أوتاوا ـ «القدس العربي»: يتزعّم نشطاء في الجاليات العربية والإسلامية في كندا حملات مجابهة تعليم المواد الجنسية، وبالذات المتعلقة بتعليم المثلية في المدارس الابتدائية العامة، وذلك بعد أن بلغ هذا التوجه الحكومي مستويات متقدمة تشجّع الأطفال القُصَّر على القيام بعمليات تغيير جنسهم، بدون اشتراط إبلاغ الوالدين بذلك، وهو ما يلغي حقوق الأبوين في تربية أبنائهم وفقا للمعتقدات الدينية والخلفيات الثقافية التي يؤمنون بها.
وتوجّت هذه الحملة المناهضة لتعليم المثلية بالمسيرة التي أطلق عليها «مسيرة المليون متظاهر مع حقوق الأطفال» التي أقيمت بشكل متزامن في كبرى المدن الكندية في العشرين من أيلول/سبتمبر المنصرم، والتي كانت أكبرها في العاصمة الكندية أوتاوا، وحظيت بتفاعلات كبيرة من قبل الإعلام والنشطاء الكنديين، بين مؤيد ومعارض لها، خاصة وأنه شارك في هذه المسيرات متظاهرون من خلفيات دينية مختلفة، مسلمون ومسيحيون ويهود ومن أتباع المعتقدات الأخرى، وبالذات الشرقيين، على الرغم من وقوف الحكومة الكندية بصرامة تجاه هذه المسيرات المطالبة بـ«ترك الأطفال لشأنهم» واحتفاظ الآباء بالحق في تربية أبناءهم.
رفع نشطاء هذه الحملة شعارا محايدا وهو «اتركوا أطفالنا وشأنهم» بالإضافة إلى المطالبة بالاحتفاظ بحقوق الآباء في تربية أبناءهم، وذلك حتى لا توصم هذه المظاهرات بأنها تحمل خطاب كراهية أو تحرض على العنف ضد المثليين، والذين يكفل لهم القانون الكندي حقوقهم الكاملة في الحماية والعيش بسلام، بل وتكفّلت الحكومة الكندية بدفع مبلغ 75 ألف دولار كندي لكل من يرغب في إجراء عملية تغيير جنسه على الرغم من الأزمة الكبيرة في خدمات الرعاية الصحية في البلد.
الإعلام الكندي الموجّه لم يستطع تجاهل هذه المظاهرات، التي خرجت بشكل حاشد في أغلب المدن الكندية بدءا من أوتاوا وتورونتو ومونتريال في شرق البلاد وانتهاء بكالغاري وفانكوفر في غربها، ولكنه حاول تصويرها بأنها ضد حقوق «مجتمع الميم» في محاولة لتحريض الحكومة ضد القائمين على هذه الحملة، والتي أعلنت العديد من الجمعيات الإسلامية الكندية، في بيانات رسمية، عدم وقوفها وراء هذه المظاهرات، تفاديا لأي عقوبات حكومية ضدها.
وتفاجأ الكثير من المتابعين بقيام رئيس الحزب الديمقراطي الجديد، الحليف مع الحكومة، جاكميت سينغ، بالمشاركة في مظاهرة متزامنة لدعم المثليين أمام مقر البرلمان الكندي في أوتاوا، لإبراز مستوى الدعم الحكومي للمثليين، بالإضافة إلى خروج رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو بخطاب شديد اللهجة ضد المظاهرات المطالبة بالابتعاد عن «استدراج الأطفال» نحو المثلية والمناهضة لتعليم المواد الجنسية في المدارس الابتدائية.
وحظيت قضية مناهضة تعليم المواد الجنسية في المدارس بحماس كبير من قبل المحافظين في مختلف الديانات وتوحدت جهود النشطاء المجتمعيين لأول من الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية وغيرها حول هذه القضية التي يعتبروها مخالفة للفطرة البشرية قبل أن تكون مخالفة للتعاليم والمعتقدات الدينية التي يؤمنون بها.
وقال رئيس الوزراء الكندي في تعليقه على المظاهرات المناهضة لتعليم المواد الجنسية «اسمحوا لي أن أكون صريحا جدا، وهو انه لا مكان لرهاب التحول الجنسي، ورهاب المثلية الجنسية، ورهاب مزدوجي التوجه الجنسي في هذا البلد. نحن ندين بشدة هذه الكراهية ومظاهرها، ونقف متحدين لدعم الكنديين من هذه الفئة في جميع أنحاء البلاد ونقول لهم: أنتم صالحون ومقدَّرون».
وقوبل هذا التعليق الحكومي بصدمة كبيرة لدى الكثير من المواطنين الكنديين وبالذات المهاجرين الجدد الذين كانوا يعتقدون أن كندا تعد جنّة الحريات الدينية والذين اضطرتهم عمليات القمع للحريات في بلدانهم الأصلية إلى الهجرة واللجوء إلى كندا، كإحدى الوجهات المفضّلة عالميا في هذا المجال.
شيطنة الآباء
وعلّق زعيم حزب المحافظين الكندي المعارض بيير بوليفير على خطاب رئيس الوزراء حيال المظاهرات المناهضة لتعليم المواد الجنسية بقوله «إن جاستن ترودو يتصرف دائما لصرف الأنظار عن كل ما دمّره، وهذه المرّة يقوم بشيطنة الآباء المعنيين بتربية أبناءهم». وأضاف «يجب ان يكون الآباء السلطة النهائية على القيم والدروس التي يتم تعليمها للأطفال، ويجب على ترودو أن يبتعد عن التدخل في ذلك».
واضطرت العديد من الجمعيات الدينية إلى كسر جدار الصمت وإعلان موقفها صراحة من مخاطر التوجهات الحكومية حيال تعليم المواد الجنسية للأطفال، وفي مقدمة ذلك جمعية المسلمين الكنديين «MAC» التي تعد كبرى الجمعيات الإسلامية في عموم كندا، حيث أعلنت في بيان لها «تدين جمعية مسلمي كندا بشدة التصريحات بشأن الاحتجاجات الأخيرة التي أدلى بها بعض السياسيين، بمن فيهم رئيس وزرائنا ترودو، وكذلك التصريحات الصادرة عن مجالس المدارس والنقابات والتقارير الواردة في بعض وسائل الإعلام».
ودعت الجمعية مجالس إدارة المدارس والساسة الكنديين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء ترودو، «إلى التراجع عن تعليقاتهم المثيرة للخلاف والانقسام (المجتمعي) وإصدار اعتذار لآلاف الآباء الكنديين الذين تضرروا من هذه التعليقات».
وأوضح البيان انه «من خلال وصف الاحتجاجات السلمية لآلاف من الآباء المعنيين بأنها بغيضة، فإن القادة الكنديين ومجالس إدارة المدارس يشكلون سابقة خطيرة تتمثل في استخدام موقع نفوذهم لتشويه صورة الأسر بشكل غير عادل، وتنفير عدد لا يحصى من الطلاب».
وأضاف انه في يوم الأربعاء 20 أيلول/سبتمبر احتج آلاف المسلمين، وانضمت إليهم جماعات دينية أخرى، للتعبير عن مخاوفهم بشأن التعليم الجنسي، مطالبين بحقوقهم كآباء فيما يتعلق بتعليم أطفالهم وكان هدفهم هو الاستماع إلى صوتهم، وليس زرع الفرقة، وأنه «يجب أن يكون للوالدين الحق المطلق في الدفاع عن رفاهية أطفالهم».
وذكر ان تصريحات القادة السياسيين الكنديين ومجالس إدارة المدارس تزيد من احتمالية مواجهة الأطفال المسلمين للتنمر والمضايقات المتزايدة في المدارس، سواء من قبل المعلمين أو أقرانهم، وهو اتجاه يتصاعد بالفعل بشكل مؤلم.
وكشفت المنظمة الإسلامية التي تدير العديد من المراكز والمدارس الإسلامية ان منظمات الحقوق المدنية والمنظمات الإسلامية في جميع أنحاء كندا قامت بتوثيق العديد من الانتهاكات الموثقة التي توضح المواقف التي تم فيها إجبار أطفال على القيام بأنشطة تتعارض مع عقيدتهم، أو تعرض آباء من الذين يعلمون القيم الدينية لأبنائهم لهجوم غير عادل.
وكنتيجة للحملة المستمرة لمناهضة تعليم المواد الجنسية في كندا والحملات المضادة لها أيضا من قبل مؤيدي «مجتمعات الميم» المدعومة بقوة من الحكومة، تزايدت المخاوف الرسمية، وبالذات لدى مجالس التعليم المشكلة من مختلف الخلفيات الثقافية والدينية، من احتمالية الانقسام المجتمعي إثر تصاعد نشاطات التنمّر وخطابات الكراهية ضد البعض واحتمالية تحوّلها إلى موجات عنف مجتمعية في المستقبل.
وما زال حجم هذه المشكلة يتصاعد وينذر بارتفاع مستوى التحديات التي تواجه الجاليات العربية والمسلمة في كندا، إثر الموقف الحكومي المتشدد في مؤازرة ودعم «مجتمع الميم» ورفض أي مطالب مجتمعية بإلغاء مادة التعليم الجنسي في المدارس العامة بكندا.
وقال فريق العمل للقادة المسلمين في مدينة أوتاوا في بيان له «لا يزال القلق والخوف والإحباط مسيطرًا على العائلات التي لديها أطفال في المدارس، ولاسيما بعد الاحتجاجات الأخيرة».
موضحا أن العديد من العائلات شعرت بمخاوفها على أطفالها وأن مشاركتها في الاحتجاجات والتعبير عن مخاوفها أصبح واجبًا عليها، مع التأكيد على أنه لا أحد يرغب في تقويض حقوق الأفراد المنتمين لـ«مجتمع الميم» ولكنهم يرغبون فقط في التعبير عن مخاوفهم ووجهات نظرهم حيال تعليم أطفالهم في المدارس العامة.