ياسمين مجديالعائلات تحمل دائماً ميراثاً ضخماً، تسلمه الأجيال بعضها لبعض ومن ثم تكتمل مسيرة العائلة، فيخرج بطل رواية ‘كما يليق بحفيد’ – للكاتب المصري أحمد قرني الصادرة عن سلسلة أصوات أدبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة – عن سكونه ليكتشف عالماً وتاريخاً طويلاً لجده، يأتي ذلك في سياق خروج البطل الحفيد في رحلة للبحث عن أوراق ثبوتية تثبت أن البيت الذي يعيش فيه مع والدته هو ملك لهم، ولم يبنه الجد بمجرد وضع اليد على الأرض. الصراع في الرواية بين الحفيد والحكومة التي تسعى لانتزاع البيت منهم، وبينه وبين التاريخ، وبينه وبين التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر على مدار فترات متعاقبة منذ ثورة 1952 وخلفت ندوبها في حياة البطل وعائلته.مفردات الرحلة مثل الأسطورة يحمل الجد ابنته ويخرج لبناء بيته في أرض خلاء، خالية من العمران تسمى ‘أرض الكيمان’، تلك الأرض المخيفة، المهجورة، المملوءة بالذئاب.. وحينما يكون الميراث بيت في هذه المساحة، سيكون على الورثة تحمل التاريخ الذي يسكن جدرانه، والذي احتفظ به البيت عبر سنوات تحولت فيها المنطقة من كونها مكاناً مهجوراً إلى منطقة سكنية مأهولة، وحينها تسعى الحكومة لانتزاع البيت وتحويله إلى مصلحة حكومية. يكتشف الحفيد في رحلته لإحضار أوراق امتلاكهم للبيت أن جده يوسف الواجدي ليس مجرد الرجل الذي عرفه في طفولته وهو يواجه الذئاب التي تهاجم بيتهم عندما يشتد بها الجوع، ولا هو الرجل الحنون الذي يلاعبه، فجده بطل قاوم الانكليز وتعلم من ظلمة المعتقلات مصاحبة الثعابين ومن ثم تحول إلى صياد ماهر يصطاد الثعابين السامة من الجبال. في سياق هذه الرحلة تتجلى شخصيات سحرية رافقت الجد، منهم حسين عقرب تلميذه، الذي تعلم على يديه صيد الثعابين، وأصبح الآن ‘صائدا محترفا يتردد عليه الباحثون من الجامعات وبعضهم يسأله ويدوِّن كل ما يقوله، والبعض يطلب منه اصطياد بعض الأنواع من الثعابين النادرة وهناك بعض مراكز السموم تتصل به لتوفير الأمصال ولتدبير سموم بعض الثعابين والحيات لها، ويقصده هواة تربية الثعابين وكذلك هواة مشاهدتها’.عالم النساءبينما يخرج الحفيد لإحضار الورق، يترك خلفه زوجته ولاء وأمه، والمرأة في الرواية تلعب دور الرفيق الحميم، لأن البطل تربي وحيداً مع أمه، فيبدو طوال الرواية أنه يكوِّن عالمه عبر شخصيات نسائية كثيرة تمر به.. يخلفوا أشياءً فيه، ويدور في فلكهم، وأحياناً أخرى يقرر التمرد عليهن ورفض عالمهن. الأم هي أول امرأة في حياته، البيت يمثل بالنسبة لها حياتها كلها ومساحة الانتظار الهامة، وانتزاع الحكومة له سيعني انتزاع كل المساحات الجميلة التي تنتظر تحققها، حيث تعيش الأم منتظرة ربما يعود أبوها (الجد) من الموت، أو يعود زوجها من الأسر بعدما وقع أسيراً في حرب 1967 وتخلت عنه القيادات: ‘إنها تريد أن تحتفظ بالبيت كما هو حتى يعود الاثنان من غيابهما. والآن هي تنتظر عودتي وأنا أحمل معي البشرى لها’. المرأة التالية هي سماح – زميلته في الجامعة – الثورية التي تتقرب من البطل لأنه تعتقده عميل للأمن، وتحاول كشفه، وبكل أحلامها الثورية تنهار وتهاجر لفرنسا عند اغتيال حبيبها في مظاهرة أثناء عهد السادات. ولاء هي زوجة البطل التي يكتشف أنها تدين بالبهائية، فتكون الصدمة الكبرى في حياته، وعلى مدار الرواية ينتقد البهائية، ويفند أحداثها التاريخية، ويكشف عن علاقات خفية بين مؤسسي البهائية والصهيونية.فرحة هي زوجة سعيد عقرب صائد الثعابين، وعبر شخصيتها الفطرية يكشف البطل عن التواصل الإنساني مع الطبيعة والشخصيات البسيطة التي تحمل رائحة الأرض، ففرحة ‘ تبدو مثل عود النبات الذي يشق الأرض الآن…. فارعة مثل نخلة وابتسامتها تظلك كشجرة التوت مليئة بالحياة مثل بئر الماء الذي لا ينضب أبداً كلما أخذت منه عاد وامتلأ’.وهذا الجانب الذي يربط البطل بالأرض، ربما هو ما يربطه أيضاً ببيته، الذي يقول عنه: ‘تسكن بجوار الأرض، تتسلق أحلامك جدرانه وهو ينمو داخلك يتحرك مثل طفل أمامك تراب يكبر’ فتعرف قيمة البيت التي لا يدركها سكان العمارات الشاهقة.شروق هي الفتاة التي يقابلها في الرحلة، وهي فنانة تشكيلية تعكس أيضاً الرباط الذي يحسه البطل بين الشخصيات والطبيعة: ‘إنها فقط تحب الحياة على فطرتها كما خلقها الله’.ختام الرحلةعبر أسطر الرواية تظهر هزيمة جيل شهد ثورة 1952 الكبيرة، لأنه جيل دفع ثمن أخطاء الحقبة، فالثورة كما منحت كل شيء أخذت كل شيء في الوقت نفسه، وخلَّفت ‘جيل الخيول التي في عنقها طوق حديد’… فهي البلد التي قاوم الجد لأجلها الإنجليز، ووقع الأب في الأسر وهو يحارب لأجلها ‘بعد أن تخلت عنهم قياداتهم وتركتهم في صحراء شاسعة بلا امدادات أو خطة انسحاب… وراحت تعلن التنحي على شاشة التليفزيون في مشهد مسرحي ميلودرامي.. هي البلد نفسها التي تسعى لانتزاع البيت’ لتضيفه إلى املاكها’ وفي نهاية الرواية تنتصر الحكومة وتنتزع البيت، لكن الرحلة لا تضيع هباءً، لأن البطل قد أتم الهدف من الرحلة، واكتتشف ذاته وميراث العائلىة الأكبر، فقبل تلك الرحلة كاانت تبدو حياته ‘كجدار صامت بلا فتحات’ ورحلة البحث عن أوراق البيت شقت الفتحات، وتركت التاريخ يتسرب، لتكمل العائلة مسيرتها. يكتشف البطل نفسه عبر تلك الرحلة ويكتشف معاني كبرى تخص الموت والزمن، فيقول عن الموت:’حين يحوِّل تلك الحياة المشتعلة داخل هذا الجسد إلى فراغ هائل بحجم الكون… هل هو نوع من الحياة لا نستطيع إدراكه بحواسنا المجهدة العاجزة التي لا تستطيع إدراك إلا ما هو محسوس فقط لذا نفارقه؟’ ليبدو الموت هو أحد الحقائق الكبرى التي تؤمن بها الرواية، لأننا ننتظر على مدارها عودة الذين ماتوا في أي لحظة فنتوقع رؤية الجد، أو ظهور الأب من جديد، ليبدو الموت عالماً موازياً له حياة تخصه.بشكل عام يمكن تصنيف تلك الرواية على إنها رواية سياسية تخوض في نقد الأجواء السياسية والتاريخية، ومراجعة مسيرة وطن وعائلة، تعرض لعدد كبير من الشخصيات.. تلك الشخصيات التي ظهرت عبر رحلة البطل وكشفت عن علاقاتها الخاصة بالزمن السياسي الذي ولى، منهم الذين قاموا بمظاهرات في عهد السادات، ومنهم السائق الخاص بالرئيس الأسبق محمد نجيب وغيرهم ممن عرضوا لهزائمهم. في سبيل ذلك اعتمد المؤلق عناوين سياسية طويلة للفصول، مثل: ‘هناك جثث كثيرة ملقاة في التاريخ لا يعرف أحد من قتلها’. يظهر في الرواية المجهود الذي بذله المؤلف أحمد قرني في جمع المعلومات عن البهائية وغيرها من التفاصيل التاريخية والخاصة بالشعر والفلسفة.يؤخذ على النص تكرار المعلومات والتوصيفات، حتى أن بعض الجمل تكررت بالصيغة نفسها. أيضاً يؤخذ على النص كون رفاق الجد في المعتقل يظهرون كأنهم جميعاً شخص واحد في رأس المؤلف واضطر لتقسيمهم لأكثر من شخصية لإثراء النص، فجميعهم مشتركون في أنهم مدركين تماماً للأحداث والأسرار، ويروون بعلم لتلك الأحداث، كما أن جميعهم يحبوا الشعر، ويروون تفاصيل كثيرة عن شاعرهم المفضل، كما أن البطل نفسه الذي يعترف أنه لم يقرأ كتاباً من قبل، يسرد تفاصيل عن الشاعر بتلر ييتس! يتشابه رفاق الجد أيضاً في خلطهم بين لحظات الوعي واللاوعي، وتماهيهم معها.لكن يمكن التبرير للمؤلف في التفاصيل الشعرية السردية بأنه نفسه يحب الشعر ـ فقد بدأ المؤلف أحمد قرني حياته شاعراً، ثم تبعها بإصدارات للطفل، وأخيراً كتب الرواية.روائية مصريةqadqpt