كل مبررات إسرائيل للعدوان على غزة تمحوها صورة أطفال قتلوا وهم يلعبون قرب البحر

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: لعل أهم ما كشفت عنه الحرب في غزة هو حجم التطرف الذي وصل إليه المجتمع الإسرائيلي، ودرجة العدوانية والشوفينية التي يعيشها هذا المجتمع فلم يعد هناك مكان للحمائم أمام الصقور، فعندما يقترح نائب رئيس الكنيست ضم غزة للسيادة الإسرائيلية من أجل حل مشكلة الإسكان، وعندما تقترح نائبة قتل أمهات وأطفال الفلسطينيين، وعندما يصدر حاخام فتوى يحلل فيها تدمير غزة، وعندما يتعرض صحافيون اتسموا بالشجاعة مثل جدعون ليفي للتهديد بالقتل لمساءلته في صحيفة «هآرتس» أهداف الحملة الإسرائيلية فإننا إزاء وضع لم يعد فيه كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها الحديث عن إنهاء الإحتلال ممكنا ولا حتى تحقيق حلم الفلسطينيين بدولة مستقلة لهم.
فقد وقف الجمهور الإسرائيلي برمته وراء حملة نتنياهو ويعالون على غزة. وكما أظهر استطلاع فهناك تسعة من كل عشرة إسرائيليين دعموا الحرب الأخيرة.

لا يريد الخروج من البيت

وفي تقرير أعده غايلز فريزر لصحيفة «الغارديان» عن الحركة التي لا تتجرأ بذكر اسمها في إسرائيل، فـ «جدعون ليفي لا يريد اللقاء في المقهى، فقد تعب من مضايقات الشارع له والبصاق عليه، ولعدم رغبة الناس في الجلوس إلى جانب طاولته في المطاعم، والآن يشعر بالضيق لوجود الحرس الدائم حوله، لأنهم أصبحوا مصدر ضيق له وينتقدون مواقفه السياسية، ولهذا لا يخرج من بيته كثيرا واكتفينا بهدوء غرفة الجلوس في بيته الذي لا يبعد سوى مسافة قصيرة من مركز إسحق رابين».
ووجه معاناة ليفي هو تعاطفه مع معاناة الشعب الفلسطيني من خلاله مقاله الذي يكتبه في الصحيفة الليبرالية «هآرتس»، وهو واحد من المعلقين اليساريين والمستعد لرفع رأسه فوق الحواجز. ومع أن ليفي ليس غريبا على الهجمات من اليمين إلا أن الهجوم الحالي مختلف تماما، فقد دعا يارين ليفين، زعيم كتلة الليكود في الكنيست لتقديم ليفي للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى.
وقال «حان الوقت للتوقف عن التسامح مع هذه الظاهرة الحقيرة»، وبعد تصريحاته كتب إلداد يانيف، المستشار السابق لرئيس الوزراء إيهود باراك على صفحته في فيسبوك « الراحل جدعون ليفي، عش مع هذا اللقب».
ويقول فريزر إن جريمة ليفي التي لم يتم التسامح معها هي معارضته للحرب وقصف غزة. وتشير استطلاعات الرأي أن الدعم لحرب غزة يصل إلى 87٪ حسب القناة العاشرة إلى 95٪ حسب معهد الديمقراطية، وحتى من يعارضون الحرب حذرون في التعبير عن موقفهم بشكل واضح.
ولكن استطلاعات الرأي اصيبت بالجنون عندما كتب ليفي في مقالته محورا العبارة في اللغة العبرية «هاتوفيم لا تاييس» (الأفضل ينضمون للقوة الجوية) بعبارة أخرى «هارييم لا تاييس» (الأسوأ ينضمون لسلاح الجو)، وعبارة كهذه في زمن السلم يمكن أن تعتبر «كفرا» ضد دين إسرائيل الحقيقي وهو: سلامة الجيش. وفي زمن الحرب لا يمكنك استخدام هذه العبارة على ما يقول الكاتب.

لا سلام الآن

وحتى حركة «السلام الآن» الإسرائيلية اتسمت مواقفها بالحذر، وتجنبت المشاركة في المظاهرات الرسمية.
وظهرت الحركة عام 1978 وأنشأها جنود سابقون دعموا السلام مع مصر، واستطاعت حشد أكثر من 400.000 إسرائيلي ضد اجتياح لبنان عام 1982 ولكنها الآن ظل نفسها. ويقول ليفي إن الفرق بين السابق والآن هو «النزعة المعادية للديمقراطية واللاتسامح مع أي نوع من أنواع التعاطف مع الفلسطينيين»، ويضيف «عليك أن لا تفاجأ بنسبة 95 ٪ من الداعمين للحرب، ويجب أن تفاجأ لوجود نسبة 5٪ ، فهذه معجزة، فقد لعب الإعلام دورا مهما، وإذا أخذنا بعين الإعتبار سنوات من الشيطنة للفلسطينيين والتحريض على الكراهية فلا تندهش من أن الإسرائيليين هم حيث كانوا».
وعندما سأل الكاتب موسي راز، المؤسس السابق لحركة «السلام الآن» ما هو مبرر وجود حركة سلام ترفض شجب حرب كهذه؟ وأكد راز أن عددا من دعاة السلام خرجوا في تظاهرات، حوالي 6.000 السبت قبل الماضي ولكنهم تعرضوا للسخرية ووصفوا بـ «الإسرائيليين القذرين» من مشاركين في تظاهرة مضادة. وخروج هذا العدد من المتظاهرين يعتبر إنجازا ملاحظا أن الأحزاب الرئيسية وجماعات اليسار التزمت بالصمت عندما بدأت صفارات الإنذار بالعويل.
ويشرح راز «عادة ما يتظاهر الناس عند نهاية الحرب»، ويتوقع حدوث هذا مشيرا إلى حرب لبنان عام 1982 عندما دعمت غالبية الإسرائيليين الحرب (86٪) ولكنهم خرجوا بمئات الألوف بعد توقفها. فالتظاهر أثناء الحرب يعتبر خيانة ووقوفا مع العدو، وعادة ما يتظاهر الناس ضد الحكومة وليس الجيش. وينقل الكاتب عن عاموس عوز، الروائي الإسرائيلي المعروف الذي قال إن حركة السلام الآن تلقت ضربة قوية قبل ثمانية أعوام عندما قرر أرييل شارون الخروج من غزة حيث ساءت الأوضاع هناك. وأشار عوز إلى إطلاق ألف صاروخ على إسرائيل من القطاع. مما قاد الكثير من الإسرائيليين حسب رأيه للتخلي عن فكرة مبادلة الأرض بالسلام.
ويتعامل مع الحملة العسكرية الحالية بأنها «مفرطة في استخدام القوة لكنها مبررة». وعبر عن احتقار للأوروبيين الذين تظاهروا ضدها «مشكلة الأوروبيين أنهم يصدرون عرائض ثم يذهبون للنوم ويشعرون برضا ذاتي».
ويشير للتاريخ الأوروبي «تاريخ الحروب في القرن العشرين جعل الأوروبيين ينظرون للأمور من خلال الأسود والأبيض، مثل أفلام هوليوود، رجال أخيار وآخرون أشرار، لكن الوضع أكثر تعقيدا من هذا».
مع أن عوز ينتقد بنيامين نتنياهو الذي ضيع فرصا كثيرة ويعترف باستخدام القوة المفرطة في غزة لكنه يطالب محدثه للنظر للامر عبر منظور أوسع «من منظور ما يبدو الأمر وكأنه قصة داوود وجالوت، حيث تلعب إسرائيل دور جالوت القاسي والفلسطينيون دور داوود المسكين، ولكن إن نظرت للنزاع باعتباره بين إسرائيل وبقية العالم العربي فعندها من هو جالوت ومن هو داوود؟.

باطل ضد باطل

ولاحظ فريزر ان عوز غير موقفه من النزاع العربي- الإسرائيلي الذي وصفه «حق ضد حق» والآن يصفه بأنه «باطل ضد باطل» ويعلق ليفي أن «عوز ليس في وضع يجعله يعترف بالذنب الإسرائيلي»، مضيفا إنه «رجل سلام حقيقي ولكنه نشأ في جيل مختلف قبل جيلي، ونشأ في هذه الدولة الضعيفة، تكافح من أجل البقاء، وخلقت من لا شيء هذه أرضيته».
ويصف الكاتب وضع الإعلام في إسرائيل الذي يلعب دور المطبل والمزمر لموقف الحكومة سواء كان صحافة أم قنوات تلفازية التي تقدم نشرات وجرعات دائمة من الخوف والحديث عن الجنود الأبطال الذين سقطوا في المعركة بدون الإشارة ولو من قريب للمذابح في غزة، والمشكلة أن الإسرائيليين العاديين ليس لديهم فكرة عما يجري في غزة «أعرف ما يجري في غزة عندما أكون جالسا في لندن أكثر مما أعرفه عندما أكون في تل أبيب، وفي ظل هذا المستوى من التلاعب في الحقائق كيف يمكن للإسرائيليين أن يكونوا ناقدين» للحملة. ويكتشف الكاتب في تل أبيب مجتمعا لا يقبل النقد ويتذكر ما قاله ليفي «الناس يتخلون عن ليبراليتهم عند الخط الأخضر»، و»الشباب هم الأسوأ، فهم جهلة، وتعرضوا لغسيل دماغ ولم يلتقوا فلسطينيا في حياتهم».

لماذا انهزم الجيش

ورغم كل الدعم الذي قدمه الإسرائيليون لجيشهم في غزة إلا أنهم غير راضين عن النتيجة غير الحاسمة والانسحاب السريع، ففي تقرير لمجلة «تايم» الأمريكية، وهي نتيجة غير متنساقة مع انتصارات الجيش الإسرائيلي في حرب 1967 وضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، وضد المنشآت النووية السورية عام 2007، وما حصل في غزة جعل الإسرائيليين يتساءلون عن السبب الذي يجعل جيشهم يتلقى مفاجآت عندما يقوم بحروب برية ضد جيران إسرائيل.
وما يدفعهم للتساؤل هو حجم الخسائر التي تكبدها في الحرب الأخيرة 64 جنديا قتلوا وهو عشرة أضعاف الذين قتلوا أثناء عملية الرصاص المسكوب عام 2008/2009. وعلقت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية على الحملة بقوله إن التوغل في غزة كشف عن مظاهر قصور في أداء الجيش الإسرائيلي، خاصة من ناحية الجاهزية وإدارة المعركة. وقررت لجنة الشؤون الخارجية في الكنيست الإسرائيلي التحقيق في مظاهر القصور العسكرية والدبلوماسية بما في ذلك نشر مصفحات والتي قتل في واحدة منها سبعة جنود جراء صاروخ أصابها.
ويقول الخبراء العسكريون إن الجيش الإسرائيلي كان يتبع أساليبه القتالية القديمة ولم يحضر نفسه بالقدر الكافي لمواجهة عدو مستعد ولديه قدرات عسكرية متفوقة. وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» فقد تساءل عدد من السياسيين عن سبب فشل المؤسسة العسكرية الكشف عن نظام الأنفاق التي كانت «مفاجأة نفسية وتكتيكية».
وتقول مجلة «تايم» «على الإسرائيليين أن لا يندهشوا لأنهم واجهوا هذا الوضع من قبل. ففي أثناء حرب لبنان عام 2006 اكتشف الجيش الإسرائيلي أن حزب الله دخل المعركة متجهزا بأسلحة متقدما ودرب مقاتليه على أساليب عسكرية وتكتيكات جديدة».
ووصف جندي إسرائيلي الوضع بالقول «لقد تدربوا ولديهم كفاءة عالية»، وهو «ما فاجأنا جميعا»، وأدى مقتل 121 جنديا في تلك الحرب إلى البحث في الأسباب كونه عد فشلا عسكريا ذريعا.
وتقارن المجلة بين حملة غزة الأخيرة وحرب تموز/يوليو عام 2006 حيث كان الهدف المعلن من هذه الحرب هو وقف صواريخ حزب الله وسحقه. ولكنها لم تنجح حيث لم يتخل الحزب عن سلاحه بل راكم كميات كبيرة منها.
ويقدر الجيش الإسرائيلي عدد الصواريخ التي يملكها حزب الله بحوالي ستين ألف صاروخ. وفي الوقت الذي يتم الحديث فيه عن وقف إطلاق نار دائم ونزع سلاح حماس إلا أن الكثير من الإسرائيليين يشكون في حدوث هذا، فبحسب عاموس هارئيل في صحيفة «هآرتس» «لم تهزم حماس وستبقى تحكم غزة، والشريك الرئيسي في أي اتفاق مستقبلي» ولو تم رفع الحصار فسيكون ثمنا يستحق لكل التضحيات التي قدمتها. وتقول المجلة إن إسرائيل هذا الصيف اكتشفت حدود قوتها العسكرية ووجدت أن قدراتها الإستخباراتية ليست خارقة. وفي الوقت الذي تمتع فيه بتفوق عسكري على أعدائها إلا أنها تواجه محدودية في الحركة عندما تضطر لدخول حرب شوارع وعصابات؟ ومن هنا يمكن تدمير قوة جوية بالكامل وبسهولة أكثر من مواجهة جماعة مصممة، خاصة إن أساءت تقدير قوتها وجاهزيتها للمعركة.

