كل واحد منهم تؤهله اعماله لمحكمة جرائم حرب: الثمن الذي سدّده حكام العراق الجدد للوصول الي السلطة
ربيع الحافظكل واحد منهم تؤهله اعماله لمحكمة جرائم حرب: الثمن الذي سدّده حكام العراق الجدد للوصول الي السلطة الكلام الذي بات تحصيل حاصل ويتفق عليه كل عراقي، رجلاً كان أم سيدة، شاباً أم هرماً، مثقفاً أم عادياً، هو أن العراق اليوم غدا وطناً من غير دولة، مدمر اقتصاده وبناه التحتية، مهدمة مدنه، ممزق نسيجه الاجتماعي، مختفية فيه الخدمات الاجتماعية، غائب عنه الأمان، ممتلئة سجونه، منهوبة ثرواته الطبيعية، تعصف به الطائفية والتطهير العرقي، تتمكن الشعويبة من عروبته وتراثه العربي الإسلامي، تجوبه إطلاعات (المخابرات الإيرانية) والموساد وتغتال مبدعيه ومفكريه، تتفشي فيه الجريمة والمخدرات والخطف، والجوع والمرض، وينال اليأس من أجياله الصاعدة، والعرض يطول.زعماء الكتل السياسية والأحزاب الفائزة في الانتخابات الأخيرة الذين عقدوا مؤتمراً صحفياً في بغداد، كانوا يوزعون الابتسامات أمام عدسات التلفزيون، ويتبادلون النكات، وهيمنت علي المشهد العراقي ووسائل الإعلام الأجواء الأخوية والاسترخاء الذي ستتشكل في كنفه حكومة الوحدة الوطنية التي ستنتقل بالبلاد إلي حقبة مشرقة جديدة.هؤلاء هم الذين وعدوا العراقيين بالأمس بعراق سويسري ، وأغووا المارق الأمريكي باحتلال الوطن لتحقيق هذه الغاية النبيلة، ونسجوا له الأكاذيب التي سوغت لصنع قرار الحرب العسير، غير آبهين بكل صوت مذكر ومحذر من عواقب وخيمة مشابهة لتدخلات سابقة للجيش الأمريكي في شؤون الشعوب، ومن الخراب والفظاظة الاجتماعية التي أشاعها في مجتمعات العالم، منذ أن تخلت أمريكا عن سياسية العزلة وخرجت إلي العالم، وعلي وجه التحديد منذ خروجها منتصرة بعد الحرب العالمية الثانية. كم حذّر العقلاء من أن العين الأمريكية وهي تنظر إلي سطح الأرض، لا تبصر بشراً أو حياة، وإنما تبصر نفطاً وغازاً ومطاطاً وقمحاً، وأن الجيش الأمريكي ـ علي وجه التحديد ـ لا يمكن أن يجلب حلاً لشعب من الشعوب، بل يجلب الخراب، لكن التحذيرات صادفت آذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فكانت جريمة مع سبق الإصرار، وكان هذا الحال المتردي الذي يتنازعون علي حكمه اليوم.إن كل ما شاهده وسيشاهده العراقيون من مآسي الاحتلال الأمريكي لا يمكن أن يحمل عنصر مفاجأة لمتابع سياسي بسيط، فضلاً عن محترف سياسة، أو أنه سوء طالع، بل هي النتيجة الحتمية والطبيعية لكل من عرف العقيدة العسكرية للجيش الأمريكي، وعرف الانحراف السلوكي في صفوفه وفي مدرسة السياسة الأمريكية.إن هذه المآسي تنسجم تماماً مع ما تضيق به ذرعاً مجتمعات شعوب الفلبين واليابان وكوريا وتايلاند. ومــــــع ذلك فـــــقد كانت هذه المآسي ثمناً مسوغاً يسدده حكام العراق الجدد للوصول إلي السلــــــطة، وليــــتهم أقاموا نـــــظاماً أفضل من الذي أسقطوه، بل فاقه سوءاً باعتراف العراقيين.ما أعظم وجه الشبه بين هذا الثمن وهذا المنطق، وبين ثمن أرواح نصف مليون طفل عراقي قضوا إبان الحصار الأمريكي علي العراق، قالت عنه مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية حينها: إنه ثمن مبرر لهدف احتواء العراق .نساء شعوب شرق آسيا يصررن علي إخراج الجيش الأمريكي من القواعد العسكرية المحلية التي يستأجرها (لا يحتلها) بأموال طائلة تعود بالنفع علي الاقتصاد الوطني، أو علي الأقل إبعادهم عن التجمعات السكنية اتقاءً لأذاهم، ورجالنا يرون في خطي الجندي الأمريكي علي أرضنا وبين حرائرنا بداية لطريق الألف خطوة نحو الديمقراطية والتمدن. الذين وضعوا صدام في قفص الاتهام أمام محكمة العصر بتهمة قتل 140 مواطنا في الدجيل إثر محاولة لاغتياله، كل واحد فيهم تؤهله صحائفه لفترة سنين الاحتلال فقط التي أزهقت فيها أرواح 100 ألف عراقي، للمثول أمام محكمة عصر مماثلة، ناهيك عن جرائم قتل قام بعضهم بها بنفسه بمسدسه الخاص، أو تلك التي اقترفوها ضد الأسري العراقيين في إيران، يوم كانت أرض فارس منطلقاً لحربهم ضد العراق.وإذا كانت جريمة كجريمة حلبجة قد نفذت بأوامر صارمة ومباشرة من نظام صدام ـ وهو أمر لا يتورع عنه ولا يجرؤ أي أحد علي عصيانها ـ، وليس من قبل إيران كما كانت تصر واشنطن في حينها وبأدلة علمية، فإن مدن الفلوجة والقائم وتلعفر قد هدمت علي رؤوس ساكنيها أمام عدسات التلفزيون وعلي الهواء مباشرة، وعلي أيدي أفواج المتطوعين من مليشيات بدر والبيشمركة، التي اصطفت جنباً إلي جنب الأمريكي والهندوراسي والأوكراني والبولندي، في أوضح إثبات عملي علي إنهاء الدولة الوطنية، وارتفعت صور السيستاني إلي جانب الصليب في مشهد ذو دلالة مهمة، وتم ذلك بمباركة ميدانية من بعض هؤلاء السياسيين، أعادت إلي الأذهان إشراف شارون الميداني علي مسرح مذبحة الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا. هؤلاء الذين كانوا يوزعون الابتسامات بالأمس ويتمازحون أمام العدسات، كم قارنوا مشروعم بالأنموذج الأمريكي في اليابان؟ لكنهم حرموا العراقيين من تجربة اليابانيين في الإبقاء علي الذاكرة الجمــاعية لما حصل لهم علي أيدي الأمريكان، فأقفلوا ملفات ضحايا اليورانيوم المنضب، وملجأ العامرية، ورضوا بأن يكون الجندي الأمريكي فوق القانون، بل تفرجوا علي الهواء مباشرة علي مشاهد ضرب المدن العراقية الثائرة بوجه الاحتلال بالأسلحة الكيماوية، وتحويل مستشفياتها وميادينها وملاعبها إلي مقابر جماعية.إن ما أوقعه الاحتلال بالمدن العراقية وبالعراقيـــــين، وما فعلته المليشيات الصفوية في سجون الجادرية وغيرهـــــا، لا يرضاه عــــربي يتخلق بأخلاق العرب، سنياً كان أم شيعياً، ولكن يرضاه، بل يختاره، كل منسلخ عن إسلامه وعروبته، وتخــــــتاره الشعوبية، وتختاره إيران التي تدير المشهد العراقي، واختارت لثاراتها مع جاراتها هذا النوع من العقاب الأجنبي، وصدقت طهران: لولانا ما سقطت بغداد، ولولانا لما سقطت كابل .ہ كاتب من العراق يقيم في لندن8