“نحن على مشارف انتخابات مقبلة أواخر هذه السنة ولدي إيمان كبير بأنها ستمر في أفضل الظروف وستمثل الاستحقاقات المقبلة حجرة أخرى تضاف إلى البناء الوطني الذي بدأناه”. بذلك يعبر وزير الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة التونسي كمال مرجان رئيس حزب المبادرة الوطنية الدستورية في حواره مع “القدس العربي” عن ارتياحه لمجريات الانتقال الديمقراطي، معتبرا أن بلاده اجتازت الفترة الأصعب ويؤكد أنه من الأهمية بمكان الإبقاء على التوافق السياسي الذي حمى البلاد من الانزلاق للأسوأ. لكنه لا يخفي تخوفه مما سماه بـ “عزوف المواطنين” عن الانتخاب باعتبار أن سقف تطلعات التونسيين كان أكبر مما تحقق خاصة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
وفي ما يأتي نص الحوار:
*ما هو تقييمكم للوضع الراهن في تونس؟
**هناك مثل فرنسي مفاده “عندما أنظر لنفسي أكون متأسفا وعندما أقارن بغيري أكون سعيدا”. بطبيعة الحال ما حصل في تونس في البداية كان مفاجئا، ولكن سارت الأمور بعدها بدون صعوبات كبيرة. ويمكن القول إن الانتقال السياسي تحقق في ظروف طيبة ودون خلافات تذكر. فإذا قارنا وضعنا بما يحصل اليوم في ليبيا أو سوريا أو اليمن نقول إن وضعنا سليم إلى حد كبير. فطوال المرحلة الماضية لم تتوقف مؤسسات الدولة عن العمل ولو ليوم واحد. حصل التحول الديمقراطي بصورة طبيعية، ووجودنا اليوم إلى جانب بعض الزملاء الذين كانوا في آخر حكومة أيام بن علي يؤكد أن التحول السياسي حصل في ظروف سلمية مبنية على احترام الجميع والتعاون بين كل الأطراف. هناك من أعضاء حركة النهضة من كانوا في السجون والمنافي واليوم هم شركاء في الحكم وعلاقتنا معهم تقوم على الاحترام والتفهم. لا يعني هذا أن كل شيء أصبح على أفضل ما يرام، ولا أدعي هذا، لأن هناك مواضيع ما زالت تحتاج إلى تطور وتفاهم بين عديد الجهات، ولكن ما أقصده أن شؤون الدولة لم تبق معطلة بل كانت هناك استمرارية. وعندما أحاول أن أجد تفسيرا لهذا أرى أنه ناتج لما تركه الزعيم الحبيب بورقيبة لتونس من فكر معتدل أثر بصورة عميقة في كيفية تصرف التونسيين باتباعهم التمشي العقلاني الذي زرعه حتى من لم يكونوا بالضرورة من أنصاره. كان هذا التوجه العام لتونس التي لم تكن لها في أي وقت من الأوقات مواقف متطرفة وكان الاعتدال هو الغالب، كل الأطراف السياسية أو جلها فهمت اليوم أن مستقبلنا لا يمكن ان يكون إلا بالحوار والتوافق. هناك ربما متشددون من الطرفين ولكن عموما لا أشعر اليوم بأي صعوبة في تعاملي مع أي زميل في الحكومة سواء الذين كانوا من اليسار أو من النهضة أو من أي اتجاه آخر.
هنا أؤكد كذلك أن المواقف المعتدلة هي التي اعتمدت في تاريخ الدبلوماسية التونسية بما في ذلك القضية الأم، حيث كان بورقيبة أول من نادى سنة 1965 بقيام دولة فلسطينية وتأكيده على اتباع مبدأ “خذ وطالب” (خلال جولته الشهيرة في الشرق الأوسط وألقى خلالها خطابه التاريخي في أريحا). الفلسطينيون لما كانوا في وضع صعب، استقروا في تونس التي احتضنتهم. هذا التمشي الفكري العقلاني المتزن هو الذي دفعنا حتى في الظروف الصعبة التي مررنا بها بعد الثورة إلى تغليب صوت الاعتدال وعملنا مع كل الأطراف في الحكومة على اختلاف توجهاتهم ولم نشعر بأي صعوبة ولهذا أنا متفائل بوضع بلادي. لا يجب أن ننسى الحوار الوطني الذي جرى بيننا وجمع 17 حزبا وبقينا لأسابيع عدة في حوار إيجابي بناء لم تعترضنا أي مشكلة من أي جهة كانت. وقامت أربع منظمات وطنية (اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف وعمادة المحامين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان) إضافة إلى الأحزاب بدور كبير وهذا ما يفسر منح جائزة نوبل للسلام للمجموعة التي قامت بتجميع الأحزاب وبإطلاق مبادرة الحوار الوطني الذي جعلنا نجتاز الفترة الأصعب دون أي إشكال. وإن شاء الله يتواصل هذا التمشي الإيجابي ونحن على مشارف انتخابات مقبلة المفترض ان تجري أواخر هذه السنة ولدي إيمان كبير ستمر في أفضل الظروف وستمثل الاستحقاقات المقبلة حجرا جديدا يضاف إلى البناء الوطني الذي بدأنا به. حقيقة هناك شيء من الإيمان بالمستقبل يدفعنا لان نكون مطمئنين، الجميع يعمل من أجل المصلحة الوطنية العامة سواء بالنسبة للسياسيين أو النقابيين. هناك دائما مكان لحوار وتضافر جهود وربما لذلك علاقة كما قلت بشخصية التونسي الذي يبحث دائما عن التوافق والاعتدال.
*هل تعتقد أن طبيعة المجتمع التونسي المتجانس طائفيا ودينيا أدت إلى هذا الوضع؟
**هذا صحيح وملاحظتك في محلها. بالفعل ليست لدينا الفروق الموجودة في بلدان أخرى وهذا عامل إضافي ساعد دون شك إلى جانب العوامل الأخرى التي ذكرتها في إرساء التوافق المنشود.
*لمسنا توافقا بين الأحزاب وشهدنا تقدما في مستوى حرية التعبير والديمقراطية لكن على المستوى الآخر ما زلنا نشعر بان مطالب “الثورة” لم تتحقق، فالأوضاع الاقتصادية والتعليمية والصحية تترنح، في رأيك ما هو العائق؟
**أعتقد أن هذا أمر طبيعي، فالتطلعات كانت كبيرة وعالية جدا وسقف المأمول بالنسبة للمواطن كان أعلى مما تحقق، فقد كان يتوقع أن يكون الوضع أفضل ولكنني أبقى متفائلا بالمستقبل.
لنقل بكل وضوح أن وضعنا الاقتصادي والاجتماعي والأمني كان جيدا لكن الإشكال كان بالنسبة للحريات والديمقراطية، ورغم ذلك مقارنة بكثير من الدول الأخرى وضعنا لم يكن سيئا ولكن كان يمكن أن يكون أفضل مما كان في هذا الميدان. كان يجب ان يكون الانفتاح أكبر على مختلف العائلات السياسية. ولكن الانتقال حصل في ظروف طيبة حقيقة وهذا ناتج أولا عن التكوين وتعميم التعليم الذي عرفه المواطن التونسي وكذلك للانفتاح على الخارج جعلنا ننجح في الحوار الوطني الذي تحقق. وأنا في الحقيقة لم أكن أتوقع ان ننجح إلى هذا الحد واليوم بطبيعة الحال الانشغالات أصبحت مختلفة وتتركز أساسا على بناء دولة جديدة مع توجهات ديمقراطية. لا شك ان وضعنا الاقتصادي والاجتماعي صعب ولكن نحن اليوم في سنة انتخابية والمواطن التونسي هو من سيقرر خيارات البلاد المقبلة بواسطة صناديق الاقتراع سواء للرئاسية أو التشريعية. وأعتقد أن الأمور ستمر في ظروف طيبة. كحكومة يصعب علينا اليوم إحداث تغيير إيجابي كبير للوضع خلال أقل من سنة وأعتقد ان دورنا اليوم يقتصر على تسيير الأعمال أكثر من أي شيء آخر لأنه لا يمكن ان نبرمج وننجز حتى على المستوى الفردي لفترة طويلة لأننا لا نعرف كيف ستكون نتائج الانتخابات المقبلة وهي التي ستقرر التوجه الذي ستتبعه البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة.
بطبيعة الحال على الشعب التونسي ان يختار ما يريده خلال الانتخابات، اليوم لدينا ما يزيد عن 218 حزبا معترفا بها، ليست كلها من الأحزاب العاملة أو الموجودة فعليا في الميدان ولكن هذا جيد مهما كان عدد الأحزاب التي لديها وجود حقيقي وملموس ميدانيا. تخوفي الوحيد اليوم هو أن لا يساهم المواطن في الانتخابات المقبلة بالدرجة التي ساهم بها في الانتخابات الأخيرة لأن هناك شعورا لدى المواطن الذي كان ينتظر أن تكون نتائج الإصلاحات والتغييرات كبيرة وهذا لم يحصل. المهم ان الانتقال كان سلميا وللمواطن الحق في الاختيار من جديد وسيأخذ بعين الاعتبار ما حصل. صحيح على المستوى السياسي والأمني الوضع تحسن كثيرا وحتى اقتصاديا رغم كل الصعوبات مقارنة بدول أخرى. لي أمل كبير بأن نجتاز هذه الفترة ويقرر الشعب ما يريد وما يرغب فيه وستكون هناك إمكانية حقيقية للبناء.
*بدأت تظهر أصوات متطرفة أو صعود للشعبوية سواء في اليمين أو اليسار كيف تفسر ذلك وما مدى حظوظها في الانتخابات المقبلة؟
**هذا لم يفاجئني لأن هذا الوضع كان دائما موجودا حتى قبل الاستقلال بصور مختلفة وقبل الثورة وحتى في عديد الدول الأخرى، دعوني أقول إن التونسي بطبعه وسطي. هناك أحزاب ستحاول أن تدخل الانتخابات في شكل حلف ما سيقلل من دور ومكانة كل متطرف ثم لا يجب أن ننسى ما أنجزناه منذ سنوات وهي وثيقة قرطاج التي قامت على التوافق بين عدد محترم من الأحزاب الموجودة على الساحة بدعم من رئيس الجمهورية إلى جانب المنظمات الوطنية وبالتالي اعتقادي وأملي أن التوجه الذي ستأخذه البلاد سيبقى مبنيا على الحوار والتوافق.
*ما وجهة نظركم في ما يدور في ليبيا والحراك في الجزائر؟
**أتمنى ان تجتاز كل من الشقيقتين الجزائر وليبيا بسرعة الظرف الراهن. فالعلاقة بين شعوبنا عميقة وتاريخية نتذكر كيف كان اخواننا الجزائريون معنا في تونس خلال حرب التحرير فأنا لا أعتقد ان الوضع في الجزائر سيكون سيئا لأن الدولة الجزائرية قوية ولم تقم على حكم شخص واحد، وهناك دور للسياسيين ولا ننسى خاصة الجيش الذي لعب دائما دورا هاما وليس لدي تخوف كبير حقيقة وأتمنى أن أكون مصيبا في تقديري.
أما في ليبيا فالوضع مختلف، لأن مؤسسات الدولة لم تكن قائمة كما يجب بسبب هيكلة النظام سابقا والانقسامات التي حصلت. بطبيعة الحال كنا نتمنى أن يكون الوضع مستتبا بالكامل في ليبيا ولا أتوقع ان يسوء الوضع أكثر. ولكن مع الأسف ازداد خطورة حسب تقرير من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأي تطور آت لا يمكن أن يكون إلا إيجابيا. هناك محاولات ومجهودات سواء كانت أممية أو عربية وليبية لإنهاء الأزمة، والمهم بالنسبة لنا وأمنيتنا الوحيدة ان يقرر الشعب الليبي مصيره دون عنف أو تدخلات أجنبية حفاظا على وحدته وسيادته الوطنية.
*هناك أصوات تتحدث عن عودة سيف الإسلام القذافي… هل تعتقد أنها مبررة؟
**المهم أن يحافظوا على وحدتهم ويقرر الاخوة الليبيون من سيحكمهم ولا يمكن أن تكون لنا مواقف مغايرة لما يريده الشعب الليبي. لسنا مع هذا الطرف أو ذاك، ومواقف تونس كانت دائما معتدلة ومتزنة ومحترمة وكل ما أتمناه ان يستتب السلم في ليبيا الشقيقة ويتحقق الوفاق الوطني لمصلحة الليبيين بالدرجة الأولى.
*ما هي تحضيرات حزبكم “المبادرة الوطنية الدستورية” للانتخابات المقبلة وهل ستدخلون في تحالفات انتخابية مع نداء تونس أو حزب تحيا تونس أو النهضة؟
**بدأنا الإعداد على مستوى مكاتبنا الجهوية وإذا قررنا أن نكون في تحالف في الفترة المقبلة فسيكون التعاون والتنسيق مع أطراف أخرى من عائلتنا السياسية أو القريبة منها على أمل النجاح في الانتخابات، ثم لم لا ننظر للوصول بعد ذلك إلى الاتفاق لتكوين حزب كبير.
*وهل هذا مطروح؟
**نعم هذا وارد، ولا يمكن ان نكون إلا مع أحد الطرفين، أي الطرف الذي ينتمي لعائلتنا السياسية والفكرية كدستوريين بورقيبيين أو مع العائلة الوسطية عموما. نعتبر أن خلافنا في بعض المواقف مع الأحزاب الأخرى ليس مبنيا على أي إقصاء لأي جهة كانت. اليوم عندما تؤمن بالديمقراطية مهما كان الوضع، حتى لو اختلفت مع هذا أو ذاك، يجب أن تحترم حق الآخر في الوجود وفي النشاط والعمل وهو حق لكل تونسي ونتمنى بطبيعة الحال ان يكون هذا دائما في مناخ من الاعتدال وفي إطار البحث عن الوفاق الوطني. تونس بلد صغير وعلى المستوى السياسي أو العرقي نحن شعب متجانس في أصوله. وهذا من المفروض ان يسهل الأمر على الجميع. كل ما أتمناه ان تزول الخلافات السياسية المبنية على الشعبوية والانتهازية وان نقرر ونتفق على البرنامج الأمثل الذي نريده لتونس اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. لا أعتقد ان هذا شيء صعب. وهناك امكانية حقيقية لتوافق إجمالا لا يمكن ان يكون شاملا وكاملا ولكن يمكن ان يجمع العائلة الوسطية. أنا أؤمن دائما بالتوافق وهذا يصبح ضروريا أكثر لأن وضعنا اليوم جديد ومختلف ويجب ان نأخذ في عين الاعتبار ما عرفه العالم خلال السنوات الأخيرة من تغيرات، ويجب أن تكون لنا نظرة تقدمية للمستقبل لأننا نبقى دائما نرتكز على التوجه البورقيبي الواقعي والحداثي التقدمي.
*هل ستترشح لرئاسة الجمهورية؟
**رغم اقتراح ترشحي من طرف المكتب الوطني للحزب لم أحدد قراري بعد لأنه صعب وليس سهلا، تقدمت إلى الانتخابات الأخيرة من بين 27 مترشحا وكانت تجربة كنت أعلم مسبقا أنها لن تكون ناجحة ولكنني خضتها لفرض وجود عائلتي الدستورية. كنت وأقولها بكل اعتزاز أول من خرج من قيادة النظام السابق وكون حزبا جديدا، في ظرف صعب وبمرجعية بورقيبية دستورية رغم أننا لم نذكر هذا في نظامنا الداخلي خوفا من ان يرفض طلبنا للتأشيرة بعد حل التجمع الدستوري الديمقراطي، بعد نقاش طويل في اللجنة التأسيسية توافقنا على ان تكون مرجعية حزبنا هي “المدرسة الإصلاحية التونسية مرورا بالحركة الوطنية التي حققت الاستقلال” وهي بطبيعة الحال تعني “الدساترة” أولا وأخيرا مع احترامنا للجميع.