الصورة الأخيرة

وهذا ما قاد مجلة «فورين بوليسي» في مقال كتبه ديفيد روثكوبف للحديث عن «هزيمة إسرائيل في غزة» حيث قال إن الصورة التي سيحملها العالم معه عن الحرب ليس الدعم الكامل للحرب من قبل الإسرائيليين ولا الخطابات البارعة لتبرير الحرب، ولا حتى الإنجازات التكتيكية التي حققها الجيش الإسرائيلي ولكن صورة أربعة أطفال كانوا يلعبون كرة القدم على الشاطئ ثم أخذوا يركضون لتجنب الصواريخ لتنتهي حياتهم في غمضة عين.
وتقول المجلة «ليس هناك قبة حديدية لحماية إسرائيل من هذه الصورة للألم والدمار التي دخلت ذاكرتنا أو تعطي فكرة عن الضرر الذي نتج عن هذا القتل العشوائي، وأكثر من هذا فالقبة الحديدية تحمي إسرائيل من الضرر الذي يحاول الآخرون إحداثه عليها ولكنها لا تحميها من الضرر الذي تتسبب فيه لنفسها».
وتقول المجلة دعونا نقبل كل المبررات التي قدمتها إسرائيل للحرب على غزة، حماس إرهابية، تخطف وتطلق الصواريخ، وتحتمي بالأبرياء وتطلق النار من التجمعات السكنية حتى تضربها إسرائيل التي من حقها الدفاع عن نفسها.
وفي المقابل دعونا ننظر للأمر بطريقة أخرى تقول وهي إن هذه الحرب كانت ردا على حكومة الوحدة الوطنية وردا عاطفيا على اختطاف المستوطنين الثلاثة، كما أن صواريخ حماس لم تؤد إلا لاحداث أضرار طفيفة.
وفي الوقت الذي يتفهم فيه الكاتب كل الجدل والنقاش المضاد إلا أن المنظور من غزة يظل مقنعا فسكانه الـ 1.8 مليون نسمة تحت حصار شديد ومنذ 7 أعوام أو يزيد، ومهما كان موقفهم من حماس وأساليبها فهم يعتقدون أن لا شيء يبرر قتل أطفالهم وإخوانهم وأخواتهم. ويقول الكاتب إن إسرائيل حققت اهدافا تكتيكية لكن المخزون الذي تعمل فيه حماس اشتعل ووسع دائرة التجنيد فيما ظل الداعمون في مأمن من القصف الإسرائيلي.
ويضيف إن هدف إسرائيل كان نزع الشرعية عن حماس وما حققته خلال الأسابيع الماضية جاء على حساب سمعتها أي إسرائيل.
و»في النهاية، خسرت إسرائيل في جزء كبير لأنها ورغم قدراتها العسكرية الساحقة والمصادر والمزايات التي تتميز فيها والفقر الفلسطيني، وضعف مقاتلي حماس النسبي إلا ان للفلسطينين سلاحا سريا واحدا مثل صور وسرديات النزاعات الأخيرة، فالزمن إلى جانبهم، في كل يوم يزيد عددهم وكذا الظلم عليهم، وفي كل يوم يخف فيه دعم إسرائيل لإنشاء دولتهم. لكن نتيجة الحرب تظل مفتوحة ولم ينتصر فيها طرف على طرف سوى الصورة التي شاهدناها على الشاطئ، الأطفال الأربعة الذين كانوا يلعبون الكرة وماتوا في لمحة بصر.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية