كمال ناصر: صورةٌ عن طائرِ الفينيق
وليد أبو بكركمال ناصر: صورةٌ عن طائرِ الفينيققلت لزميلي، وأنا أري كمال ناصر لأول مرة: إنه يذكّرني بطائر ما. كان يقف في المنارة الراحلة وسط رام الله مع آخرين، وكان الناس يعبرون من حوله، ويظل طائرا فريدا بينهم. تأملته طويلا ولم أقترب. كانت هيبة الشاعر تشع منه أكثر من هيبة النائب.حدث ذلك صدفة، عندما مررت برام الله للمرة الأولي في حياتي، بعد انتخابات 1956.. يومها أيضا رأيت فدوي طوقان في مقهي الأريزونا الراحل: هل كانا يجلسان معا، أم أنني تخيلت ذلك في مرحلة تالية، تداخلت فيها الذكريات؟عودتي إلي رام الله مقيما بعد عام، لم تحمل من الحظّ ما حملته الزيارة العابرة. كمال ناصر كان قد اختفي، ولم يقدر لي أن أراه إلا بعد ستة عشر عاما، وكانت تلك هي الرؤية الأخيرة.حاولت أن أجد طائرا جميلا رقيقا وقويا في الوقت ذاته، أشبه به الشاعر الوسيم الجريء، ولم أستطع، مع ذلك اكتشفت مبكرا أن الصورة لم تكن لديّ وحدي. فدوي طوقان، صديقته، التي عرفتها جيدا بعد ذلك، قالت له يا طائري غير مرة وهي تهديه في محنته قصيدتها إلي المغرّد السجين ، وهو أنبت لنفسه جناحا حين خاطب ثورة الجزائر:يا جناحي هذي رحاب الجزائر كلّ شبر بها علي الضيم ثائرثم حين خاطب العراق:يا جناحي هذي العراق الحبيبة هذه دارة النضال الرحيبةوتكرر ذلك حتي تمنّي هذا الجناح قويا: يا إلهي هب لي جناحا قويـا أتحــدي بـه فضاء بـلاديوسـأطوي بـه الربوع نبيــا ناشرا من سمائها أحقاديوهو لم يحدد نوعية هذا الجناح في شعره، لكنه فعل في نثره حين كتب إلي حبيبته: لا أفهم أن أكون، أنا النَّسرُ الشامخ، عرضة للمساومة. أنا أفضّل لهذا النَّسر أن يلويَ منقاره تحت جناحيه فيموت موفور الكرامة . وعندما لُوي منقاره بالفعل، التقطت فدوي طوقان الصورة، ومنحته صفة النسر في قصيدتها ذهب الذين نحبّهم :نَسرا فنَسرا غالهم وحش الظلامسرق السموّ من الأعالي.. آه يا وطنيعليك من الدم الغالي سلاملكنها لم تتوقف عند صورة النسر الذي يموت، فكمال ناصر، في طبيعته، لم يأخذ من النسر إلا الكبرياء، وكان أرقّ وأجمل من أن يكون نسرا:أواه يا وطني الحزينكم ذا شربت وكم شربنالا أنت ارتويت ولا ارتويناإِنّا سنبقي ظامئينعند الينابيع الحزينة سوف نبقي ظامئينحتي قيامتهم مع الفجر الذي حضنوهرؤيا لا تموت ولا يذوب لها حنينلقد تحدث بعض النقاد عن قيامة المسيح، فهلا تذكرنا الآن طائر الفينيق؟في حياته التزم كمال ناصر بهذا الطائر الأسطورة. لم يكن غريبا عليه أن يقول: ولدت أحمل جثماني علي كتفي ليوحّد جدلية الحياة والموت، كما عند الطائر. ثم يعود ليؤكد ذلك في قصيدته وقيل مات :وفي غدربما تدركهم حقيقة الحياةِفي الوجود والعدمفيعرفون كيف يولدون في المنونوكيف يولد المنون في الحياةوربما كان معظم ما فعل، من وحي ذلك الطائر: آمن بالتاريخ المشترك الذي بدأ منذ عصر الأسطورة وتمدد، وحين كانت بلادي ترد في شعره، كانت تعني بلاد الوحدة ، وهو الهم ّ الذي عذبه كثيرا، لأن الوحدة التي تبدو في متناول اليد كانت بعيدة المنال. المعادلة التي اختارها الحكام في تفتيت الوطن الكبير أضاعت الوطن الصغير. لذلك عادي من فعل، وأحب من حمل الحلم.صورة الوحدة هذه ظلت هاجسا عند كمال ناصر، ومن خلال موقعه في منظمة التحرير الفلسطينية، حاول أن يطبق قناعته: خلق الإعلام الموحّد وصحيفته فلسطين الثورة ، حتي يكون للثورة الفلسطينية صوت واحد، كما أسس الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين. في هذه المناسبة الأخيرة، قبل رحيله بعام، التقيته أول لقاء حقيقي. كان جل ما يشغله هو أن ينجح تأسيس الاتحاد، وكان يخشي علي النجاح من تدخّل الفصائل. لم يستطع أن يقاوم توزيع الأسهم في الإعلام الموحد، ولا في الاتحاد. كان يشكو من أن كل فصيل يفصّل إعلاميين خاصين به، وأدباء، سيكونون لبنات الفشل، الذي يستمر حتي هذه اللحظة. لم أتابع ما جري في الإعلام الموحد، الذي انتهي إلي إعلامنا الحاليّ العاجز، ولكني تابعت ما وصفه كمال ناصر بأنه اتحاد القراء ، وأخذته عنه الصحافة دون أن تنسبه إليه. لقد رأيت بأمّ عيني ذهوله أمام هذا الحجم الهائل من الأعضاء في المؤتمر التأسيسي للاتحاد، في قاعة جمال عبد الناصر بجامعة بيروت العربية، فبراير 1972، إلي حدّ جعله ينسي أين وضع أوراقا كتب عليها كلمة الافتتاح، واضطره للعودة إلي منزله للبحث عن نسخة منها. ومع ذلك لم تسقط ابتسامته عن شفتيه، وصورة ذلك الطائر لم تفارق قامته.في ذلك الوقت، كان قد وصل مرحلة الإحساس بالموت يحيط به، فوزع إحساسه علي كل من يحيط به، وهو يدرك أنهم يقتلون الفكر بعد أن قتلوا غسان كنفاني:أعلم أنني انتهيتلم يبق من أحبهومن يحبنيوانطفأ المصباحلم يبق فيه زيتما رواه عنه أصدقاؤه من قول إنه كمال بطرس وليس عنترة بن شداد، وإنه ليس غيفارا، ولكنه ليس جبانا، يوحي بشخصيته التي تعشق الحياة، لكنها لا تخشي مواجهة الموت الذي لم يخف مشاعره حوله حين قال: إنني أكرهه جدّا جدا . تسجل لكمال ناصر صفات كثيرة، منها الجرأة في الرأي والموقف، قولا وكتابة، والإيمان بالعروبة والوحدة فكرة وسلوكا، وحب الحياة والدفاع عنها، وغير ذلك من الصفات، لكنه يكاد ينفرد بصفة لا يجاريه فيها أحد: الإخلاص، فرديا أو وطنيا: لقد أحبّ امرأة واحدة في حياته، ولم ينلها، وظل وفيّا لهذا الحب، رغم كثرة من أحببنه من النساء، أو سجلن أيامهن معه. وأحب وطنا واحدا، لم ينله، وظلّ وفيا له، رغم كثرة الفرص التي أغرت غيره من ساسة كان يخشاهم علي وطنه، وهو ما يزال بشعره يخرج من الرماد حتي اللحظة ويفعل:فيـم التنـاحــر والأخـصام تـرمـقنـا إثمـا، وتـلقـي علـي أوهـامـنا الرَّهـَباتلتـذّ بالفـتنـة الكـبـري وتــشـعـلـها وتـزرع الإفــك بيـن النـاس والـرِّيَبـاأخشـي عليـك بـلادي شـرّ صاعقة أخشي النوازل، أخشي الساسة النُّجباأخشي الخلافات أن تودي بوحدتنا بالأمس جـرّت علـينا الويل والحـرَبارحم الله كمال ناصر، وهو ما زال يعيش معنا ما نعيش.كاتب من فلسطين0