من القضايا التي دأب على تناولها، والوقوف عندها، الكثير من الدارسين، ونقدة الأدب؛ شعره ونثره، إشكالية المرجعيات وتوجيهاتها، سواء أكانت من التراث العربي أو غير العربي، القديم أو الحديث، الشعبي وغير الشعبي. وفي هذا السياق تأتي دراسة عبد المطلب محمود ـ من العراق ـ لهذه المرجعيات في شعر حميد سعيد الموسومة بعنوان لافت بما فيه من غرابة «كمن لا يعرف الشاعر» الصادرة عن دار كتب أدبية في بغداد 2020. وقد حاول المؤلف تفسير هذه الغرابة في عنوانه، فزعم أن القصد منه هو تناول شعر الشاعر تناولَ دارس لا يعرف الشاعر، مع أنه يعرفه حق المعرفة، أي أن هذا العنوان يراد منه ـ وفقا لهذا- أن يشهد للمؤلف على نزاهته، وتجرده من الميل والهوى، وبعده عن التحيز والمحاباة، على الرغم من أن الشاعر صديقه الأثير منذ أزمان، وليست علاقته به وبشعره حديثة العهد والأوان، فكأنه يبحث في هذه المرجعيات بحث من لا دراية له، ولا خبرة، بتجارب حميد سعيد، فجاءت هذه الدراسة بثمرة ناضجة طيبة يأمل أن ينتفع بها القراء، ممن قرأوا شعر حميد أو لم يقرؤوه، وبهذا تكتمل سعادته.
غير أن القارئ لا يفتأ يتعثر، من حين لآخر، بإشارت تطل من بين السطور تفضي إلى انطباع آخر ينفي عن الدارس صحة ما ادعاه، بأنه يدرس شعر الشاعر ومرجعياته التراثية دراسة من لا يعرفه، ولا يعرف شعره. فقد ذكر بعد هذا التوضيح مباشرة إعداده رسالة للماجستير عن التراث والحداثة في الشعر العراقي الحديث 1996، وقد ظفر شعر حميد سعيد بنصيب الأسد في تلك الدراسة، علاوة على أنه يشير في موضع آخر لتجاوزه ثلاثة من دواوين الشاعر المبكرة، مكتفيا بما قيل عنها في تلك الدراسة. وجاء في موضع ثالث، وفي حديث المؤلف عن علاقة الشاعر بمقهى خيخون في مدريد، وبمن كانوا يترددون إليه من الكتاب، أنه سمع من حميد نفسه حكاية عن هذا المقهى ورواده، ومنهم الأديبة الإسبانية ألكسندرة ابنة الرئيس الذي عزله فرانكو من منصبه، ملغيا النظام الجمهوري. وقد استعان بآراء الشاعر في غير موضع، ومن ذلك – على سبيل المثال – علاقته باللغة التي هي في رأي حميد علاقة تمليها قوانين سائدة منها؛ الإرث، والاكتساب، والمستوى التداولي، وهذا كله يغلب على الشاعر وغيره في مراحل العمر المتعاقبة والممتدة.
والواقع أن المؤلف لم يكن في حاجة ماسة لهذا التوكيد على نزاهته، وحياده، لأن حميدا ـ وإن كانت المؤلفات التي تدور حول شعره كثيرة، ومتعددة، إلا أنه لا يستكثر على المؤلف أن يدلي بدلوه في هذا، وأن يخصص كتابا كهذا الكتاب للبحث في توظيفه للتراث في شعره توظيفا لا يفرق فيه بين أن يكون أصيلا ممتد الشروش والعروق في الماضي السحيق أو مولدا منتشر الغصون والأفنان والذوائب في الراهن الحديث. وهذه السمة وحدها أي الجمع بين الأصالة ـ الأصيلة- والحداثة الحقة غير المستوردة، ولا المفتلعة، ولا المبهمة، قمينة بترجيح شعره على أي معايير أو مقاييس تحول دون أن يتفرغ الباحث لمهمة جليلة قيمة كهذه المهمة، وهي البحث في المرجعيات التراثية في شعره.
ومن يقرأ الكتاب، بفصوله الأربعة، وما فيها من النبش في متون القصائد والدواوين بحثا عما يسميه المؤلف مرجعيات تراثية، مع الوقوف عندها وقفة الممحِّص، والمؤول، يقدر- بلا ريب – الجهد الكبير الذي بذله المؤلف، ويقدر له ما أفاده من علاقته الحميمة بالشاعر، إن كان الأمر على المستوى الشخصي أو الثقافي أو الاجتماعي، بوصفه عراقيا يعرف كل صغيرة وكبيرة في التراث العراقي، الذي هو الحاضنة الطبيعية التي نشأ فيها حميد ونشأ فيها شعره. فعلى مستوى العلاقة بالتراث العربي والتراث الديني، لا نظن أن ما في شعر حميد سعيد ما يصعب على أي دارس غير عراقي إدراكه أو الإحاطة به، إلا أن في شعره ومضات من التراث العراقي قد تخفى على من ليس عراقيا، بل على من ليس من بيئة الشاعر نفسه، فالمؤلف يقف بنا عند رموز مرجعية مقتبسة من التراث البابلي والسومري، موردا بعض الأبيات التي نجد فيها مزجا بين العهد القديم والأساطير السومرية، ويقدم لنا تفسيرا لكثرة التواتر في شعر حميد سعيد، مذكرا بأن هذا التواتر الإنشادي جزء لا يتجزأ من البناء الملحمي في الأساطير الموروثة من عهد بابل وآشور يقول:
السلام على سيد يتراءى
غير ما يتراءى لصاحبه
والذي سيحاول ثانية
ويحاول ثالثة
ويحاولُ…
وهو مع هذا لا يفتأ يحاكي إيقاع القصيدة السومرية، بما فيها من تكرار يعبر عن تدفق الانفعالات. وحرص المؤلف على تتبع هذا كشف لنا عن الجانب المعرفي الثري للشاعر، سواءٌ في ما يتعلق منه بالتراث العربي الغني أو ما يتعلق بالأغاني القديمة والمقامات والموسيقى والفنون والحكايات والأساطير والملاحم السومرية ككلكامش وغيرها، فضلا عن الأساطير من سامية وإغريقية تحيلنا لمصادر متعددة من الثقافات يحقق غايتين، الأولى هي الكشف عما لدى الشاعر من رصيد ثقافي ثري.. ولا ريب في أن المؤلف بلغ في هذا الجانب ما أراده ، فالقارئ يقف من قراءته للفصول على مادة كبيرة قد لا يجدها في غير هذا الكتاب. وأما الغاية الأخرى فهي الأقرب إلى حوافزه التي قادته لتأليف هذا الكتاب.
ونعنى الإجابة عن السؤال كيف تمكن حميد سعيد من تحويل رصيده المعرفي هذا إلى قصائد، لحمتها التجارب النفسية والوجدانية، وسداها الإحساسات العاطفية تجاه الكون، والمرأة، والوطن. فجاءت قصيدته في الغالب الأعم مزيجا من مكونات هذا الرصيد المعرفي، فهي مشهد بانورامي غنائي سردي- أوبريت – قابل للأداء المسرحي، وأجزاؤه لا تخلو من الجانب الغنائي، يشهد على ذلك:
غاب الرسام عن المشهد
وارتبك المشهد، لم يبق على اللوحة
غير ضجيج الألوان
وغابت عنها الألوان
فرّ من الحقل البيبون وشاح الريحان
ما كان بلادا
أصبح في اللوحة ظلا
مزقه الأقنان
وليس ثمة من هو أكثر كفاية من عبد المطلب على فهم بعض الإشارات الكامنة في شعره. فمن هو الذي يستطيع أن يلمح ما في الأبيات المذكورة من إشارات للمطربة العراقية الراحلة سليمة مراد وأغنيتها المشهورة يا نبعة الريحان. ومن هو الذي يستطيع أن يلمح ما في القصيدة من إيماءة تذكرنا بالمطرب الراحل حضيري أبو عزيز، وهو يغني (عمي يا بياع الورد قل لي الورد بيش.. قل لي) ومن هو الذي يستطيع التعرف على ما في القصيدة من إشارة لمقهى العزاوي، وإحدى الأغاني المشهورة عراقيا (يا قهوتك يا عزاوي.. فيها المدلل زعلان) أو أغنية فرط الرمان.. أو الليالي البغدادية )يا صياد السمك.. صيد لي بنية) فولع حميد سعيد المبكر بالغناء الشعبي، وبالموروث الحكائي، وبالموسيقى، وبالفنون على اختلافها، أكبر الأثر في نسيجه الشعري، هذا الذي يشبه نمنمات أرابسكية على رقعة من الرقش العربي.. أندلسي أو غير أندلسي.. ألم ينشر الشاعر ديوانا بعنوان من أوراق المورسكي؟ ومن هو هذا المورسكي؟ أليس هو الأندلسي الذي بقي في بلاده بعيد التسفير والترحيل القسري وزفرة العربي الأخيرة:
نجمةٌ
تقود خطاي إلى بيت مولايَ
يرسم السيد المشرقيُ بابا
على صفحة من كتاب قديم
ويفتحه
يتقحم أندلس المدونة المغربية
في خطها الشجري
الزمان الذي كان يبحث عنه
لياليه من عسل أسود
والنهارات من كهرمان شفيف
ففي مثل هذا الشعر تتجلى هذه اللغة التي تجمع إلى غرائبية التصوف لمسات الريشة من فنان تشكيلي، ولمسات خطاط يزخرف كتابا، وإيقاعات متناغمة تندّ عن حروفية وأصوات يجري انتقاؤها بعناية: نهارات، شفيف، خطها الشجري، السيد المشرقي.. عبارات تؤكد هذه الرشاقة في الأسلوب والبساطة في النظم. وللمؤلف ولع واضح بالربط بين البيت، أو اللفظ بما يقابله من الشعر القديم، أو القرآن، فهو كثيرا ما يحيل القارئ لنصوص وابيات وأسماء هي في رأيه من الأمور أو المرجعيات، التي حفزت الشاعر لتضمين شعره شيئا يذكرنا بها، ويحيلنا إليها، فإن وردت كلمة عرار مثلا في أحد أبياته ذكرنا المؤلف بقول الشاعر:
تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
وهذا شيءٌ يكثر في الكتاب كثرة أحالته إلى نثار من الاقتباسات، ومجاميع من الإحالات للمصادر، والمراجع. ومع ما في ذلك من دلالات على عظم الجهد المبذول، إلا أنه مع كثرته التي تجاوزت المعقول، والمقبول، يسفر عن نتيجة عكسية، فبدلا من أن يعبر عن مزية الشاعر التي يتفوق بها على اقرانه تغدو دليلا على أن الجيد من شعره مدين فيه لهذا الشاعر أو ذاك، وكأنه يجرد الشاعر من الإبداع تجريدًا. مع أن هذا ليس من غاياته، ولا من أهدافه التي قام من أجلها بإعداد الدراسة، بل هي نتيجة ينسحب عليها قول المتقدمين: الإفراط في الشيء كالتفريط به، فإفراطه في الحديث عما في شعر حميد سعيد من اقتباسات تعود في أصولها لمرجعيات تراثية تفريط بما في شعره من أبداع متفوّق ، ومن ابتكار متألق.
٭ ناقد وأكاديمي من الأردن