كمال الصليبي اجرأ مؤرخ عربي!

حجم الخط
0

صقر ابو فخر بعد ‘الهرطوقي الحكيم’:بيروت- من سلوى البنا: أن تحاور شخصية قلبت المفاهيم رأساً على عقب ونسفت السائد والموروث وتخطته بالوقائع والشواهد لتضعك وجهاً لوجه أمام ماضيك وحاضرك وربما مستقبلك أيضاً، وأن تجبرك على إعادة قراءته من جديد.. فهذا يعني أن لا تكون ملِّماً فقط بهذه الشخصية أو قارئاً لها، إنما على قدر كبير من الثقافة والتمكّن والذاكرة الحاضرة والمتوهجة. وربما الأهم أن تمتلك مفاتيح الحوار وتتحكم بشحنات الجديد فيه، ومواقع الصدمة أوالدهشة. لتبقي القارئ مشدوداً ومتفاعلاً ولتدفعه لطرح سؤال يجسّد مفتاح الحقيقة التي لا نتعب من الركض خلفها في محاولة للقبض عليها وامتلاكها. ولكن هل نمتلكها فعلاً أو حتى نصل إليها؟ هذا هو السؤال الذي يضعنا أمامه كتاب ‘الهرطوقي الحكيم’ للكاتب صقر أبو فخر الصادر عن ‘المؤسسة العربية للدراسات والنشر’ ضمنه كاتبه أكثر من حوار وأعمق من تحليل وأبعد من الجدل أو المساجلة، في ثنائية متكافئة ومتمكنة أعادت فتح ملفات الوجود والتاريخ والدين والوطن أو الأوطان، وصراع الحضارات والثقافات والأديان وجوهر الإنسان والوجود وأسرار الحروب وعوامل الهزائم والانتصارات في مائة وتسعين صفحة مكثفة ومدعمّة بالهوامش والمراجع.الهرطوقي الحكيم.. لماذاوقائع وأسماء وشهود وقيم تشربتها وتوارثتها وباتت جزءاً لا يتجزّأ من تركيبتك الثقافية والوجدانية تجد نفسك أمامها في مواجهة عاصفة ناسفة لكنها في كل الحالات تنطلق من قاعدة حقيقية هي دائماً رهن البحث والمراجعة والتدقيق ومن خلال النصوص والشواهد. ‘الهرطوقي الحكيم’ كتاب لا يستحضر التاريخ من خلال مؤرخ كبير فقط هو كمال الصليبي، لكنه يضيء على وجهنا الإنساني والفكري والعاطفي في أكثر من مقاربة ومقارنة لنا مع الغرب كانت في معظمها إن لم نقل جميعها لصالحنا. لماذا ‘الهرطوقي الحكيم’، وهل كان المؤرخ كمال الصليبي ملحداً ‘هو الذي اعترف بإيمانه بالله في أكثر من موقع في الكتاب؟يجيب صقر موضحاً بأن ‘الهرطوقي’ لا يعني الإلحاد، بل من خرج على إيمان محدد أو ابتدع إيماناً جديداً. تماماً كما كان الكاثوليك يسمون البروتستنت في أوروبا هراطقة. وبهذا المعنى، فإن كمال الصليبي هرطوقي في نظر الكنيسة، لأنه صاغ نظرية عن يسوع المسيح تخالف الكنائس المسيحية كلها. بهذا المعنى هو هرطوقي. لكنه حكيم ونصوصه عن الإيمان مثلاً، تفصح عن حكمة كبيرة. وهو بنفسه عنون مذكراته ‘طائر على سنديانة’ انطلاقاً من حكمة انجليزية ‘كلمّا ارتفع أكثر عرف أكثر. وكلّما عرف أكثر تكلّم أقلّ’.صقر أكد معرفته الجيدة والمعمقة بكمال الصليبي، وهو بالتالي لا يحتاج لمذكراته ليكتب عنه ‘لكنها أمدّتني بفهم تاريخ العائلة وجذورها السورية وصداقاته أثناء الدراسة مع أبناء فلسطين وسوريا بالدرجة الأولى. ثم المؤثرات الأولية التي ساهمت في تكوين وعيه’ .تركيبة متناقضةومع هذا يستوقفنا الصليبي في مواقفه من العروبة والوحدة ولبنان الكبير. ففي الوقت الذي يؤكد أنه لا وجود لمصطلح لبنان قبل سنة 1920، وأن الستة آلاف سنة هي مجرد تزوير وأنه حتى 1936 لم يكن هناك حدود بين سوريا ولبنان، ولا جمارك وأن العملة واحدة والشعب عربي واحد، لا سوري ولا لبناني ولا فلسطيني.. وفي مواقع أخرى ينقلب تفكيره الى لبنان أولاً وضد الوحدة مع جيرانه العرب. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ ينفي صقر وجود التناقض، لكنه يرى أن هناك تغيّرات خضع لها كمال الصليبي. فهو في بداية حياته كان مثل معظم أهل جبل لبنان متمسكاً بصيغة لبنان الكبير. ‘كما اخترعه الفرنسيون’. وكمؤرخ ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية في التاريخ كتب تاريخ لبنان انطلاقاً من هذه الأفكار. وفي السياق السياسي وقف ضد الوحدة ما بين سوريا ومصر عام 1958.. فيما بعد، وبالتحديد منذ منتصف الستينات، بدأت أفكار كمال الصليبي تتغير حين غاص في تاريخ المشرق العربي حيث اكتشف كمؤّرخ أكاديمي وثائق جديدة غيّرت موقفه من لبنان. كتب حينها ‘تاريخ لبنان الحديث’ فثار ‘القوميون اللبنانيون’ عليه وكتابه. يتابع صقر في نهاية منتصف الستينات وما قبلها كان كمال الصليبي قد انقلب على مواقفه القديمة فهاجمه جميع المؤرخين الذي ينتمون للمدرسة القومية اللبنانية أمثال جواد بولس وفؤاد إفرام البستاني.. لكنه يؤكد ليس بالضرورة أن تكون الوحدات الكبرى أفضل من الصغرى’ فالأساس عنده هو الإنسان.. المهم النظام الذي يؤمّن حرية الفرد والجماعة’.وحول كراهية الصليبي للغرب التي اعترف بها في اكثر من موقع يلفته صقر إلى كره المؤرخ المميز العيش في الغرب بعدما وجد في رأس بيروت المكان المثالي والمميز للحياة في عموم المشرق العربي. وحسب صقر أن الصليبي ‘كان يكره جداً سياسات الغرب. وقف مع عبد الناصر في العدوان الثلاثي على مصر. كذلك كره مواقف النخب الغربية التي لم تستطع أن تفهم مطامح الشعوب العربية التي طالما عاملتهم كما عاملت المملكة البريطانية الهنود، فكانوا خدماً لديها. هذا لا يعني أنه يكره الغرب بشكل غريزي أو عنصري، بل بوعي لسياسات الغرب وقادته وطريقة حياتهم.ألمع المؤرخين العربكيف يقرأ صقر أبو فخر كمال الصليبي وأين يراه بين المؤرخين العرب؟ من خلال حواراته الطويلة والمكثفة اعتبر صقر أن الصليبي أحد ألمع المؤرخين العرب. بل ويتفوق عليهم بأنه صاحب كتاب ‘التوراة جاءت من جزيرة العرب، وحيث لم يستطع أي مؤرخ عربي أو غربي نقضها حتى الآن’. يتابع ‘كثيرون من المؤرخين العرب لديهم أفكار جريئة ومهمة، راجعوا التاريخ العربي، خصوصاً التاريخ الإسلامي، وقدّموا في ذلك أفكاراً جريئة ومهمة. لكن لم يضع أي منهم نظرية متكاملة، ولم يتحرّش أي واحد منهم بالتاريخ الديني. لم يناقشوا مثلاً تاريخية السيرة النبوية، أو تاريخية الوحي والنبوة، بينما كمال الصليبي تصدّى لتاريخ اليهودية في بلادنا العربية، ولتاريخ المسيح وسيرته الاسطورية. ما يعني أنه من المؤرخين الذين امتلكوا جرأة لم تتوفر لغيرهم. ولذا هو في رأيي ألمع المؤرخين العرب لأنه قدّم أكثر من نظرية في هذا السياق’. فن الحواروما بين الأدب والسياسة والتاريخ خيوط مترابطة ومتجانسة جعل منها صقر فناً قائماً بذاته. له متعته الخاصة ومذاقه الخاص يجعلانك تحار في توصيفه وتصنيفه لشمولية واكتمال الصورة فيه. لكنه مع ذلك يرفض التصنيف مكتفياً ب’فن الحوار’ فقط، في إشارة إلى أنه ومنذ سنوات عديدة بدأ الحوار مع أشخاص اكتملت تجربتهم الفكرية أو الإبداعية ممن تجاوزوا السبعين من العمر. ما يتيح اكتشاف عصارة تجاربهم. ومن بين هؤلاء قسطنطين زريق، نقولا زيادة، أنيس صايغ وهشام شرابي. وهي حوارات مطولة ومعمقة نشرت في ملاحق خاصة في جريدة ‘القبس’ الكويتية بعنوان ‘حوارات القرن العشرين’. كما أصدر كتباً حوارية مع صادق جلال العظم، أدونيس، كريم مروة، نبيل الشويري وصولاً لـكمال الصليبي..ويشير صقر إلى أنه ‘بعد حوار كريم مروة فكّرت بحوار مع محسن إبراهيم لكونه خزّان الأسرار في تاريخ لبنان المعاصر. وتحديداً الحرب الأهلية. لكن محسن كان يعتذر باستمرار لأسبابه الخاصة. كذلك حاولت مع محمود درويش فكان يعدني بأنه سيرتّب الأمور حين يكون في عمان وينسى الأمر بعد أن يغادر بيروت. حتى أنني هددته مرّة ‘مازحاً’ بأنني سأذهب إليه وأقيم في منزله ‘على قلبه’ كي أُرغمه على إجراء هذا الحوار. أو باعتقاله حين يعود إلى بيروت لإرغامه على إنجاز الحوار. وبالفعل جاءني درويش مرة ومازحني القول ‘يالله ياخوي اعتقلني… مفكّر حالك بعد عندك أبو حميد وأبو… وتوفي محمود درويش ولم يتم الحوار للأسف’..أشخاص كثر رغب صقر أبو فخر في إجراء حوار معهم مثل عبد الحميد السرّاج الذي يعيش آخر أيامه وتمنع عنه الأحاديث حتى لا يسيء إلى عبد الناصر. وأيضاً هاني الهندي أحد مؤسسي حركة القوميين العرب الذي يحتفظ بأسرار كبرى مثل الكشف عن كتائب الفداء العربي التي كان أحد مؤسسيها قبل حركة القوميين العرب والتي مارست الإرهاب السياسي في سوريا ولبنان، وكذلك أسرار عن بدايات تشكيل حركة القوميين العرب. وروايته في هذا الشأن ربما تخالف الرواية السائدة عن تأليف الحركة وأسرار كثيرة عن وديع حداد وعمله في المجال الخارجي.في المحصلة إشارة إلى أن ‘الهرطوقي الحكيم’ ليس مجرد حوار مع مؤرخ كبير بقدر ما هو استحضار متكامل لهويتنا وجذورنا ومواجهة صريحة مع ماضينا وحاضرنا، ودعوة جريئة لإعادة قراءتها من جديد. مواجهة تستفز العقل صحيح لكنها تغنيه وتصقله. وهي في كل محطاتها مدّعمة بالمراجع والوثائق التي طبعتها بالكثير من الشفافية والمصداقية والتكامل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية