختصر عصرا. فسواء تعلق الأمر بالأيديولوجيات (تركت سورية في العام 56 بدوافع الفكر الحر. ثم في لبنان إنفصلت عن الأيديولوجيا التي إنضممت إليها (…) لم أرتبط بأي نظام. إننا لكي نفكر يجب أن نخرج مما يمنع التفكير في التراث الثقافي والبنية الأيديولوجية. والأحزاب هي شكل من أشكال البني الأيديولوجية. يجب الخروج من جميع البني الفكرية المستبقة) أو بالحداثة (وقد عرفها بطرح الاسئلة وبأنها مشكلة عربية منذ القرن الثالث الهجري وباستحالة أن نخلق جمالا بلغة نجهل تاريخها الجمالي وبكونها لا تتوقف عند حدود تغيير شكل الشعر، بل بتغيير مفهومه ) أو بعلاقة القارئ العربي بالشعر (الشعر ربح في العمق ما يخسره في الأفق، الشعر يقلق القارئ، يطرح عليه الأسئلة، يصله بالمجهول)، كان أدونيس معلما من هؤلاء الذين نسمع عنهم في الثقافات الآسيوية الغابرة… هدوء ورصانة وعمق وتعدد الزوايا. فحينما سئل عن إتهامه بالتقليد من طرف عديد الشعراء العرب، لم يرغ ويزبد ويتهم، بل شكرهم علي إهتمامهم بشعره وأضاف أن تكون متهما، ففي ذلك مزايا أكثر من العيوب . وما يعجبك في أدونيس هو أنه بجانب نظمه الشعر فهو منظر. يضع الأسئلة ليفكر في الأجوبة الممكنة وشهادته في هذا مثال المعري الذي يعتبره العرب فيلسوفا وليس شاعرا ذلك أن تداخل الأشياء وتلاقحها هي مهمة الشاعر. عليه أن يكتشف العلاقات الخفية والسرية بين الأشياء… وعندي شعور بأن شعري لم يقرأ قراءة صحيحة، قراءة أحلم بها .وحينما ينتهي الحوار، تشعر أنك ما زلت تطلب الإضافة ولم ينطفئ الظمأ بعد لأنك لست في عالم الشعر فقط، بل مع إنسان ومواطن وشاعر له مع العالم المحيط القريب والبعيد ومن جميع زواياه علاقة وثيقة ورؤية مستقبلية كقوله العرب مستعبدون للماضي/والمستقبل يستعبد الغرب (..) الطاقة العربية تبدد في الخلاف العربي/عربي. هي طاقة تآكل ولا طاقة تجاوب وبناء ورؤية أو أن نجاة لبنان تكمن في المواطنة وسيادة العلمانية… هذا ما يعتبره البعض هدما لمعنويات الأمة والأوطان.. ذلك أن كل شاعر ثوري (في وظيفته الرئيسية) هدام للمعرفة . جملة مفيدة: أحيانا، في الصمت يكمن جوهر الوثائقيات . من فيلم سبايس وورلد للبريطاني جيمس كورتيس.ناقد وإعلامي من تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية