كم تدوم الابدية؟

حجم الخط
0

كم تدوم الابدية؟

صباح زوينكم تدوم الابدية؟قرأتُ في احدي الصحف الألمانية قبل أيام هذا السؤال، وهو بمثابة خاطرة خاطفة، “كم تدوم الأبدية؟”. فكرة رائعة، أحببتها، وجعلتني أفكّر بها بقوة، ما دفعني إلي الكتابة عنها. لستُ أعرف ما الذي حفزته فيّ تحديداً هذه الخاطرة، لكني شعرتُ بأنه تساؤل حاد وطريف وعميق في الوقت ذاته، تساؤل وضعني، كما قد يضع أي إنسان يقرأها ويتفاعل معها، أمام إشكالية الزمان والمكان بامتياز. لستُ أدري، ومن يدري (؟!)، كم تدوم الأبدية! هنا يكمن مأزق الإشكالية أو السؤال. وأهْوَن السبل هو أن نقول أن الأبدية تدوم مقدار ما تدوم الأبدية! كتفسير الماء بالماء؟ ربما. لكن هذا التفسير قد يأخذنا إلي فكرة النسبية، ومن هنا، يمكنني القول، بكل حرية، أن أي لحظة وجيزة قد تمنحني الشعور بالأبدية، فوقت الحب يمنحني إمكانية الغرق في الأبدية، ووقت التأمل وبرهة الإتحاد الصوفي بالخالق يضعني في زرقة الأبدية، وكل ما يمكن أن يؤمّن لي (ولنا) سبل الشعور بالسلام الداخلي هو قادر علي إيصالي الي شواطئ الأبدية الذهبية. لكن هذه الأبدية هي من النوع الذي لا يدوم طويلاً، إذ كما نعلم، السعادة مهما طالت تبدو لنا قصيرة الأمد وسريعة الزوال. إذ ثمة أبدية أخري، تلك التي نشعر بها في أوقاتنا الصعبة والحرجة، حيث الدقيقة تبدو لانهائية، وكم من مرّة شعرنا بها في حياتنا وأرتعبنا من فكرة استمرارها. ففي أوقات كهذه كم يبدو الألم طويلاً والحزن قاتلاً وكأن الحياة تنتهي عند حلولهما لكي يستقرّا فينا الي الأبد.عودة الي السؤال الاساسي، ورداً عليه، دوام الأبدية ليس دائماً متساوياً، والأبدية ليست واحدة. فمن جهة أخري، كم من أمكنة تمنحنا ذلك الشعور بالأبدية، مثلاً مكان ذاكرة لقاء جميل، أو أيضاً مكان زعلٍ وافتراق، أو مكان أثري تاريخي بحيث يبدو وكأن القرون تمرّ والوقت لا يؤثّر فيه ولا يبدّله أو لا يُضعف من رونقه وأهميته وأقول هذا لأن أمكنة التاريخ أعشقها وتسحرني. لكن ثمة مكان آخر، وهو الأهم في حياة البشرية، وقد يتجاوز مكان الحب الكبير أو ربما يضاهيه، الا وهو مكان الطفولة الذي يمتزج بزمان الطفولة ليصيرا حالة واحدة. تلك الطفولة بالكاد نعيشها عشر أو اثني عشر سنة، لكي تصبح، مع الوقت، زمناً أبدياً! فالسنوات القليلة تلك، نمرّ فيها خلال طفولتنا بكل خفّة، لكننا ودون أن ندري نكون قد فتحنا حينها باب الأبدية علي مصراعيه. أعتقد أني دخلتُ الأبدية خلال تلك السنين الذهبية لكي أخرج منها في ما بعد فأعيش حياتي الواقعية، اليومية، في انتظار المرحلة الثانية من الأبدية، وهي المرحلة التي نموت فيها فنغيب عن الدينا الموقتة. هل هي حقاً مجزّأة، الأبدية؟ لا أظنّ ذلك، إنما ما أظنّه هو أنها واحداً احداً، وأنها مرحلة طبيعية ومتواصلة، ولا نموت بالتالي سوي لكي نربط البداية بالنهاية، أي الطفولة الغاربة بالموت الحاضر. وليس الوقت الآخر، الوقت الفاصل بين تلك وذلك، سوي الواقع الوهمي الذي نلتهي فيه عن بديهياتنا. هذا الواقع الوهمي هو الذي نكتب فيه ونرسم صوراً نلوّنها بأيدينا القلقة، ومن الشمس والبنفسج والعلّيق والوزّال في أعالي الجبال نسحب الألوان المائية البهية ونملأ بها لوحاتنا الأزلية، أو منحوتاتنا التي أعشق حجرها الأبدي، وأكتب الوجه المتواري وأكتب اليد والأشكال الهاربة إلي مكان الأزل. كم تدوم الأبدية؟! لست أدري، لكني علي يقين بأن الوهم بحجم هذه الأبدية وواقعي ليس سوي حرف ورمز، ولو أني أحياناً أعيدهما الي خارج الورقة ليتحوّلا عشباً وماءً وصنوبرةً وسماءً في زجاج نافذة.هذه قصة يسردها الليل لي ثم الصباح يمحوها الي ما لا نهاية. فالأبديات كثيرة وهي علي أنواعها تتفتّت عند اصتدامها بحجر الواقع الصلب، صلابة الوهم، وهل نعيش خارجه؟!لكن ما هي الأبدية؟ وما هو الواقع؟ وما هو الوهم؟ إنها كلها في النهاية مجرّد كلمات. يقول زيدارتا لصديقه غوفندا في رواية هرمان هيسيّه الشهيرة “زيدارتا”: “ليس هناك من شيء هو حقاً النرفانا. ثمة فقط مفردة نرفانا”. فيجيب غوفندا: “نرفانا ليست مفردة فحسب، إنما هي فكرة”. ويقول زيدارتا بدوره: “لا أميّز حقاً بين الأفكار والكلمات. إني أؤمن اكثر بما نلمسه…”.وأنا أؤمن أكثر بما نفعله، بما نقوم به وما قمنا به، وننقله من ثم كلماتٍ إلي الورقة، لكن علينا أن نكون عشناه حقاً. عشنا الطفولة، وقت الأبدية ذلك، فنحملها في ذاكرتنا طوال حياتنا كقوت وزاد نملأ بهما الخواء الذي نقع فيه اثناء دخولنا الوهم، وهو كثير. الأبدية هي بصماتنا المتوهجة ألماً نتركها خلفنا، صورةً عنا، مرآةً تعكسنا إلي ما لا نهاية في زرقة الأزل، ذلك الفضاء الذي رأيتُ مرّة فيه انعكاسات جسدي ولا تزال الصورة في عيني. جسد أثيري، يشعّ نوراً، جسد لا أطراف فيه إنما كتلة ذهبية منعكسة في فضاء الزرقة النقية، أو الفضاء الرمادي، أو أيضاً الغائبة عنه الألوان، إذ لا قعر له ولا تخوم. الأبدية هي أن نكتب من صلب هذا الواقع، أي أن ندوّن أحرفنا في ذاكرة قادمة من ذلك المكان غير الوهمي، من مكان يسكن في وقتنا وفي جسدنا، ثم يخرج إلينا، إلي الفضاء الأرحب ليعيدنا إليه ناصعي البياض وغريبين عن أي كتابة، عن أي خطأ، أعني خطأ الكتابة.وليس الإبتعاد عن خطأ الكتابة سوي الكتابة بذاتها، سوي إعادة ارتكاب هذا الخطأ، سوي الوقوع دائماً في قعرها! الأبدية هي أن أري أسلوب كتابتي من خلال ما عشته، أن أصنع لغتي وطريقتها من المضمون الطالع من جوفي.شاعرة من لبنان0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية