كمال سبتي: شاعر بدرجة عاشق كبير

حجم الخط
0

كمال سبتي: شاعر بدرجة عاشق كبير

ليس رثاءفيصل عبد الحسنكمال سبتي: شاعر بدرجة عاشق كبيرخبر نعي الشاعر كمال سبتي بقي ملتصقا علي شاشة الكومبيوتر ولم أستطع الاستمرار في البحث كما اعتدت ذلك في هذه الساعة من الليل وشعرت بأصابعي ترتجف وأنا أتملي الخبر الحزين، فهذا الشاعر السبعيني الذي لا أستطيع أن أتخيله من دون بذلته العسكرية التي كان يواصل بها عمله كمصحح في جريدة القادسية أثناء الحرب العراقية الإيرانية 1980 ـ 1988 إلي ساعة متأخرة من الليل ثم بعد ذلك يستدين من هذا أو ذاك ثمن أجرة التاكسي الذي سيقله إلي أحد الأقسام الداخلية لجامعة بغداد أو أكاديمية الفنون ليقضي ليلته بدلا من أحد الطلاب الأصدقاء الذين سافروا ليروا أهلهم، كانت حياة رهيبة في ذلك الوقت بالنسبة لشاعر خصوصا إذا عرفنا أن ـ أهل كمال سبتي ـ يعيشون في الناصرية جنوبي العراق وعلي بعد أكثر من 600 كيلومتر عن العاصمة بغداد وعموما الجيل السبعيني من شعراء وقصاصين ونقاد عراقيين كلهم عانوا ما عانوه بهذه الدرجة أو تلك من المعاناة خلال الحرب الطويلة التي كان وقودها الجهل والتعصب القومي والمصالح العليا لتجار السلاح، وأجندة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي ومع كل ذلك كمية كبيرة من سوء حظ الشعبين العراقي والإيراني، فقد طالت الحرب وصارت الأجيال الشابة وقودا لأتونها المستعر وكان ذنب جيلنا الوحيد أنه الجيل الشاب الذي صادفت فتوته كل هذا الكم من خراب الحرب ولم يكن هناك بد من المشاركة بهذا الشكل أو ذاك في جهد البلاد الحربي فالحدود مرصودة جيدا والأهل رهائن عند الدولة.شاعر الحداثةلم ألتق يوما بالصديق كمال سبتي في تلك الأيام وقد كنت وقتها جنديا (مهندساً مجنداً) ضمن تشكيلات الهندسة العسكرية في قاطع الفيلق الرابع في منطقة الفكة الحدودية بين العراق وإيران وأثناء إجازاتي الدورية كنت ألتقيه وكلما التقيته مع الأصدقاء كالشاعر أديب كمال الدين، محمد مزيد (قاص) ضرغام هاشم (صحافي) (أعدم الأخير فيما بعد بسبب مقالة طالب فيها بالديمقراطية والمزيد من الحريات للشعب العراقي ويبدو أن أوان الدمقرطة التي خربت بيوت العراقيين فيما بعد كان مبكرا جدا بالنسبة للقيادة العراقية في ذلك الوقت)، كنت كلما جئت وجدته يخوض في حوار واحد موضوعه الحداثة الشعرية.. حتي أطلق عليه الأصدقاء من الشعراء تسمية (الحداثوي) نكاية بما يدعوهم إليه، وكانت هناك صولات وجولات من المزاح الثقافي بين شاعرين عملا مصححين في جريدة القادسية هما الشاعر العراقي المعروف أديب كمال الدين (يقيم في استراليا حاليا) الذي كان يكتب قصيدة التفعيلة مع تطوير واضح في البحور الشعرية وبحث دائم في فنية وفلسفة الحرف العربي كما جاءت في القرآن الكريم، كمثل.. نون والقلم وما يسطرون، أو الحروف الواردة في آية قرآنية، تصير كمفردة غريبة في قصيدة تفعيلة كما جاء في مقدمة إحدي السور القرآنية وأقصد بها حروف كهيعص كمجموعة حروف دالة علي عمق لغوي وصوفي خارق كثير الأسرار والمقاصد، والذي كان يلتزم دائما جانب قصيدة التفعيلة بينما كان كمال سبتي من العاشقين لقصيدة النثر متابعا بشغف كل ما ينشر في مجلة الناقد أو ما يتفوه به أنسي الحاج وصلاح ستيتية أو أدونيس حول طاقة النثر الشعرية وعن الموسيقي الشعرية في القصيدة الجديدة، متعللا أن الأوزان الشعرية جاءت في مرحلة متأخرة لتمييز الشعر عن نثر القرآن الكريم أي أن الشعر العربي سبق وضع الأوزان الشعرية كقوالب جاهزة لاحتواء الشعر منشدا بين وقت وآخر نثرا للتوحيدي أو قارئا في نص الطواسين للحلاج، أو قصائد من الماغوط. كان دائم المزاح كثير التعليقات شديد الانتقاد لما يصادفه أثناء عمله كمصحح في جريدة القادسية التي يقضي خدمته العسكرية الإجبارية فيها. كان شديد القسوة في القول وهو ينعت قصائد بعض الشعراء الذين لا يتفقون معه في المنهج الشعري أو الفكري وأتذكر في مرة من المرات أصر علي دفع قصيدة للشاعر لؤي حقي من دون أن يصحح أخطاءها الإملائية وما أدراك وقتذاك ما لؤي حقي في ذلك الوقت فقد كان شاعر الرئيس صدام حسين المفضل بل إن حقي كان يعتبر نفسه بمثابة الابن الثالث لصدام بعد (عدي وقصي) وكانت له الحظوة عند رئيس الجمهورية في أن يذهب إليه وقتما يشاء وأينما يكون الرئيس، وكان مجرد ذكر اسمه كضابط مخابرات يرعب الكثيرين.. المهم نزلت قصيدة لؤي بأخطائها وبخط لؤي حقي الذي كان يشبه خربشات مخالب قط علي الطين.وكان وقتها شاعر آخر صار مسؤول الصفحة الثقافية بحكم الرتبة العسكرية هو الشاعر يونس ناصر عبود، فانقلبت الدنيا في اليوم التالي علي الشاعرين حال صدور عدد الجريدة.. ولشدة وقع الحدث نصح الكثيرون الشاعر كمال سبتي بالهروب من الخدمة العسكرية وإلا فإن الله وحده يعلم ما سيؤول إليه حاله، وقدم الشاعر كمال سبتي إلي محاكمة عسكرية في دائرة التوجيه السياسي في مقر الجريدة ودافع عنه كل من كان يعرفه من الشعراء والكتاب في الجريدة وكانت النتيجة أنه سجن لمدة شهر واحد في مطبعة الجريدة في غرفة صغيرة كانت تستخدم كمخزن للأحبار كان سعيدا بهذا السجن فقد قرأ خلال فترة السجن رواية الزمن المفقود لمارسيل بروست.انصرفوا لتغيير حياتكم كان كمال سبتي يرحمه الله إضافة إلي موهبته الشعرية التي لا يختلف علي أصالتها اثنان، مزيجا من المهرج والداعية السياسي الفوضوي، والموهوب في التنظير الشعري والكاسب الأكبر للأعداء بفعل صراحته الجارحة في بعض الأحيان، كان إبنا حقيقيا للفقراء وقد كتب عنهم أجمل وأعذب قصائده خصوصا في ديوانه المبكر وردة البحر الصادر عام 1980، و حكيم بلا مدن عام 1986 حيث تتبدي عدميته وفوضويته السياسية واضحة ولكنها بالطبع فوضوية شجاعة في زمن الحزب الواحد والنظام الشمولي الذي كان سائدا وخلال حرب رهيبة ألغت كل الحقوق العادية للمواطنين ومنها حق التفكير بصوت عال علي طريقة كمال سبتي.. وفي قصائد ديوانه متحف لبقايا العائلة عام 1989 نضج الشاعر وصار همه البحث في ماهية الحياة والموت وصار بحثه التنظيري في القصيدة أكثر وضوحا وتأثيرا في قصيدته الشعرية مما خلق فجوة بينه وبين القاريء فصارت قصائده غير محبوبة من قبل جمهور عريض خرج من الموت قتلا في الحرب بأعجوبة والتي انتهت قبل عام واحد من نشر الديوان.وأتذكر في إحدي الأمسيات الشعرية أثناء فترة الحرب وفي اتحاد الأدباء في ساحة الأندلس في بغداد كان الشاعر ثملا يقرأ لمن حضروا الأمسية قصيدة تعني بالتنظير لقصيدة النثر ولا علاقة لها بموضوع شعري معين فتركه المستمعون وانصرفوا لشؤونهم تاركين الشاعر يتخبط في ذكر أسماء بعض نقاد الشعر الأجانب مركزا علي إليوت كمنظر لقصيدة عالمية جديدة. في النهاية شعر انه وحده علي المنصة فصرخ: انصرفوا لتغيير حياتكم هذا ما أردت أ ن أوصله لكم..العاشق الكبير تألق كمال سبتي الشاعر والإنسان حين عشق صبية شاعرة قادمة من إسبانيا تمت دعوتها إلي مهرجان المربد ولا أحد يعرف كيف تفاهم معها وبأي لغة فهو لا يتحدث أي لغة غير العربية وهي لا تتحدث بغير الإسبانية وكانا كطائرين جميلين يحلقان بين الطاولات والتجمعات الأدبية التي كانت تجتمع خارج صالات الشعر وتعقد مؤتمراتها الليلية وفيها يصرح الحاضرون علانية بإدانة نوعية الشعر الحكومي والتعبوي الذي كان يقرأ علي منصة ا لشعر في مهرجان المربد العتيد. كان حين يحدثنا عنها تتألق وجنتاه بالفرح ويبح صوته وتختنق الآهات في صدره، ويتعرق جبينه، نعم لقد أخذت تلك القشتالية قلب الشاعر معها وحين غادرت إلي بلدها بعد انفضاض المهرجان صار هم الشاعر كيف يلتحق بحبيبته في إسبانيا وفي وقت الحرب كان السفر ممنوعا والحب من أجنبيات ممنوعا أيضا علي المدنيين العراقيين فكيف يمكنه السفر ومحبة من يشاء وهو الجندي المغضوب عليه في حرب لا أول لها ولا آخر؟كانت رسائل القشتالية إليه تمنيه بحياة شعرية كاملة في إسبانيا، وترسم له لوحة هائلة عن بلد بيكاسو وجمال مدنها، والأمن والسلام الذي سيجده في كلبقعة من بقاع أرضها، ووقتها كان هناك شاعر كبير حيدت الدولة صوته الشعري بإرساله كملحق ثقافي في إسبانيا طوال فترة الحرب العراقية الإيرانية هو الشاعر عبد الوهاب البياتي، والمستعربة الاسبانيةغارسيا لوث التي كانت تعيش في العراق وكانت لها علاقات واسعة بالأدباء العراقيين الشباب في ذلك الوقت ولا تحدث أمسية أدبية في اتحاد الأدباء إلا وتكون من أبرز الحاضرين فيها.الإعدام للشاعر العاشق حين فر كمال سبتي من الخدمة العسكرية بعد إيفاده ضمن وفد اتحاد الأدباء إلي خارج العراق اعتقد الجميع أن الشاعر خرج لأسباب سياسية.. وكنت الوحيد ربما الذي قلت لمن تساءل عن سبب تركه للبلاد.. لا تعجبوا أن العاشق ذهب ليلتحق بحبيبته القشتالية. كمال سبتي لا يطيق السياسة ولا السياسيين وهو شاعر بدرجة عاشق كبير وبسبب هذا العشق الكبير حكمت الحكومة العراقية بالإعدام غيابيا عليه لهروبه من الجيش إلي خارج البلاد أثناء فترة الحرب، ولم يكن ذلك مزاحا. كانت الحكومة تنفذ بكل قسوة كل ما تنص عليه قوانين الحرب فقد أعدموا صديقنا القاص حاكم محمد حسين بلا رأفة لأنه تلكأ عدة أيام في الذهاب إلي وحدته العسكرية بالرغم من قصصه الجميلة ومجموعته القصصية (مساحة بيضاء) التي حققت حضورا ملفتا في الوسط الأدبي في تلك الفترة وموهبته الفريدة في خلق الصداقات مع الآخرين وجاءت الأخبار فيما بعد عن كمال سبتي أنه وصل إلي إسبانيا وبذلك فقد تحقق حلمه بالاجتماع بحبيبته القشتالية الجميلة.وبذلك تأكد حدسي بأن صاحبي شاعر بدرجة عاشق كبير، وبسبب هذا العشق الكبير كانت العقوبة أقصي ما في سجل عقوبات القانون البغدادي من عقوبات الإعدام..صعد إلي السماء احترمت الشاعر كمال سبتي لموقفه النبيل من بلاده وأهله أثناء اتحاذ القرار بالغزو الأمريكي للعراق تحت شعار التحرير فهو من القلة المحكومة بالإعدام من بيننا من قبل نظام صدام حسين.. ولكنها رفضت الحرب بشكل عام بالرغم من مغريات كثيرة قدمت لكتاب العراق الشرفاء ليركبوا مع الراكبين، وقبل وفاته بشهور قليلة قاد حملة صحافية لإطلاق سراح صديقنا القاص المبدع محسن الخفاجي من سجن بوكا الصحراوي في أم قصر الذي تشرف عليه القوات الأمريكية وقد شاركت في جهده الإعلامي لإطلاق سراح صديقنا، فأرسل لي رسالة رقيقة يشكرني فيها نيابة عن الخفاجي وعن نفسه والمفرح أن جهود الشاعر كمال سبتي وجهود أصدقائه لم تذهب سدي إذ أطلق سراح القاص الخفاجي بعد وفاة الشاعر كمال سبتي بأيام، إذ أطلق سراح الشاعر بعد ثلاث سنوات من السجن وهو بلا تهمة محددة في يوم 13 نيسان (ابريل) الماضي فطوبي لروح شاعرنا الذي كنا دائما نقول عنه أنه حين يموت سيصعد مع ملابسه البيضاء التي كان يحب أن يرتديها في أيام اجازاته الدورية من الجيش منتشيا في مقهي حسن عجمي، وسط بغداد، وبالضبط مثل تلك الصبية دوريتنيمونس الجميلة في رواية ماركيز مائة عام من العزلة التي كان الشاعر معجبا بها حد التماهي، التي تختفي فجأة فيروي الرواة عن صعودها العجائبي للسماء بثوبها الأبيض الموشي بالدانتيل..كاتب وصحافي من العراق يقيم في المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية