القاهرة ـ «القدس العربي»: يدرك عدوهم أن المسألة مجرد وقت، وسيغادر مجبرا، لأجل ذلك يتمثل هدف إسرائيل الدائم في شراء الوقت وتطويل أمد الكيان، وقد قال الرئيس السيسي في أحدث ظهور له فجر أمس، ما سبق وذكره مرارا منذ بداية الصراع في غزة، “أكدنا أن معبر رفح مفتوح ومستعدين لإدخال أي حجم من المساعدات؛ لأشقائنا في فلسطين وقطاع غزة لتوفير احتياجاتهم الأساسية”، مشيرا إلى أن الدولة دخلت في مبادرة وتحالف لإسقاط المساعدات من الطائرات بالتعاون مع الإمارات وقطر وأمريكا وفرنسا وغيرها الكثير من الدول. ولفت السيسي، خلال كلمته التي ألقاها في مقر أكاديمية الشرطة، إلى أن حجم المساعدات التي تم إدخالها هي أرقام لا تساوي أبدا المطلوب، متابعا: «إحنا بنتكلم في الآلاف من الأطنان محتاجين ندخلها يوميا لاحتياجات الناس». وأضاف: «نسعى إلى التوصل لهدنة في القطاع ووقف إطلاق النار، وإدخال أكبر حجم من المساعدات؛ لوضع حد لهذه المجاعة وتأثيرها على الناس، والسماح للسكان في الوسط والجنوب بالتحرك في اتجاه الشمال»، محذرا من خطورة اجتياح رفح الفلسطينية. وتابع: «نتحدث عن 30 ألفا، ثلثيهم من النساء والأطفال، وأكثر من 70 ألف مصاب، كما أن 60٪ إلى 70٪ من القطاع جرى تدمير بنيته التحتية والمنشآت الحكومية والخدمية، التي كانت العمود الفقري للقطاع». وواصل: «الأرقام التي قد يجري الاحتياج إليها لإعادة إعمار قطاع غزة مخيفة جدا، وكذلك عدد السنين المطلوبة في إعادة إعمار القطاع، ونحاول على الأقل وقف النزيف البشر والمنشآت أيضا ونسعى إلى إدخال أكبر حجم من المساعدات».
وبالنسبة للوضع الداخلي أكد الرئيس السيسي، أن الدولة اتخذت خطوات لتحسين وتطوير وإصلاح الموقف الاقتصادي بشكل حاسم ونهائي، وأن الأمور تسير بشكل جيد، وليست هناك أي مشكلة في السلع والمستلزمات.. وأضاف أن الإجراءات التي تم اتخاذها خلال الأسابيع القليلة الماضية ستعمل على إعادتنا إلى الطريق الصحيح، لتصويب المسار الاقتصادي وتحسينه. وأشار إلى أنه تم عقد اتفاق أولي مع صندوق النقد الدولي وهناك أيضا شكل من أشكال الدعم مع البنك الدولي ومع الاتحاد الأوروبي أيضا، بالإضافة إلى الإجراءات الأخرى المعلومة للجميع جيدا، مؤكدا أنها خطوات لتحسين وتطوير وإصلاح الموقف الاقتصادي بشكل حاسم ونهائي، ومطمئنا بأن الأمور تسير بشكل جيد وليست هناك أي مشكلة في السلع وحتى المستلزمات التي كانت متأخرة في الموانئ تخرج الآن.. وحول الوضع الصحي أكد الدكتور حسام عبد الغفار المتحدث باسم وزارة الصحة، أن القرار الخاص باقتصار صرف العلاج للمترددين على العيادات الخارجية على صنف واحد مجانا، من قائمة الأدوية الأساسية، أن هذا القرار لا ينطبق على أصحاب الأمراض المزمنة، سواء الذين يحصلون على أدويتهم عبر التأمين الصحي أو العلاج على نفقة الدولة، إذ سيحصلون على أدويتهم كالمعتاد، وكذلك لا يطبق على حالات الطوارئ..
بايدن لن يتراجع عن الدعم
لأن كثيرا من المراقبين والمهتمين بالحرب يتوهمون أن قطيعة توشك أن تقع بين واشنطن وتل ابيب كشف محمد المنشاوي عما يلي في “الشروق”: يتفاخر الرئيس جو بايدن بصهيونيته، ويكرر أنه إذا لم توجد إسرائيل، لوجب علينا إيجادها. ويتفاخر بأنه لا يوجد أي رئيس من قبل أفضل لإسرائيل منه، إلا أن ما ذكره بايدن خلال خطاب حالة الاتحاد، ومن بعده في لقاء تلفزيوني مع شبكة MSNBC اعتبره البعض تراجعا عن مواقف بايدن الراسخة والداعمة لإسرائيل. انتقد بايدن استراتيجية إسرائيل الحربية في عدوانها على قطاع غزة، ووصف خطط إسرائيل لاقتحام مدينة رفح بأنها «خط أحمر» ينبغي لإسرائيل عدم تجاوزه. لم يتعرض بايدن إلى سلسلة من العقوبات أو الإجراءات الرادعة لتثني إسرائيل عن خطتها باقتحام المنطقة الصغيرة التي تأوي أكثر من 1.3 مليون فلسطيني، أغلبهم نزحوا من مختلف مناطق غزة سعيا للسلامة وطلبا للأمان. وتطالب إدارة بايدن إسرائيل فقط بعرض خطة تضمن خروجا آمنا للفلسطينيين من رفح قبل اقتحامها. يرى أنصار إسرائيل في واشنطن أن أفضل طريقة لحماية المدنيين الفلسطينيين، هي أن تسمح لهم مصر بعبور الحدود إلى سيناء والبقاء فيها حتى يتوقف القتال. وينتقد هؤلاء الرئيس بايدن لعدم ضغطه على الجانب المصري لقبول هذا الطرح، على الرغم من تلقي القاهرة نحو 1.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية كما يقولون. وتهاجم أغلب المنظمات اليهودية الأمريكية الرئيس بايدن، بعد كل ما قدمه منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، لمطالبته إسرائيل بالتمهل في اقتحام رفح، ويرونه معرقلا لهدف إسرائيل المتمثل في تدمير حماس. لا يمكن فصل انتقاد بايدن اللفظي الصريح لنتنياهو عن رغبته في استرضاء الجناح المعادي لإسرائيل في حزبه الذي يزداد قوة وإصرارا، كما ظهر في نتائج عدة ولايات منها ميشيغان ومينيسوتا.
حلول سخيفة
لا يمكن وفقا لمحمد المنشاوي أن نستبعد مخاوف بايدن وفريقه، من وجود مشاهد احتجاجات وتظاهرات واسعة في مؤتمر الحزب الديمقراطي في أغسطس/آب المقبل. ويزداد قلق بايدن من خسارة ولايات حاسمة مثل ميشيغان، وهو ما يضعف حظوظه بالفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مع انشقاق الشباب والأمريكيين العرب والمسلمين. وهذا يفسر أيضا الجهود العاجلة للتفاوض على وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، التي لا تزال تدفع إليها الولايات المتحدة بالتعاون مع مصر وقطر. بعد دعم بايدن غير المحدود للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وعدم رغبة بايدن في اتخاذ تدابير جادة لتحدي أو كبح جماح الحملة العسكرية الإسرائيلية لمدة خمسة أشهر، أصبح بايدن في موقف ضعيف من صنعه. سيكون من الصعب عليه إصدار مطالب وتحذيرات تأخذها الحكومة الإسرائيلية على محمل الجد لأن الإسرائيليين تجاهلوا الكثير من التحذيرات قبل الآن، دون دفع أي عقوبة. إذا كان نهج بايدن جادا وحاسما ما كان ليضطر إلى اللجوء إلى حلول سخيفة وغير عملية مثل الرصيف البحري والإسقاط الجوي للمساعدات لتجنب مواجهة منع إسرائيل للمساعدات. عندما يرى نتنياهو أن إدارة بايدن تربط نفسها في عقدة لتجنب الصدام معه، فمن المرجح أن يشجعه ذلك على التمسك بموقفه والتشدد فيه لتأكده من القدرة على الإفلات من العقاب. وتحتاج إدارة بايدن إلى جعل سياستها تتماشى مع خطابها، وبالطبع لن يحدث ذلك مع إدارة تتجاهل هي ذاتها القوانين الأمريكية الخاصة في ما يتعلق بإمدادات الأسلحة للحكومات التي ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وانتهاكات للقانون الدولي. وطالما استمر تدفق الأسلحة إلى إسرائيل فلا معنى لأي شيء يقوله الرئيس ومسؤولون أمريكيون آخرون عن سلوك إسرائيل في الحرب. لن يثنى هجوم بايدن اللفظي نتنياهو عن إصدار أمر بشن هجوم على رفح، خاصة بعد أن كرر نتنياهو أن من «يقول لنا ألا نتحرك في رفح، فإنه يقول لنا أن نخسر الحرب، وهذا لن يحدث». لقد فعلت إدارة بايدن الكثير لتأجيج الحرب في غزة وهي تشارك في المسؤولية عن الكارثة الحالية والكارثة المقبلة.
أصابهم الفزع
العالم كله يدرك حجم المأساة في قطاع غزة، جراء القصف الصاروخي والمدفعي الذي لا ينقطع على مدار اليوم، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي من قبل قوات الصهاينة على المدنيين الفلسطينيين، الذين يلقون الشهادة وأغلبهم من الأطفال والنساء، ورغم المجازر والمذابح التي ترتكب، إلا أن العالم وفق ما لاحظ مجدي الشيخ في “فيتو” لا يحرك ساكنا، ويقف مكتوف الأيدي أمام الآلة العسكرية الأمريكية، التي توجد في البحرين الأحمر والمتوسط عنوة، حماية للعدو الصهيوني في حربه على غزة.. وزادت بجاحته في المشاركة في القتال إلى جانب الصهاينة، وهو ما كشفته وسائل الإعلام الأمريكية بالإعلان عن القتلى الأمريكيين في الحرب على القطاع الذي أصبح رمادا يأوي جثث الشهداء.. العالم بكياناته الدولية أصبح عاجزا أمام وقف الحرب التي شهدت جرائم حرب مقصودة من قبل العدو المغتصب للأرض، تتنافى مع كل الأعراف الدولية والإنسانية، ولكنه ما زال يعقد الاجتماعات ويشجب ويندد، وحال صدور قرار يصطدم بالفيتو الأمريكي.. الاحتلال يستهدف قوافل الإغاثة لتعميق أزمة سكان غزة، والمساعدات الإنسانية لا تتناسب مع حجم الاحتياجات، ومن لم يمت بالرصاص الحي يموت جوعا، وسوف تكتب صفحات التاريخ يوما أن هناك أطفالا وشبابا ونساء وشيوخا ماتوا جوعا، خاصة أن الاحتلال يستهدف القوت اليومي لسكان القطاع، في ظل صمت عربي ودولي.. فضلا عن أن المنظمات الدولية أصبحت عاجزة عن العمل بسبب اعتداءات الصهاينة.. نتنياهو الصهيوني الأكبر وحكومته ومجلس حربه عاجزون عن تحقيق أهدافهم باستثناء القتل المتعمد للمدنيين والصحافيين والأطقم الطبية، وتدمير البنية التحتية وغزو المستشفيات، ومنع وصول المساعدات الطبية والإنسانية.. بينما تحرير الرهائن والقضاء على حماس لم يتحقق، وهو ما يجعل الصهاينة يتخبطون ويصبون غضبهم في استهداف المدنيين في ظل الصمت العميق من دول العالم، ورغم ذلك يبقى الأمل في تحرير الأقصى من دنس الصهاينة، طالما أن هناك رجالا عاهدوا الله على النصر أو الشهادة بمزيد من طوفان الأقصى.
وريث مدبولي
عقب أداء الرئيس لليمين الدستورية للولاية الجديدة، قدّم رؤية متكاملة للمرحلة المقبلة، الحكومة الجديدة التي من المتوقع تشكيلها خلال الأسابيع المقبلة ستكون مهمتها حسب ياسر شورى في “الوفد” أسهل من الحالية بشرط الخروج من طريقة الأداء العقيمة التي اعتمدت عليها طوال السنوات الماضية، والتي قامت فقط على الاستدانة والاقتصاد الريعي، الذي أوصلنا في النهاية إلى طريق مسدود كاد يذهب بدولة في حجم مصر. وكما قال «اينشتاين» لا تستطيع حل مشكلة مستعصية بالعقلية نفسها التي أوجدتها.. من الجنون أن تفعل الشيء نفسه وتنتظر نتائج مختلفة.. هنا يجب أن تقدم أي حكومة طريقة مختلفة في الأداء تقوم على التخلص من قديم بال إلى آفاق أخرى من الرؤى، لبناء اقتصاد مستدام يقوم على جذب استثمارات حقيقية وتوطين تكنولوجيا حديثة، والاتجاه إلى التصنيع والتصدير والزراعة، وفتح المجال للقطاع الخاص بضوابط وشفافية ومحاربة الفساد بأشكاله كافة. لدينا فرصة عظيمة بعد صفقة رأس الحكمة وقرار التعويم، وتبقى المشكلة الأخطر حتى من أزمة الدولار، وهي كبح جماح التضخم الذي تجاوز الـ30% ما يهدد أي خطوات إصلاحية. الطريق الصعب هو ما لم تأخذه الحكومات المصرية منذ عهد مبارك، لأن اختيار تلك الحكومات كان دائما يقوم على اختيار الوزراء المنفذين الجيدين فقط، دون النظر للرؤية.. والحقيقة أن طريقة الاختيار هذه تصلح في اختيار مديرين أو تنفيذيين، إنما اختيار الوزير ورئيس الوزراء شيء آخر، فدورهم هو وضع الخطة والرؤية والتنفيذ هو دور المناصب الأقل. لا يهم في الحكومة المقبلة تشكيلها من التكنوقراط أو السياسيين، وهناك من يجمع بين الحسنيين، والمهم هو البعد عن أصحاب الأيادي المرتعشة، وإنهاء جملة حسب توجيهات الرئيس. يعول الكاتب على تغيير كبيرا ستشهده مصر، وفي القلب منه شكل الدولة خلال الولاية الجديدة للرئيس، وطريقة تشكيل البرلمان المقبل وقبله الحكومة، والاقتصاد لدى الدولة المصرية اليوم بنية أساسية وعلاقات قوية مع دول العالم، وأموال تتدفق، وطلبات لمشروعات على طريقة رأس الحكمة، وغيرها من الفرص التي تؤهلها للدخول إلى المستقبل بشكل جاد دون الارتكان إلى حلول مؤقتة، قد يكون ضررها أكثر من نفعها في المستقبل.
ضحايا الجشع
صرخ وليد عبد العزيز في “الأخبار” بأعلى صوته: كفاية استغلال وجشع وقلة ضمير.. كفاية كلمة قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي في الندوة التثقيفية احتفالا بيوم الشهيد.. الرئيس كان يتحدث عن الأوضاع الاقتصادية والأزمات التي شهدتها مصر على مدار 4 سنوات، وأدت إلى تبعات أثرت على حياة المواطنين، من غلاء أسعار في جميع المنتجات. الرئيس تحدث عن تسعير المنتجات على سعر دولار تخطى الـ70 جنيها، وهو سعر غير حقيقي، ومع ذلك استباح تجار الأزمات قوت الشعب وتلاعبوا بالأسعار وتسبب ذلك في صعوبة الأوضاع على المواطنين.. كلمة كفاية لها معانٍ كثيرة ومضمونها أن كل من سمحت له نفسه باستغلال الأزمة عليه أن يتوقف، وان يبحث عن الضمير الغائب، لأن الدولة المصرية تعاملت مع الأزمة بكل وطنية وبفضل الله بدأت الانفراجة تظهر ملامحها وتم بالفعل تحجيم سعر الصرف، وبدأت الأمور تعود إلى وضعها الطبيعي، وتراجعت السوق الموازية بصورة كبيرة.. اعتقد أن الرسالة التي وجّهها الرئيس السيسي إلى مجتمع الأعمال والتجار كان مضمونها أن مصر تحتاج إلى التكاتف من الجميع، وأن استغلال الأزمات وتحقيق المكاسب على حساب الشعب والدولة يوثر بالسلب على كل شيء.. الكثير من شباب مصر ضحوا بحياتهم وهم يدافعون عن تراب الوطن من أجل أن تظل مصر صامدة وشامخة واستشهد مئات الشباب على أرض سيناء.. الثمن الذي دفعته الدولة المصرية على مدار 10 سنوات ماديا وبشريا يتطلب من الجميع اليقظة والحفاظ على الوطن، لأن المخاطر ما زالت تحاصرنا.. الأزمة الاقتصادية التي شهدتها مصر لم تكن صناعة مصرية، لكنها كانت توابع لأزمات عالمية تحمل الجميع تبعاتها.. لو لم تكن مصر اتخذت إجراءات الإصلاح والبناء والتنمية خلال السنوات الماضية، لكانت آثار الأزمة مدمرة على الاقتصاد.. نعم الشعب تحمل الصعاب، ولكن الدول تقوم وتصمد بالعمل والصبر والإنتاج، ولذلك علينا أن نتعلم من الدرس ونحاول أن نعتمد على أنفسنا بصورة أكبر، وأن نتعامل مع بعضنا بعضا بأمانة وشرف لأن الاستغلال يستفيد منه القليل ويدفع ثمنه الملايين.
غزة حاضرة منذ الأزل
غزة، حسب مصادر عديدة، استند إليها الدكتور يحيى عبد الله في “الشروق” إحدى المدن القديمة للغاية في المنطقة، كانت مأهولة قبل نحو 3500 سنة، وربما، حتى، قبل ذلك. اكتسبت أهميتها الاستراتيجية بسبب موقعها على البحر المتوسط بين قارتي آسيا وافريقيا، ومن ثم دارت معارك وحروب لا حصر لها من أجل السيطرة عليها. ترد أقدم إشارة تاريخية لها، ضمن رسائل «تل العمارنة»، في سياق احتلال الفرعون المصري، تحتمس الثالث، لها في القرن الخامس عشر قبل الميلاد (1468ق.م) يعرب فيها ملكها عن ولائه للفرعون المصري، وضمن رسالة أخرى تتحدث عن استدعائه إلى مصر، وتعهده بحماية أبواب غزة ويافا. يتضح، طبقا لهذه الوثائق وغيرها، أن غزة كانت قاعدة للنشاط العسكري والإداري للحكم المصري في أرض فلسطين (كنعان)، الذي استمر قرونا (معجم المصطلحات اليهودية). في العصر الحديث، أصبح قطاع غزة وحدة إدارية مستقلة، في شهر يوليو/تموز 1948، حيث أقيم فيه «مجلس إداري لفلسطين»، وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، شكلت اللجنة العربية العليا «حكومة عموم فلسطين»، بدلا من هذا المجلس، ومنحتها سلطة على الضفة الغربية أيضا، لكن لم يُكتب لها النجاح بسبب اعتراض الحكومة الأردنية التي اعتبرت نفسها الممثل الحصري للشعب الفلسطيني؛ ثم خضع القطاع للإدارة المصرية بعد اتفاقيات الهدنة عام 1949، لكنه لم يُضم إلى مصر (معجم المصطلحات اليهودية). في عام 1994، وبعد توقيع اتفاقيات أوسلو (سبتمبر/أيلول 1993)، انتقلت السيادة في قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية، وفي مارس/آذار 1996، عقدت فيه أول جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني. في عام 2006، أقيمت أول انتخابات برلمانية ديمقراطية في مناطق السلطة الفلسطينية، فازت فيها حركة حماس بأغلبية، وشكلت حكومة برئاسة إسماعيل هنية، فرضت إسرائيل، على إثرها، حصارا على القطاع، وشنت سلسلة من الحروب عليه، منها ثلاث خلال فترة حكم بنيامين نتنياهو.
غزة أولا
يرد اسم غزة في التوراة اثنتين وعشرين مرة، وفق ما أخبرنا الدكتور يحيى عبد الله ما يعني أنها مدينة ذات أهمية. واللافت للنظر، بل المثير للدهشة والتساؤل، أن أول ورود للاسم يرد في أول سفر من أسفار التوراة: سفر «التكوين»، أو «في البدء»، حسب المسمَّى العبري «بريشيت». مبعث الدهشة والتساؤل هو، أن السفر معني، في المقام الأول، بأمرين: نشأة الكون، كل الكون، وليس منطقة حصرية بعينها، والخليقة، كل الخلق، وليس مجموعة عرقية بعينها، فما الذي دعاه، إذن إلى اختصاص غزة وأرض كنعان بالذكر، دون سائر أماكن المعمورة؟: «وكانت تخوم الكنعاني من صيدون، حينما تجيء نحو جَرَار إلى غزة، وحينما تجيء نحو سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم إلى لاشع». (سفر التكوين، 10، 19). يبدو الأمر وكأنه إخطار مبكر لكل من يهمه الأمر، في كل أرجاء المعمورة، بأن غزة هي الحدود الجنوبية لأرض كنعان (هي أرض فلسطين، في واقع الأمر، أما تسميتها بكنعان فتسمية توراتية ذات أهداف محددة). هنا يثور السؤال: لماذا أرض كنعان، حصريا، من بين كل بقاع العالم؟ الإجابة، ببساطة: لأنها الأرض التي وعد «رب إسرائيل» بها بني إسرائيل: «وأعطى لك (الخطاب إلى إبراهيم) ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان مُلكا أبديا» (سفر التكوين، 17: 8)؛ وفي موضع آخر من التوراة: «ثم كلَّم الله موسى وقال له: «أنا الرب. وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء وأيضا أقمت معهم عهدي: أن أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي تغربوا فيها» (سفر الخروج، 6، 2 ــ 4). يستشف مما سبق، أنه كانت هناك تهيئة وإعداد للمتلقي مفادهما أن ما يُسمَّى بـ «أرض كنعان» ـ فلسطين ـ بما في ذلك غزة، هي الأرض «الموعودة». بعد مرحلة التهيئة، والإشهار، والإخطار، إذا جاز أن نستعمل لغة رجال القانون، تأتى مرحلة التطبيق العملي، وإخراج الخطط «الإلهية» إلى حيز التنفيذ والفعل، وضم الأرض «الموعودة»، بقوة السلاح، إلى القبائل العبرانية، التي غزت هذه البلاد. تصدر كل التوجيهات والأوامر، في مرحلة التطبيق العملي للخطط الحربية المتعلقة بالغزو، من رب بني إسرائيل، حصريا، «رب الجنود»، كما يُسمى نفسه في الأسفار. هو الذي يدير عملية الغزو، ويشرف عليها بنفسه.
دليلك إلى حب محمد صلاح
الخلاف بين لاعب نجم ومديره الفني في النادي أو المنتخب أمر يحدث كثيرا، لكن إشراك الجماهير في الخلاف وإظهار اللاعب على أنه لا يريد اللعب، مسألة مزعجة، بل خطيرة. مشكلة محمد صلاح، كما يراها عبد الله عبد السلام في “المصري اليوم”، مع الإدارة الفنية للمنتخب آن إسدال الستار عليها. إذا كان المنتخب بحاجة لخدماته، فإن مجتمعنا بحاجة أكثر إلى صلاح النموذج، الذي يندر تكراره في ظروفنا الحالية. عبر السنين، سافر مصريون نجباء إلى الغرب للدراسة أو العمل. بعضهم عاد بأفكار وأحلام عريضة، لكن البيروقراطية وأدت طموحه، فاضطر للتكيف مع الواقع، وأحيانا المزايدة عليه. البعض الآخر بقي هناك، إلا أنه، وباستثناءات قليلة للغاية، لم يترك بصمة على المستوى الوطني في دول المهجر. تجربة المصريين في الغرب تحتاج إلى دراسات متعمقة لمعرفة أين الخلل، ولماذا ينتهي الحال بأفضل عقولنا، وقد انكفأت على نفسها مكتفية بالخلاص الفردي، بعد أن يُحال بينها وبين أن تكون طليعة التغيير والتقدم في بلدنا. من بين أفراد يُعدون على أصابع اليد، نجح صلاح في اختراق هذا الحاجز النفسي والحضاري، واستطاع، بفضل إبداعه في الملعب وسلوكه المتواضع وأنشطته الخيرية، تعزيز صورة مصر كدولة لديها مواطنون موهوبون، وقبل كل شيء، لديهم نزعة إنسانية وأخلاقية.
حفر في الصخر
وحسب عبد الله عبد السلام، حتى سنوات قليلة، كان من الصعب التفكير في أن عشاق كرة القدم عبر العالم يمكنهم التعلق بحب لاعب من الشرق الأوسط. قبل صلاح، برز لاعبون مسلمون مثل زين الدين زيدان وكونتي وبول بوغبا وغيرهم، لكن أحدا منهم لم يصبح، كما يقول ناقد رياضي بريطاني، نموذجا يُحتذى مثل لاعبنا. إنه لا يحشر دينه في وجه أي شخص. استطاع أن يغير، ولو قليلا، نظرة الغربيين للشباب المسلم، وأثبت أن المسلمين يمكن أن يكونوا أكثر من مجرد إرهابيين أو لاجئين. ليفربول على مدى تاريخه لديه أساطير مثل ستيفن جيرارد ولويس سواريز وفيليب كوتينيو وسترلينغ، لكن صلاح أعطى جمهور النادي شيئا آخر كانوا في أشد الحاجة إليه.. الأمل في الوصول إلى الأفضل. ما زالت الجماهير تتذكر دموعه الغزيرة عندما أُصيب في نهائي دوري الأبطال أمام ريال مدريد 2018. كان حزينا لترك الملعب راغبا في فوز فريقه. الأكثر إثارة بالنسبة لصلاح ليس فقط أهدافه وتمريراته ومراوغاته، التي تركت العديد من المدافعين في الغبار، بل شخصيته. ناقد رياضي آخر يرى أنه من سلالة نادرة. يحتفل بتواضع عندما يحرز هدفا. لا يسخر من منافسيه. لا يُزايد بعلاقته مع الأندية الأخرى لمساومة ناديه، كما يفعل آخرون. أليس غريبا أنه لم يتعرض لإساءات عنصرية تحط من شأنه أو شأن بلده أو دينه؟ إنه قدوة داخل وخارج الملعب. لا يظهر في الصحف أبدا نتيجة لأشياء سفيهة فعلها أو للاستعراض. قدم حزمة ناجحة غير عادية من الرياضة والسلوك الحسن والتقاليد الإسلامية والمصرية، لدرجة جعلت مواطنين غربيين يفكرون بشكل أفضل عن الإسلام. ليس معنى ذلك أنه محبوب من الجميع. هناك مَن لا يقدر موهبته. صحافي إنكليزي وصفه بأنه: «لاعب يركض للأمام وينظر للمركز الثاني. لست مقتنعا بمعدل ذكائه الكروي». قدمه اليسرى أسكتت منتقديه، صلاح ليس كامل الأوصاف، لكنه حقق الكثير على المستويين الكروي والإنساني، لاعبون كثيرون يتمنون الاقتراب من سجله. إنسان حفر في الصخر ليصل إلى المرتفعات التي يقف عليها حاليا، ولم تُفسده الشهرة. محترف يعرف متى يتكلم ومتى يصمت. قبل 20 عاما، قال توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا: «عندما يتعلم حزب العمال أن يحب بيتر ماندلسون، سننجح في مشروعنا لتغيير وجه بريطانيا». ماندلسون الاستراتيجي البارز للحزب أسهم بقوة وعبقرية في وصول العمال إلى السلطة 1997. لكن أعضاء في الحزب كانوا لا يحبونه لتعاليه وفرديته. صلاح أتقن فن الفوز وظل متواضعا. نحن بحاجة للوقوع في حب الذين يعرفون كيف يبدعون ويفوزون ويقدمون صورة حضارية، وهم قلة قليلة. صلاح حاجة وطنية قبل أن تكون كروية.
قبل الكارثة
كيف تعرف الأسرة أن ابنها مدمن؟ وماذا تفعل بعد ذلك؟ سؤال غاية في الأهمية حسب الدكتور محمد المهدي في “الوطن”: هناك علامات تظهر على الشخص المتعاطي، مثل تدهور الحالة الصحية العامة، شحوب الوجه، احمرار العين، هالات سوداء تحت العين، اضطراب مواعيد النوم واليقظة، بحيث يصحو ليلا وينام نهارا، زيادة مساحة الغموض والسرية في حياته، التهرب من الوجود مع أفراد الأسرة، التكاسل عن الأنشطة الدراسية أو التغيب عن العمل، التدهور الواضح في المستوى الدراسي، أو في أداء العمل، الإلحاح في طلب المال، إهمال النظافة الشخصية، التخلي عن الهوايات التي كان يمارسها، تغير نوعية الأصدقاء، إغلاق غرفته على نفسه معظم الوقت، وجود مواد أو أدوات أو حبوب أو كبسولات غريبة في حجرته، أو في ملابسه، حساسيته الشديدة، انفعالاته الزائدة وعصبيته المفرطة لأتفه الأسباب. فإذا ظهر بعض هذه العلامات أو كلها، يبدأ أحد أفراد الأسرة المقربين بالجلوس مع الشخص ومصارحته بهذه التغيرات، والمتوقع أن متعاطي المخدرات سينكر وسيهون الأمر ويعطي تفسيرات أو تبريرات لما يحدث، لكنها مع ذلك ستكون رسالة له أن ما يفعله له تأثير واضح لمن حوله، فربما يؤدي هذا لمراجعة الموقف لديه إذا كان في بداية الطريق، أما إذا كان قد تورط وذهب بعيدا في طريق التعاطي، فهو سيمارس الإنكار إلى أبعد مدى، وربما يصبح عدوانيا ومتبجحا، وهنا تنتقل الأسرة من المصارحة إلى المواجهة المحسوبة، وقد تعرض على الابن الذهاب لأحد الأطباء المتخصصين، وقد يحتاج الأمر لعمل تحاليل في أوقات مختلفة لمتابعة وجود التعاطي من عدمه، مع مراعاة أن تؤخذ عينة البول للتحليل تحت إشراف مباشر من أحد الأقارب حتى لا يتلاعب الشخص المدمن بالعينة.
رحلة التعافي
وفي حالة اكتشاف أن ابنك مدمن ينصحك الدكتور محمد المهدي بما يلي: تبدأ رحلة العلاج، وقد تكون على مستوى زيارات في العيادة الخارجية وعلاج دوائي مع علاج نفسي في صورة جلسات منتظمة في حالة إذا كان الشخص متعاونا، أما إذا رفض العلاج واستمر في التعاطي، أو كان قد أصيب باضطرابات نفسية نتيجة التعاطي، فإن الأمر يحتاج لدخول مصحة أو دار للتعافي، ويبقى فيها إلى أن تستقر حالته. ومن الأخطاء الشائعة أن الأسرة تكتفي بفترة علاج قصيرة في مصحة الإدمان، أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وهذه المدة غير كافية على الإطلاق لعلاج الإدمان، بل هي كافية فقط لعلاج الأعراض الانسحابية، ويحتاج المدمن إلى فترة علاج طويلة نسبيا، في ما يُسمَّى بدار التعافي، أو مصحة منتصف الطريق، حيث يمر بمراحل علاج تأهيلي، يتعلم من خلالها كيف يعيش بشكل سوي بعيدا عن المخدرات، ويتعلم مهارات مقاومة إغراء المخدرات ومهارات التعامل مع ضغوط الحياة، من دون مخدرات. وبما أن الإدمان مرض مزمن ومعاود، فإن احتمالات الانتكاسة تكون متوقعة في أي وقت، ولذلك يحتاج المدمن للمتابعة المنتظمة مع المعالج، ومن المفيد أن يحضر اجتماعات المدمنين المجهولين في أي مؤسسة علاجية، وأن يكون له مشرف يتابع رحلة تعافيه من خلال برنامج الخطوات الاثنتي عشرة، أو أي برنامج موازٍ، وأن تكون هناك تحاليل مفاجئة في أي وقت للتأكد من عدم العودة للتعاطي. ويتم بالتوازي مع ذلك عمل جلسات عائلية لتحسين العلاقة بين المدمن المتعافي وأسرته، وعمل أنشطة تأهيلية لتسهيل عودته إلى المجتمع، وإلى دراسته، أو عمله، مع الاهتمام بالجوانب الدينية والروحية التي تسهم بشكل كبير في استمرار ونجاح رحلة التعافي.
لا تكترث
من الصفات التي تُحمد للإنسان في كل زمان ومكان قدرته على الزهد والاستغناء والعيش بإشباع الحد الأدنى من الاحتياجات المادية والمعنوية لكي يتجنب أن يصبح أسيرا لإنسان أو رغبة أو احتياج، ولكيلا يعاني بغيابهم مشاعر الحرمان والفقد والضعف. وهذا الخيار الإنساني وفقا للدكتور أحمد عبد العال عمر في “مصراوي” مفهوم ومقبول، إذا كان ناتجا عن وعي تام بالذات واحتياجاتها، ونابعا من قوة حقيقية لا عن لحظة هشاشة وجودية يتم فيها خداع الذات والتدليس عليها بقناعات مُضللة عن الزهد والاستغناء هروبا من المواجهة معها، وتصويب المسار والأخطاء في العلاقات وخيارات الحياة. لكنه يصبح خيارا خاطئ غير مفهوم ولا مقبول عندما يأتي في أقصى لحظات ضعف وفشل الإنسان وفقدانه للاتزان النفسي والعاطفي واحتياجه للاستقرار والاطمئنان وتأسيس بداية جديدة، وعوضا عن السعي لتحقيق ذلك بالفعل يتولد لديه شعور زائف بالقوة والاستغناء والاكتفاء الذاتي. وهذا الإنسان على العكس تماما من الزاهد الحقيقي والمستغني الواعي القوي والمسافر البصير في رحلة الحياة، إنسان لا يعرف ذاته، ولا طريقه، ولا هدفه، ولا محطة وصوله، وهو يُقيم في سجن اختياري يضع فيه بينه وبين احتياجاته ألف سور، وينشغل بتحقيق انتصارات مهنية أو مالية متوهمة تُعيد الثقة إلى نفسه، وتُعيد كما يظن ثقة الآخرين به. ثم تمر الحياة عليه وهو يمارس الهروب الدائم إلى الأمام، منتشيا بزهده الزائف وقدرته على الاستغناء، وبخمرة نجاحاته الشكلية، لكنه يظل متصدعا في الداخل، ومفتقدا لشيء ما أو شخص ما في الخارج. وحتما مع التقدم في العمر سوف يعود إليه من جديد شعور الاحتياج والضعف وعدم الاتزان القديم، وسوف يشعر بعدم الرضا عن ماضيه ورحلته واختياراته، مع العجز عن إصلاح الماضي، بسبب عوامل الزمن وضعف الجسد والهمة. ولهذا يحتاج الإنسان لبصيرة نافذة وشجاعة كبيرة تمكنه من استبطان ذاته واحتياجاته، ونقد ماضيه وخياراته، والاعتراف في الوقت المناسب بضعفه وأخطائه وحاجته للآخرين، والسعي لعيش حياة متوازنة على أصعدة متعددة، بدلا من خداع ذاته وهروبه المستمر للأمام باستدعاء مشاعر قوة واستغناء زائفين.