صابر رشدي
يستريح الشاعر المصري عبد المقصود عبد الكريم من جهد تنويري شاق، ألزم به نفسه التزاماً حربياً وهو الترجمة، عائداً إلى الشعر مرة أخرى بديوان “كما لم تكن قط”، بعد رحلة مثمرة وناجعة في عالم الترجمة، حيث صار اسمه مضيئاً على عدد كبير من الكتب المهمة، المنقولة عن اللغة الإنجليزية في وقتنا الحالي. يكفي أن تضع اسمه على محركات البحث بالشبكة العنكبوتية؛ لتظهر أمامك خزينة من الكتب الثمينة، التي يتمنى المرء اقتناءها وقراءتها في أقرب وقت، فهو يختار بعناية الكتب التي يعمل عليها، بقصد إثراء الحركة الثقافية العربية بهذه الترجمات الرفيعة، المتقنة.
لكن، ها هو يستعيد ذاته المبدعة أخيراً، وفاءً لماضيه، لبداياته، كواحد من الوجوه البارزة لجيل السبعينيات الشعري في مصر، أصحاب المعارك الثقافية، والبيانات الراديكالية. والمجلات المقلقة، مثل “الجراد” و”الكتابة السوداء”، الباحثين عن شعرية جديدة، تستحق وجودها الحداثي. بعيداً عن الإنشاد، والنظام العروضي والأوزان التقليدية، لتثوير شكل القصيدة، وابتكار جماليات جديدة، باعتماد قصيدة الواقع والتفاصيل اليومية، والتعامل مع العابر، والزائل، والهامشي، وكتابة الذات، دون ادعاء البطولة، والانسحاب من الأيديولوجيا ومفهوم الالتزام والهموم القومية، والتخلص من أي نبرة خطابية أو دعائية. وكذلك الاستفادة القصوى من مرونة قصيدة النثر، واستيعابها للتجارب الإنسانية في مراحلها كافة، والانفتاح على تعدد الضمائر، والأصوات، والمزج بين النثري والسردي، عبر قصائد مركبة، تعزف على مفردات الحياة، بتكثيف واكتناز، بعيداً عن البلاغة المفرطة.
يقول عبد المقصود عبد الكريم:
“قد تستيقظ فجأة
لتجد ماضيك البعيد
يحلق في الأفق
يطل من حيث لا تدري
تنتعش أو تختنق
وأنت تستحق ماضيك البعيد
تهتز
ترتجف أعضاؤك
وكأن ما يحلق في الأفق
زلزال
وليس ماضيك البعيد”.
الماضي يراود ذهن الشاعر، بشعور مزدوج، يخنق أو ينعش؛ قد تكون هناك ذكريات مريرة، أو لحظات سعيدة، لكن دائما هناك عودة، يبدو أن الكلمة العليا فيها للأشياء المزلزلة التي لا تزول بسهولة، وتظل عالقة، لا تمحوها لحظات أخرى. يدير الشاعر ظهره لضمير المتكلم، الاعترافي، للتخلص من وطأة نبرته المعذبة، مستخدما ضمير المخاطب للتمويه، ليسبغ على النص صفة العمومية.
ربما أنت، أو أنا المقصود، باستخدام الخيال في أنسنة الألم. الماضي أكثر غنى، أكثر ثراء، هو المادة الرئيسة التي يتغذى عليها الفن والأدب. لا أتحدث عن التاريخ، هذا اتجاه آخر. الانشغال بالماضي عمل المبدعين المفضل، فهو يحمل داخله بذور الكتابة، معظم الأعمال الكبرى تبدأ بالفعل “كان”، حتى لو حذف من البدايات في الكتابة الحديثة، واستبدل بمفردات أخرى، لكن الحكاية تدور، غالباً، في زمن “كان”:
“علاقتي بالحياة واهية وسطحية ومعقدة
علاقة بين حياة تشبه الحياة
وإنسان يشبه الإنسان”.
الذات تحاور نفسها، تذهب إلى مونولوج خافت، تكشف فيه عن علاقتها بالحياة:
“لكن علاقتي بالموت على العكس تماماً.
علاقة بين موت ناضج
وإنسان ناضج”.
علاقته بالموت أيضا تستحق التأمل، لا خوف، لا قلق، ترحيب كامل به. “علاقتان” هو اسم القصيدة، علاقتان متساويتان، بالحياة والموت، لا فرق بينهما. هل هو جنوح عدمي تجاه العالم؟ إنه يذهب إلى هذه الثنائية، بكلمات بسيطة، دون إيغال في رؤى ميتافيزيقية، دون تعقيد للمسألة، كأنه مازال محتفظا بشروط البدايات، التي كانت تحكم جماعة “أصوات” التي انتمى إليها في بواكير شبابه رفقة الشعراء أحمد طه، عبد المنعم رمضان، محمد عيد إبراهيم ومحمد سليمان.
يختتم عبد المقصود عبد الكريم قصيدته معلقاً بنبرة ساخرة، دامجاً السردي بالنثري:
“في نهاية كل يوم، وبعد أن أنجز واجبي، أغلف يومي في غلاف رقيق وأضعه في حقيبة من حقائب الهدايا الرومانسية وأقدمه بصدر رحب للموت: شكراً أيها الموت، أمهلني اليوم، وها هو اليوم لك”.
لا يتصنع الشاعر العمق، وهو يغوص في تأملاته الموزعة بين المشاعر المتناقضة، ولا يحاول إدراك ماهية أي شيء عن طريق التعبير الشعري، لا يعتد بشيء، ولا يتوقف عند الأثار الدرامية التي تحدث حوله، ولا يرصد تداعياتها. لقد أضرب هذا النموذج الشعري عن العمل، تاركاً هذه الأمور لأنواع أدبية أخرى، كالرواية مثلاً:
“من أجل حفنة من الهدوء
دفعت كل شيء
وزهدت في كل شيء
من أجلها انعزلت مثل كائن خرافي”.
التنازل عن كل شيء، من أجل حفنة من الهدوء، لا يطمع في شيء، لا يصبو إلى شيء. فقط، الهدوء، والعزلة مثل كائن خرافي، رغبة حزينة، في الانسحاب من الحياة. في هذه السطور القليلة، التي تمثل نصف قصيدة “زهد”، يموّه الشاعر بهذه النبرة الاعترافية. لكن عند مطالعة نصف القصيدة الأخر، القادم بعد فراغ في الصفحة ليعطي انطباعاً بأنه وحدة منفصلة، رداً على ما سبق، يعود إلى ضمير الغائب، ليتيح له التخفي وراء قول ما يريد، دون تحفظ، مستغلاً إمكانياته الفنية:
“انعزلت وتبقى مطارداً
تطاردك الأحلام والأشباح
فتعجز عن القبض على حفنة من الهدوء
حفنة دفعت من أجلها كل شيء
وزهدت في كل شيء”.
هكذا، قصيدة مشطورة إلى نصفين، متساويين، بشكل هندسي. تصف الحالة في النصف الأول، وتؤكد عليها في النصف الأخير. ذات. فقدت اهتمامها بما يدور في العالم، وأشياء فقدت قيمتها، ولم يعد هناك ما يستحق الانتظار. والشاعر يذهب إلى مناطق بعيدة، يتأمل فيها نفسه، وهو يستخدم الكلمات، محاولاً اكتشاف مواقع مجهولة في اللاشعور، مثقلة بالقتامة، وباغتراب طوعي، يقود في النهاية إلى الوحدة.
في معظم الأحوال، الآلام الوجودية تخدم القصيدة، تغذيها بمشاعر صادمة. ثمة تناقضات، تطفو أحياناً، تأخذ طريقها إلى بعض القصائد، تلمس الحقيقة تارة، وتهرب منها تارة أخرى، تلم شظايا ذات مبعثرة، وتحاول إنقاذها من التفسخ. بعض شعراء السبعينيات، بعيدون عن الاحتواء، لا يحملون مسؤولية تجاه أي شيء، سوى القصيدة. لا ينشغلون بسلطة. ولا بجمهور، ولا بقصائد تعبر عن القضايا الكبرى، والمسائل العميقة. تقول الناقدة الفلسطينية الراحلة سلمى خضراء الجيوسي، في ختام دراسة قيمة لها عن شعراء السبعينيات، في مصر، تحديداً: “سواء كان الشعر مبتدعاً مركباً أو بسيطاً قريب المنال، فلا يقع الاختيار النهائي بقدرته على مجرد تبليغ “التجربة” بل على تبليغ الإدراك الشعري للتجربة. حين يقول الشاعر لا يفعل مثل الإنسان العادي حتى لو كان يصف مثل هذا الإنسان أو يتحدث بلسانه، فهو يقول كشاعر”.
يقول عبد المقصود عبد الكريم:
“منذ جئت إلى العالم المكتظ بالعورات/ في بدايات النصف الثاني من القرن الماضي/ غطوا جسدي بخرق غريبة/ ليخفوا عوراته./ في عالم يكتظ بالعورات/ بقيت روحي عارية ومشاعري/ لم يفكر أحد في تغطيتي/ ولم أفكر./ والآن أتباهى بتعرية روحي ومشاعري”.
عنوان النص “تعرية”، عنوان مباشر، لا يوجد هناك حاجة إلى المراوغة، والغموض، إنه موقف صريح، تسري نبرته اللامبالية بوضوح، وتظلل كثيراً من القصائد، يكفي عنوان الديوان أيضا: “كما لم تكن قط”. لغة بسيطة، تقود إلى وصف صريح للمشاعر، تجيد التعامل مع الأزمات الوجودية، وأشد اللحظات قسوة، لكائنات محطمة، تحت وطأة الألم، وعدم التكيف مع الحياة. يفاجئنا الشاعر عبد المقصود عبد الكريم:
“يعرف أن كلماته،
كلماته التي تعانق الكآبة،
قد لا تروق لكم.
ويعرف أنها،
رغم تشبثه بها،
قد لا تروق له.
لكنه يردد باستمرار:
“كلماتي حصتي من الحياة
وزادي في الطريق
ولا أعرف كيف أكون بدونها”.
لكن، يبدو أن هناك عزيمة مستترة، تعمل وتتماشى مع هذه المعاناة، تعمل على نحو مضاد. تحوّل التجارب المؤلمة إلى فعل إبداعي، تستغرق في كتابة الشعر، وتقتحم الأماكن المغلقة. تطهير أرسطي، ونزوع فرويدي، الوقوف أمام المرآة. محاورة الكائن الماثل هناك، التخلص من كل المشاعر، حتى لا يستقر شيء في اللاوعي، ويصير وجوده مدمراً.
عبد المقصود عبد الكريم شاعر، ومترجم، لكنه يمتهن الطب النفسي عقب تخرجه منذ عقود، عمله الأساس، منذ تخرجه. ليس غريباً إذن أن نلمح نزوعاً سايكولوجياً يتبدى في القصائد، كأنه يقوم بوصف ذوات قادمة من متون روايات دوستويفسكي، تترنح أمامنا، بعذابات روحية، وهي تحاول البحث عن الخلاص.
عبد المقصود عبد الكريم: «كما لم تكن قط»
آفاق للنشر والتوزيع. القاهرة 2021
126 صفحة.