كما لو أن القيامة لم تقع: مثقفو الشتات العراقي لم يخرجوا من كهوفهم بعد!

حجم الخط
0

فاروق يوسف

1 لا يكفي أن تقف ضد الاحتلال، عليك أن تقاومه هل يحتاج المثقفون العراقيون الي من يذكرهم بهذه الحقيقة التي يعرفها ويؤمن بها البشر الاسوياء؟ نعم للأسف وبمرارة. ألأنهم صمتوا، فيما العالم كله كان ولا يزال يغلي غضبا ضد الاحتلال؟ هل أذهلتهم الصدمة فعزفوا عن الكلام؟ هل كان لديهم مشروع مختلف في امكانه أن يدفع عن بلادهم الكارثة وينقذ شعبهم؟ مثقف! يا لها من كلمة بلهاء ومضللة ومخادعة وزائفة. الان بعد كل الذي جري للعراق من مآس مركبة، فريدة من نوعها في التاريخ البشري، كيف يمكننا النظر الي شريحة من البشر كانت الي وقت قريب (وقد لا تزال حتي اليوم!) تصنف نفسها علي أساس ما تحمله من وعي نخبوي بالحياة وشروط الاقامة فيها وبالتاريخ واساليب المشاركة في صناعة قيمه؟ يعتقد الكثيرون أن الغزو الامريكي كان سيحصل سواء قال المثقف العراقي كلمته أم لم يقلها كما هو حاله. وفي هذه الفرضية نوع من خيانة الواجب. غير أن هناك من رأي في الغزو حلا لمعضلة مستعصية: الديكتاتورية التي ابتلي بها العراقيون عقودا وصاروا يدفعون ثمن قوتها وضعفها علي حد سواء. ولكن في مواجهة هذا الرأي الذي يعبر عن لحظ ضعف وانكسار هناك من قال اسقاط الف طاغية لا يبرر الوقوف الي جانب المحتل. يكفي أن كلمة احتلال معجميا هي من الكلمات المذمومة التي تعبر عن الجريمة في اسوأ حالاتها وأبشعها. وليس هناك احتلال حميد (كما كتب أحد الكتاب الكويتيين ذات مرة). هل كان المثقف العراقي الصامت أو المتحمس للتغيير وفق الاجندة الامريكية غافلا عما يمكن أن تخبئه الايام؟ لن يكون هذا السؤال نافعا لو كان موجها من أجل تفسير حالة كنعان مكية ومن اتبعه من خدم وصبيان ومروجي المشروع الامريكي، ولن يكون ذا معني لو أنه نظر بعين حيادية الي (مثقفي) الاحزاب والعصابات والحركات الدينية، الذين اضافة الي ارتباطهم بمؤسسات ودول معادية لها مشاريعها، التي ليس من ضمنها استقرار العراق وعدم المساس بكرامة شعبه، فانهم أصلا لا يؤمنون بوجود شيء اسمه (وطن). لديهم ما يسليهم بعيدا عن تلك الكلمة الغامضة، لنقل: الطائفة، الجماعة، المذهب. لم يكن الوطن يوما ما هدفا لـ(نضالات) تلك التجمعات السرية. إذا، هل كان المثقف العراقي البريء (وهي صفة غير مستحبة في حالة المثقف) غافلا أم رهين غفلة تاريخية تشمل حتي معرفته بوظيفته في المجتمع أو علي الاقل واجبه؟ لقد فجع المثقفون العرب بالمواقف المزرية بل المخزية التي اتخذها جزء عظيم من مثقفي الشتات العراقي من مسألة احتلال بلدهم. غير أن اولئك المثقفين لم يقرأوا هذه النتيجة الصادمة من جهة تعبيرها عن فشل مشروع الحداثة والتنوير في العراق. كانوا لا يريدون أن يصدقوا أن التحولات الفنية العظيمة التي كان العراق مصدرها والتي احدثت تبدلا كبيرا في الذائقة الجمالية والمزاج الثقافي العربي (في الشعر والغناء والعمارة والرسم) لم تتحول في العراق الي خبرة عيش، بل ظلت تتنقل مثل منشور سري بين عدد محدود من الافراد الهامشيين، وان صورة المثقف ظلت بالنسبة للناس العاديين مرتبطة بذلك الموقع الهامشي الذي يمكن الغاؤه في أية لحظة والقفز عليه من غير الشعور به. وحين تحول المثقف الي خادم للسلطة كان من قبلها جرب أن يكون خادما للحزب (وهو ما تجسده حالة جماعة حميد مجيد موسي من الشيوعيين العراقيين الذين يلحسون البسطال الامريكي منذ أكثر من أربع سنوات بلذة تحسدهم عليها أكثر العصابات الدينية التابعة لايران).2 فشل تاريخي صنع سيرة غير مشرفة جارحة ومخيبة لمثقفي الشتات العراقي. النظام الذي هزمهم وشردهم واقتلعهم صار اليوم في ذمة التاريخ، فلماذا لم يتخلوا عن رغبتهم في الانتقام؟ هذه الرغبة الشريرة هي التي جعلتهم ينسون الحقيقة التي يدركها كل البشر الاسوياء: الاحتلال جريمة. وحتي بعد أن فرخ الاحتلال جرائم جديدة ضد الانسانية علي شكل ابادات جماعية واغتصاب علني وهدم مدن وجثث في المزابل ومجاعات وحرمان وتهجير وفقر وبطالة وسجون مكتظة وعصابات طائفية تقتل علي الهوية ونهب علني للثروات، لا يزال هناك من يغمض عينيه عن قراءة السطر الاول في كتاب الكارثة العراقية: الاحتلال. يحار المرء في اية زريبة نشأ هذا البعض ومن أي مزبلة استخرج أفكاره؟ يناقشون كل شيء بأريحية تكشف عن انفعالهم الديمقراطي بالحالة العراقية ورغبتهم في تفكيكها والتعرف علي جذورها (البعض منهم اقام بأموال امريكية مراكز للبحوث والدراسات في غير مدينة عربية وأوروبية وهناك من أنشأ مجالس واتحادات لتطبيع ثقافة الاحتلال)، لكنهم أبدا لا يقتربون من الاحتلال. وهم في ذلك أشبه بالقارئ الحسيني الذي طلب منه صاحب العزاء أن لا يذكر بني أمية بسوء في قراءته، فقال القارئ متعجبا: هل أقول ان الحسين صدمته سيارة فمات؟ ما لم يفعله القارئ الحسيني ذاك يفعله مثقفون عراقيون كل لحظة. إنهم يتحدثون عما يجري في بلادهم بلغة التقارير الامريكية. لقد صدقوا أن عراقهم هو في حقيقته مفقص للدجاج الطالباني بل ان بعضهم صار يبحث عن جذور الظاهرة الصدرية في المجتمع العراقي وهناك من تخصص في شؤون العشائر العراقية. صار العراقي إن قتل بنيران القوات الامريكية ارهابيا، بل ان بعضهم صار يحث المحتل علي تنظيف البلد من الحثالات. في الحقيقة انهم يظنون أن تلك الحثالات هي التي حرمتهم من العودة الي العراق والتمتع بالرواتب العالية لقاء تعاونهم العلني مع المحتل. صار المجتمع العراقي فجأة من وجهة نظر هذا البعض طالبانيا وصدريا وصفويا. اما الاحتلال فلا ذكر له في ادبياتهم. ومع ذلك فانهم يذكرونك شفويا بطبيعة الحال أنهم أيضا ضد الاحتلال، مثلما هو الرئيس بوش تماما. غير أنهم في كتاباتهم يدرجون من يدعو الي مناهضة الاحتلال ومقاومته وطرده في قائمة الصداميين والبعثيين والتكفريين، بلغة المالكي والطالباني والجعفري والهاشمي وعلاوي والدليمي وسواهم من منفذي المشروع الامريكي. لا تفارق خطابهم في تحليل الحالة العراقية مجموعة الاكاذيب الامريكية التي انفقت من أجلها ملايين الدولات من غير أن يصدقها أحد. لن يجرؤ أحد منهم علي رؤية الفيلم الامريكي الذي عرض في مهرجان البندقية السينمائي وكانت عبير قاسم حمزة (فتاة المحمودية التي اغتصبها الجنود الامريكان وقتلوها وأحرقوا عائلتها) موضوعه. هم لا يفكرون بالعار الذي تحدث عنه الشاعر الراحل كمال سبتي في مقالته المهمة عارنا في أبو غريب فيما المثقفون الشرفاء في امريكا يسعون بكل السبل الي جرح الضمير العالمي من أجل ايقاظه ودفعه الي المساهمة في ايقاف هذه الحرب البشعة. هل تأخر المثقف العراقي كالعادة؟ المشكلة أنه لم يصل حتي الان ولا يفكر في الوصول أبدا. اليس حريا به أن يعلن ندمه، أن يشرع في التوبة، أن يطلب من الشعب العراقي المغفرة؟3كان احتلال العراق هو لحظة الحقيقة في المنطقة كلها، بل في العالم كله. ومعه قررت أمريكا أن تصنع صمتا يرافق أفعالها. ومن يخرق ذلك الصمت هو العدو. ولان العراق كان رأس الفريسة فقد كان علي المثقفين العراقيين أن يعيدوا النظر، لا بأفكارهم، فحسب بل وقبل كل شيء بلغتهم التي صنع من خلالها أجدادهم وهم مخترعو الكتابة أقداما للحقيقة. صدقنا أم لم نصدق فان العالم تغير منذ أن أعلن بوش حربه علي العراق وعلي العراقيين. لم يعد أي شيء مما عرفناه سابقا مناسبا لما انتهينا اليه في صورتنا العراقية الاخيرة، ضحايا لآخر الاحتلالات في التاريخ البشري. صار علينا أن نخترع ونكتشف كل شيء من جديد: الكتابة والدين والسحر والطعام والحب واللغة والرسم والجمال والجنس والوطن والعائلة والبراءة والأم والالم والسعادة والشقاء والابوة والتمرد والسفر والمنفي والحلم. صارت صفتنا كعراقيين تهبنا موقع الريادة والفتح في عالم مأزوم. (عبير) التي سكنت الضمير الانساني هي ابنتنا التي لن ينافسنا عليها أحد. والفلوجة التي هي هيروشيما المعاصرة هي مدينتنا وتل عفر التي يفخر بوش بسكونها لانها محيت هي واحدة من قرانا وابو غريب لا تبعد عن بغداد إلا بضعة كيلومترات وحديثة التي امتلأت شواطئها بالجثث هي ابتهال صيادينا علي الفرات. بعد أكثر من اربع سنوات من الاحتلال صنعت أمريكا لنا بلدا هو الاكثر قبحا في العالم، فهل الصمت يكفي؟ حتي هذه اللحظة لم يدرك المثقف العراقي ان القدر وضعه في قلب السؤال البشري. لا يزال هناك من يرسم، من ينحت، من يكتب الشعر والقصص، كما كان يفعل في مرحلة ما قبل الاحتلال، صاما اذنيه عن سماع الـ(طز) التي قالها صدام حسين في واحدة من جلسات محكمته المهزلة. وهي كلمة وجهها صدام الي الادارة الامريكية وعملائها غير أن رذاذها يغطي مناطق شاسعة من وجودنا. وما الثقافة العراقية إلا واحدة من كبري تلك المناطق التي تســـتحق الرجم واللعنة والاحتقار. ہ شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية