كم من الدم والمعاناة سيحتاج زعماء اسرائيل وفلسطين قبل أن يصلوا الي المكان الذي وصل اليه الشعبان؟
كم من الدم والمعاناة سيحتاج زعماء اسرائيل وفلسطين قبل أن يصلوا الي المكان الذي وصل اليه الشعبان؟ وقف النار بين الاسرائيليين والفلسطينيين اذا ما صمد، هو الخطوة الاولي. بعدها ستأتي علي الاقل ثلاث خطوات اخري: تحرير السجناء والاسري، تشكيل حكومة فلسطينية جديدة لا تتبني تصفية اسرائيل بل التعايش معها وبدء مفاوضات سلام اسرائيلية فلسطينية شاملة.فهل ستتم قريبا الخطوة الثانية، الثالثة والرابعة؟ الامر منوط بثبات الخطوة الاولي ـ وقف النار. توجد فرصة في أن يكون الفلسطينيون قد تعلموا الطريق الصعب بأن قصف البلدات الاسرائيلية لا يدفع الي الامام استقلالهم، فيما أن الاسرائيليين تعلموا بأنه بالحملات العسكرية الواسعة لا يسكتون الفلسطينيين. توجد الان مؤشرات علي أن حكومة حماس وصلت الي طريق مسدود لانها لم تجلب علي الفلسطينيين فقط حصارا دوليا واسرائيليا، معاناة متواصلة وضحايا عابثة. بل ان هناك مؤشرات علي أن حكومة اسرائيل فهمت بأنه لا توجد حلول احادية الجانب، ولا مفر من محاولة التوصل الي اتفاق. قوي لا بأس بها ـ قوي المتزمتين في الطرفين ـ تواصل اثارة النوازع ورفض كل حل وسط علي اعتباره انهزاميا وكل مفاوضات كمؤشر علي الضعف. متزمتون فلسطينيون يتطلعون الي مواصلة الكفاح المسلح حتي تصفية دولة اسرائيل. متزمتون اسرائيليون يطالبون حكومة اسرائيل باعادة احتلال قطاع غزة والانصراف التام عن فكرة اخلاء الاراضي المحتلة. الدائرة الدموية الاسرائيلية ـ الفلسطينية والاحساس بانعدام المخرج من هذه الدائرة تدفع الي اليأس بالمعتدلين في الجانبين. ضعف اولمرت وابو مازن يشدد هذا اليأس. أجواء من وهن اليدين يلف الكثير من رجال السلام، ممن يشعرون بأن التطرف نجح في اغراق فرص السلام بالدم. ولكن هذا الوهن، الاحساس بانعدام الوسيلة هذا، يشدد فقط تطرف المتطرفين في الجانبين. أولم يملأ مؤيدو السلام الميادين قبل بضع سنوات فقط، واسقطوا حكومة شامير، اسقطوا حكومة نتنياهو وفتحوا بوابة لخطوة الاعتراف المتبادل بين الشعبين. في الانتخابات الاخيرة ـ قبل أشهر قليلة ـ رفع مؤيدو السلام الي الحكم حكومة وسط ـ يسار رسمت علي علمها هدف الانصراف الاسرائيلي احادي الجانب من معظم الاراضي المحتلة. وها هو في أعقاب هجوم حزب الله علي اسرائيل شرعت حكومة الوسط ـ اليسار هذه بحملة عسكرية في لبنان، وجعلت ما كان ينبغي له ان يكون حملة قصيرة، محدودة وعادلة الي حرب طويلة وبائسة، فقدت في أعقابها هذه الحكومة الرغبة في التقدم نحو السلام مع الفلسطينيين، وفي واقع الامر فقدت كل رغبة غير الرغبة في مواصلة البقاء في السلطة. اما الفلسطينيون من جانبهم، يقودهم حكم الاقلية من حماس نحو مواقف قتالية متطرفة غير مستعدة للاعتراف بمجرد حق اسرائيل في الوجود، مواقف مشابهة لتلك التي اوقعت بالشعب الفلسطيني الكارثة الكبري في عام 1948.ولكن لعله في واقع الحال في هذه الايام يلوح تغيير في الطرفين. الاحساس بالمأزق والهلع من الدائرة الشريرة المغلقة يسود علي ما يبدو الطرفين. واذا ما صمد وقف النار حقا، واذا ما جاء في اعقابه تحرير للسجناء والاسري وتشكلت حكومة فلسطينية براغماتية ـ فيحتمل أن نكون نقف امام خطوة جديدة: ليس مؤتمرا دوليا آخر ما هو مطلوب لنا، ليس مشاريع سلام اوروبية جديدة بل مفاوضات مباشرة بين الطرفين. مفاوضات علي ماذا؟ ليس علي انطواء آخر أو هدنة أو تهدئة اخري بل علي اتفاق ثنائي شامل وعام لحل كل عناصر حرب اسرائيل ـ فلسطين. ماذا سيكون في هذا الاتفاق؟ بالذات هنا يكمن الامل: فهو يكمن في أن الاسرائيليين والفلسطينيين علي حد سواء باتوا يعرفون في أعماق قلوبهم ماذا سيكون عليه هذا الاتفاق ويعرفون أيضا ما لن يكون فيه. وحتي المعارضون في الجانبين باتوا يعرفون عميقا في قلوبهم بانه في هذا الاتفاق ستكون دولتان، اسرائيل وفلسطين، في حدود 1967 في ظل تعديلات متبادلة. وستكون عاصمتان في القدس. ولن يكون حق عودة مثلما لن تكون معظم المستوطنات. الشعبان باتا يعرفان هذا. فهل هذه المعرفة تفرحهما؟ بالتأكيد لا. وهل يوم تطبيق الاتفاق المحتم هذا سيخرج الاسرائيليون والفلسطينيون الي الميادين للرقص؟ بالتأكيد لا. الحديث يدور عن حل وسط أليم وعن شد علي الاسنان. ولكن الانباء الطيبة هي أن الشعبين باتا يعرفان بان هذا الحل الوسط لا بد سيأتي في نهاية الطريق. كم من الوقت، كم من المعاناة، كم من الدم الزكي سيحتاج زعماء اسرائيل وفلسطين قبل ان يصلوا الي المكان الذي وصل اليه الشعبان، بقلب ثقيل؟ وقف النار، اذا ما صمد، لعله الضوء الاول في نهاية النفق المظلم. عاموس عوزكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 27/11/2006