كنعانيو لبنان ودورهم في تطوير وتحضر المغرب العربي
مجيء الكنعانيين اللبنانيين من صور وتأسيسهم لحضارة قرطاج كان عملا حاسما في تمدن الجماعات البربريةحنا بعل واجه الامبراطورية الرومانية.. والقرطاجيون عبروا الصحراء الكبري ثلاث مرات ووصلوا لسواحل امريكاكنعانيو لبنان ودورهم في تطوير وتحضر المغرب العربيد. عثمان سعديہہ بمناسبة الانتصار العظيم الذي حققه اللبنانيون وعلي رأسهم أبطال حزب الله بقيادة القائد الملهم حسن نصر الله، رأيت أن انشر هذه الدراسة التاريخية التي تبين أن كنعانيي لبنان المعروفين تاريخيا بالفينيقيين، انطلقوا من مدينة صور في بداية الألف الثانية قبل الميلاد نحو المغرب العربي، وعملوا علي اخراج سكان المغرب الأمازيغ ـ البربر الذين هم عرب قحطانيون من العصر الحجري، وأدخلوهم للتاريخ. كما سأحاول القيام بمقارنة بين ملحمة حنا بعل الكنعاني التي أدارها في أوروبا مخترقا جبال الألب في القرن الثاني قبل الميلاد، ملحقا الهزائم بجيوش رومانية تتفوق علي جيشه عددا وعدة؛ وبين ملحمة حزب الله سنة 2006، وكيف تلتقي الشخصيتان حنا بعل وحسن نصر الله في الكثير من الصفات، ويبرهن هذا التلاقي أنهما يعودان الي أرومة واحدة وهي الأرومة الكنعانية العروبية. ومصطلح العروبية يحل محل مصطلح السامية الذي تخلي عنه علماء التاريخ، لعدم علميته ولتأسيسه علي أسطورة. يقول المؤرخ الفرنسي بيير روسيه: كل شيء يمكن أن يكون بسيطا، لو أننا بدل أن نتحدث عن الساميين ـ الأبطال الوهميين ـ نتحدث عن العرب، عن الشعب الذي وجد في الواقع، له كيان اجتماعي وثقافي ولغوي دائم، الشعب الذي منح الحياة والتوازن للبحر المتوسط منذ آلاف السنين . (1) وأحب أن أوضح أنني كأمازيغي ـ بربري عربي قحطاني، أنشر هذا البحث الذي هو جزء من كتاب لي تحت الطبع، عنوانه (الجزائر في التاريخ).يتفق المؤرخون علي أن من أدخل أساليب الحضارة للمغرب هم الكنعانيون الفينيقيون. فقد علموا البربر كما علموا شعوب البحر المتوسط الكتابة الهجائية المنظمة، كما أن التبادل التجاري الذي طوره الفينيقيون، وابتكارهم لأساليبه خارج الحدود الاقليمية لكل شعب بل لكل قبيلة، كان السبب في توسيع الاستقرار بالمغرب وحوض البحر المتوسط، عن طريق ارتباطه بالانتاج الصناعي، أي الحرفي اليدوي، والنشاط الزراعي، يقول رشيد الناضوري: ففي المغرب القديم كانت بداية العصر التاريخي بداية خاصة. فقد كان البربر يعيشون في شكل قبلي مستقر، ويعتمدون علي الرعي، والزراعة الي حد ما، في حياتهم المنتمية لمرحلة العصر الحجري الحديث، الي أن جاءت السفن الفينيقية في شرقي البحر; والمحيط الأطلسي، وبدأت محاولات من الطرفين: البربري والفينيقي، للتفاهم والتعامل الاقتصادي لأول مرة (2) وبمجرد وصول الفينيقيين للمغرب تجاوب معهم البربر، يقول الناضوري: وتعددت الرحلات والمبادلات الاقتصادية بين الطرفين، وازدادت الصلات بين الفينيقيين والبربر. ويعتبر ذلك بمثابة بداية للعصر التاريخي في المغرب القديم، لأن تعرف البربر، وهم في مرحلة العصر الحجري الحديث، علي معالم عصر المدنية، وهو العصر التاريخي، يعتبر بمثابة نقلة حاسمة نحو بدايتهم بدورهم للعصر التاريخي في المغرب القديم (3).اذن فدخول البربر للتاريخ جاء عن طريق الفينيقيين الذين تفاعلوا معهم بشكل يكاد يكون عاديا، وهذا راجع الي انتماء هؤلاء وأولئك الي أصل واحد وهو الأصل السامي، أي العربي القديم أو العروبي. يعود الفينيقيون الي الكنعانيين، فالقبائل الكنعانية المهاجرة من الجزيرة العربية، استقرت في الساحل الشامي، واتخذت لها الاسم الفينيقي فيما بعد، وقامت بتأسيس عدة مدن، مثل صور، وصيدا، وجبيل، ومدن أخري داخلية مثل، أريحا، وبيسان، ومجدو، وغيرها. وقد لعب الفينيقيون دور المنظم للاتصال بين قدماء المصريين والبربر، الذين ينتمون جميعا الي الأصل السامي، أي العربي القديم، وذلك عن طريق المبادلات التجارية. فأقام المصريون اتصالاتهم التجارية بالفينيقيين منذ الأسرة الفرعونية الأولي، حيث وردوا لهم خشب الأََرز، الذي استعمله قدماء المصريين في كافة مبانيهم المعمارية، ومعابدهم وسفنهم.والفينيقيون هم أول من أقام صناعات البرونز، والعاج، والعظم، والزجاج، وأدخلوها الي البلدان التي تعاملوا معها واستقروا فيها. وهم الذين طوروا صناعة الأقمشة، وبخاصة تلك المصبوغة باللون الأرجواني، واعتمدوا في ذلك علي استخراج هذه الأصباغ من بعض الأصداف البحرية. كما طوروا الزراعة وصيد الأسماك يقول الناضوري: وقد ركزوا نشاطهم التجاري قرب نهاية الألف الثانية قبل الميلاد. وصارت منذ الألف الثانية ق.م اللغة الأكدية وخطها المسماري، بمثابة اللغة الدولية في المنطقة في ذلك الوقت، وحتي مصر الفرعونية استخدمت هذه اللغة .(4) والأكديون ساميون أي عروبيون أو عرب قدامي. من صور الي المغربانطلق الفينيقيون من مدينة صور الي المغرب، وبنوا مدينة قرطاج عام 814 ق.م، ومن غير شك فانهم قبل أن يستقروا بالمغرب، كانوا لمدة قرون متصلين عن طريق المبادلات التجارية مع سكانه. بل ان الاحتمال الراجح أنهم أقاموا مدنا صغيرة علي الساحل المغربي قبل بناء قرطاج بقرون. ويري المؤرخون أنهم بنوا ليكسوس علي المحيط الأطلسي بالمغرب سنة 1110 ق.م، وبنوا عتيقة (أوتيكا) غرب خليج تونس سنة 1101 ق.م. ولم تظهر الدولة القرطاجية كقوة ذاتية مستقلة عن المشرق الا في منتصف القرن السادس قبل الميلاد. أما المدن التي أسسها الفينيقيون بالمغرب فهي من الشرق الي الغرب: لبدة، وصبراتة، وحضرموت (سوسة)، وقرطاج، وعتيقة أو أوتيكا، وهيبوريغيوس (عنابة)، وكولو(القل)، وجيجل، وصلداي (بجاية)، وروس كورو (تاكسيبت)، وروسكاد (سكيكدة)، وثيفيستا (تبسة)، وقيرطا (قسنطينة)، وروس قونية (برج البحري)، وايكوسيوم (مدينة الجزائر)، وايول (شرشال)، وكرطناي (تنس)، وسيقا (راشقون)، ومليلة، وتمودة، وطنجة، وليكسوس (العرائش)، وجزيرة الصويرة.ومع دخول الفينيقيين بدأ البربر يتعرفون علي المظاهر الحضارية والتجارية، مما ساعدهم علي تطوير أنفسهم، يقول محررو موسوعة يونيفرساليس الفرنسية UNIVERSALIS: كان البربر تلاميذ الفينيقيين الذين علموهم أساليب زراعية وصناعية، كصناعة الزيت والنبيذ، وصناعة الأدوات من النحاس؛ وعلموهم علي الخصوص ديانتهم، واستمر البربر يعبدون آلهة قرطاج حتي في أثناء الاحتلال الروماني، لدرجة أن بعض المؤرخين يرون أن المسيحية، ثم الاسلام، لم يقبلا من البربر بهذه السهولة، الا بسبب دخول هذه الديانة القرطاجية المغرب، التي هي ديانة سامية. واستمرت اللغة البونيقية (الفينيقية) متداولة بالمغرب حتي بعد القرن الثالث الميلادي، حيث لعبت دور الوصلة الي اللغة العربية (5) ويقول المؤرخ الفرنسي هنري باسيه H.BASSET لقد علم الفينيقيون البربر الزراعة. فالبربر يكسرون الرمانة علي مقبض المحراث، أو يدفنونها في أول خط للحرث، تفاؤلا بأن سنابل الحبة المبذورة ستأتي كثيرة بعدد حبات الرمانة. وهي عادة مستمدة من ثقافة قرطاج، فالرمانة فيها رمز للخصوبة، وتعتبر قرطاج مربية للبربر، فقد علمتهم كيفية الاعتناء بالزيتونة التي كانت موجودة بالمغرب كشجرة وحشية، وكيفية استخراج الزيت منها. ويفصل غزيل GSELL هذه المسألة لغويا فيقول: (ان كلمة أزمـور بالبربرية تعني الزيتونة الوحشية، وهو الاسم البربري لهذه الشجرة. أما اذا تكلموا عن الزيتونة الملقمة أطلقوا عليها الاسم السامي ـ الزيتونة ـ، وعلي سائلها اسم الزيت..). كما علم الفينيقيون البربر زراعة التينة التي كانت قبل مجيئهم موجودة بالمغرب كشجرة وحشية أيضا، وعلموهم زراعة الكرمة، والرمانة، وعلي العموم علموهم فن زراعة الشجر المثمر. وقد تبين لنا الآن أن البربر كانوا علي اتصال بالفينيقيين منذ ما قبل التاريخ.. كما علم الفينيقيون البربر الصناعات القابلة للتصدير، كالسيراميك، وصناعة المعادن، والنسيج، والمجوهرات: كالخلاخيل، والتيجان، والخلالات (المشابك)، التي تصنع في صورة كف مبسوطة الأصابع. والتشابه واضح بين مجوهرات القبايل البربر بالجزائر، والسوس البربر بالمغرب الأقصي، وبين المجوهرات القرطاجية .(6). ونتيجة للاحتكاك بين الفينيقيين واليونان، اندلعت الحروب بينهم منذ بداية القرن السادس قبل الميلاد، ولم تستطع صور القيام بدور حماية المراكز الغربية بسبب الضغط الآشوري والبابلي والكلداني عليها، الأمر الذي دفع بقرطاج الي أن تحتل مركز الزعامة الفينيقية المؤقتة للحماية اللازمة لهذه المراكز، وذلك منذ منتصف القرن السادس قبل الميلاد.الامبراطورية القرطاجيةأقامت امبراطورية قرطاج بالمغرب العربي أسرة ثرية حيث تمكن عميدها ماجو من تأسيس جيش قوي يتكون في مشاته من البربر الشرقيين (اللوبيين)، وفي فرسانه من البربر الغربيين (النوميديين)، ومن بعض العناصر الغالية أيضا. ويعتبر العصر القرطاجي ثمرة لانصهار البربر والفينيقيين وتأسيسهم للامبراطورية القرطاجية والثقافة القرطاجية.بدأ العصر القرطاجي المسجل في النصف الثاني للقرن السادس قبل الميلاد، وينتهي سنة 146 ق.م. بدأ علي يد الأسرة الماجوية، بنظام ملكي. وفي خلال قرن تكونت طبقة قوية في ظل هذه الأسرة عملت علي تطوير نظام الحكم الي نوع أقرب ما يكون الي النظام الجمهوري الاستشاري، منه الي النظام الملكي الأوتوقراطي، وذلك في منتصف القرن الخامس ق.م. واستمرت في الحكم حتي بداية القرن الثالث ق.م. وظهرت في ظل هذا النظام عدة هيئات مثل مجلس الشيوخ (300 عضو)، ومجلس المئة الذي كان أشبه ما يكون بمجلس المراقبة والمحاسبة. وكان يدير البلاد حاكمان يترأسان مجلس الشيوخ لمدة سنة. وكان مجلس المئة يمارس وظيفته لضمان سير شؤون البلاد في مسارها الصحيح. لقد أعطي هذا الأسلوب للشعب نوعا من المشاركة في الحكم. وبين أن الديمقراطية في قرطاج لا تقل أهمية ومصداقية عنها في أثينا أو روما، ان لم تكن أكثرها عمقا انسانيا..وابتداء من القرن الثالث ق.م. بدأت مرحلة ثالثة تجمع بين مضمون النظامين السابقين الملكي والجمهوري. واستمرت طوال القرنين الثالث والثاني ق.م. وتركزت فيها السيادة لأسرة برقة. وكان نظام قرطاج يسيـر وفقا لدستور مكتوب، لا يقل دقة عن الدستورين اليوناني والروماني. ودستور قرطاج هو الوحيد الذي تناوله، مع الدستورين اليوناني والروماني، أرسطو بالدراسة والتحليل في دراساته الدستورية.كما قاموا بتدعيم مراكزهم التجارية علي طول الساحل الافريقي المغاربي، وحتي جزيرة الصويرة علي المحيط الأطلسي، بل وحتي نهر النيجر من الداخل. ومنطقة ساحل الكونغو. وقد قام القرطاجيون في هذه المرحلة بالرحلات الاستكشافية والتجارية البحرية والبرية، توسيعا لصلاتهم الافريقية. ومن غير شك فان البربر كانوا يؤلفون مع قرطاج قوة واحدة، والا لما استطاع القرطاجيون القيام بهذا التوسع الكبير، وبخاصة نحو الجنوب، اعتمادا علي البربر البدو ساكني الصحراء. استمر القرطاجيون أسيادا علي جزر البحر المتوسط، ودار صراع بينهم وبين اليونانيين والصقليين والفرس في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، كانت فيها سيطرة القرطاجيين علي هذه الجزر في مد وجزر. وكان البربر يقفون دائما مع القرطاجيين في حروبهم ضد اليونان والصقليين، لأنهم يعتبرون قرطاج دولتهم، فهي امبراطورية افريقية، جنوب بحر متوسطية، عروبية، وكانوا يؤمنون بانتمائهم الي نفس الأصل الذي ينتمي اليه القرطاجيون، وهو الأصل السامي، أي العروبي أو العربي القديم.الخروج من العزلةان البربر عن طريق علاقاتهم بالفينيقيين وقرطاج استطاعوا الخروج من عزلتهم القبلية، ودخول العالم المتمدن. فقد نفذت الي المجتمع البربري في هذه المرحلة من تاريخه ولأول مرة عناصر مدنية العصر التي كانت تتكون من عدة خيوط وألوان، فيها الفينيقي، والبربري، والمصري، وكلها ألوان عروبية.ولعل أهم عنصر ثقافي مميز أبقاه مرور الزمن هو المعتقدات السامية أي العروبية أو العربية القديمة. فالقرطاجيون ورثوا آلهة أجدادهم الفينيقيين الواردة اليهم من صور، وهي آلهة سامية تعتبر مصدر الآلهة اليونانية نفسها، والمتمثلة في الخصوبة والانتاج. وأول اله عند الفينيقيين هو (ايل)، ويرمز الي القوي الكامنة في مياه الأنهار والآبار. والاله (عليان) أو (كيوان). وهناك الالهة (عاشرة)، والاله (بعل)، الذي يقابله في العقائد العراقية القديمة (أداد)، والاله (ملقارت) اله مدينة صور، الذي يقابله عند اليونان الاله (هراقليس)، والاله الفينيقي (داجون)، الذي يقابله الاله البابلي الكلداني (أوناس)، والاله (أشمون) اله الصحة والطب، يقابله الاله (أسكيبيوس) عند اليونان. وكان الاتصال واضحا بين الآلهة الفينيقية وآلهة مصر القديمة. ويؤكد ذلك تقليد الملك أحيرام الفينيقي علي تابوته الحجري للرسوم الجنائزية المصرية. ان هذا الترابط بين الآلهة القديمة السائدة بشرق وجنوب البحر المتوسط يشير الي عودة هذه الشعوب الي أصل واحد وهو الأصل السامي، أي العروبي أو العربي القديم.وقد أضيف الي الآلهة الفينيقية القديمة التي ورثتها قرطاج عنصر جديد من البيئة المحلية للمغرب، أشهرها الالهة (ثانيت)، يقول وارمينغتون WARMINGTON: وقد اختلف المؤرخون في أصل هذه الالهة، ولكن عدم الاشارة اليها في رأس الشمرا وصور وغيرها يؤكد أنها غير فينيقية الأصل. كما أن عبادة البربر لها يزيد من الاعتقاد في كونها بربرية الأصل (7)، وهي الهة الانتاج والخصوبة عند القرطاجيين ويرمز اليها بسيدة ترضع طفلها. واهتمام البربر بآلهة أنثي له تفسيره في المجتمع البربري الذي لا زالت المرأة تتمتع فيه بمكانة مرموقة لدي قبائل الطوارق. ويري مؤرخون آخرون أنها قرطاجية فينيقية. ومن الآلهة القرطاجية أيضا الاله (بعل عمون)، وله صلة بالاله المصري (آمون)، الذي انتشرت عبادته بالشمال الافريقي، فقد اكتشفت كباش مقدسة علي رأسها قرص الشمس بجنوب وهران بالبلاد الجزائرية، وفي برقة بليبيا، وهو نفس الكبش المصري المقدس الذي يرمز الي الاله (آمون) في مدينة طيبة بمصر القديمة.وظاهرة التضحية بالأطفال تقربا لاله الزمان (كيوان) المشهورة لدي القرطاجيين أكدتها الحفريات الأثرية، وقد روي تيرتوليان الذي عاش بالشرق الجزائري في القرن الثالث الميلادي، أن البربر كانوا يعبدون الاله (كيوان)، ويضحون بالأطفال تقربا له. وهي ظاهرة دينية سامية عرفت عند الكنعانيين والفينيقيين والمصريين القدامي. وكدليل علي أن دولة قرطاج كانت دولة افريقية، اكتساب القرطاجيين لعادات افريقية، وتقاليد دينية زنجية، وهذا يتمثل في محاولة القرطاجيين التغلب علي القوي الشريرة التي تهدد أمنهم باستخدام طريقة جديدة ترجع في أصولها الي افريقية الزنجية، وهي صنع أقنعة ومسوخ طينية تحمل أشكالا شيطانية يرتديها الانسان، أو يضعها في منزله أو مقبرته، كنوع من اخافة هذه القوي الشريرة، وبالتالي ابعادها عنه. ويغلب علي الظن أن توصل القرطاجيين الي هذا التقليد الجديد كان نتيجة اتصالهم التجاري والحضاري البري والبحري مع افريقيا الزنجية (8)، مثلما يورد الناضوري.ومن التقاليد السامية أي العروبية التي احتفظ بها الفينيقيون ونقلوها الي المغرب تحريم أكل الخنزير، وممارسة عادة الختان. وقد حققت هذه الامبراطورية العروبية السامية قرطاج دفعة هامة في تقدم الانسان الحضاري، فنشرت الكتابة السامية الكنعانية. وعن طريق ذلك عرف الانسان في أوروبا والبحر المتوسط الحروف الهجائية المنظمة، وخرج من الكتابة التصويرية، وذلك منذ القرن الثامن قبل الميلاد. استكشافات القرطاجيين والبربرقام القرطاجيون بعمليات الاستكشاف الجغرافي لأول مرة لمنطقة الساحل الافريقي الغربي، والساحل الأوروبي الغربي ابتداء من القرن الخامس ق.م. عندما سجل بعض حكامهم وبخاصة (حنون) رحلته الشهيرة التي وصل خلالها الي منطقة الكونغو، سنة 425 ق.م، وقد حفظ النص اليوناني تلك الرحلة، بينما فقد النص القرطاجي، وعنوان هذا النص كما يلي: تقرير عن رحلة حنون ملك القرطاجيين الي أجزاء من افريقيا فيما وراء المضيق (ويقصد به مضيق جبل طارق)، والذي قدمه الي معبد الاله بعل . وقد دون حنون رحلته علي مسلـة وضعت علي معبد بعل حامون. وقد فقدت هذه المسلة ودمرت مع مدينة قرطاج. ولا يوجد الا ترجمة يونانية لهذا النص. أبحر حنون علي ستين سفينة من ذوات الخمسين مجدافا، يقود جيشا فاتحا من ثلاثة آلاف رجل وامرأة. ويذكر النص أن الرحلة أسست مدنا علي طول الساحل الغربي لافريقيا سماها وهي: (ثيميا تيريون، وبوسييدون، وكريكون، وتيخوس، وجيتة، وأكرا، وميليتا، وأرامبيس، وكرنة). وذكر النص نهر السينغال الذي كان يسمي كريتس. ووصلت الرحلة جزيرة فرناندوبو. وقد أورد النص الكامل الأستاذ هنري س. عبودي في كتابه (معجم الحضارات السامية).(9).كما استكشف القرطاجيون أيضا القارة الافريقية عبر الصحراء الكبري، فقد ورد في نصوص أثرية نجاح رحلة فاتح قرطاجي اسمه (ماجو)، في عبور الصحراء الكبري ثلاث مرات، وتؤكد هذه النصوص وصول هذه الرحلات عبر الصحراء، الي منطقة النيجر والسنغال. ومن غير شك فان عبور القرطاجيين للصحراء الكبري تم بواسطة القبائل البدوية البربرية التي تعرف الصحراء ومسالكها، ويعتبر هذا الانجاز الحضاري بربريا أكثر منه فينيقيا. ان هذه الانجازات الحضارية الكبري، تعتبر مفخرة للبربر، الذين ساهموا كما أوضحنا عسكريا وثقافيا واقتصاديا في ازدهار الحضارة القرطاجية التي تعتبر حضارتهم وحضارة المغرب العربي.ووصل القرطاجيون في رحلاتهم الاستكشافية الي أمريكا، حيث عثر هناك علي نصوص فينيقية تدل علي وصول القرطاجيين الي الساحل الأمريكي، ونشرهم هناك ثقافة ذلك العصر المتمثلة في عناصر الحضارة المصرية القديمة، فقد جاء في موسوعة يونيفيرساليس: فقد تمكنت المخترعات المصرية أن تنتشر بواسطة التجارة الفينيقية، فتصل أقصي الشرق في الهند والصين واليابان، قبل أن تعبر المحيط الهادي لتؤسس قاعدة ثقافة (ماية) بأمريكا الوسطي (10).خلاصة القول : ان المغرب العربي مدين لأشقائه كنعانيي لبنان بخروجه من العصر الحجري ودخوله العهد التاريخي. بين حسن نصر الله وحنا بعل:تتفق استراتيجية وتكتيكات حسن نصر الله مع استراتيجية وتكتيكيات حنا بعل في جعل الأرض تشارك في المعركة. فحزب الله سخر الطبيعة الجبلية لمواجهة تفوق العدو بالجو والدروع، فجعل تحت كل صخرة مخبأ محصنا لقاذفي الصواريخ المضادة للدروع، والمرسلة نحو مدن العدو، وربط هذه المخابئ بأنفاق تحت الكتلة الصخرية. وحنا بعل كان يردد في كل معركة وصية والده هملقار برقة: دع الأرض تقاتل عنك .لنورد نماذج من معارك حنا بعل واستعماله للأرض. في سنة 218 ق.م قرر حنا بعل التقدم بجيشه بعد أن ترك شقيقه صدر بعل (هزدروبال) علي رأس ولاية قرطاجنة باسبانيا التي كانت تابعة لامبراطورية قرطاج. كانت هيئة أركان جيشه تتكون من: هانو بن هاملقار، ومهر بعل (مار بال) الأمازيغي (البربري) قائد سلاح الفرسان النوميديين المسن، الذي تقلد هذه القيادة منذ عهد والد حنا بعل هملقار برقه، ويكن له حنا بعل حبا فائقا، وهيرت، وسينهالوس المصري كبير الأطباء، والاغريقيين سوسيلوس، ووسلينوس، وبوح الهندي منجم الحملة، والاسبرطي سوسيليوس الذي علم حنا بعل اليونانية. وقد قرر حنا بعل الاسراع في بدء حملته البرية، بعد أن وصلته أنباء من جواسيسه بأن الرومان يستعدون لتطبيق خطة بنقل الحرب الي افريقيا في عقر دار قرطاج. كان حنا بعل يقول لقادة أركان جيشه: في حالة وصولنا لنهر البو قبل فوات الأوان، نستطيع أن نمسك بتلابيب جيوش الغزو الرومانية داخل ايطاليا نفسها، فلا تصبح مدينة قرطاج ميدانا للحرب، وحينئذ تقع تكاليف الحرب ولأول مرة، علي الرومان وعلي بلادهم فيكتوون بآلامها، ويحرقون بنارها.. فالسرعة ثم السرعة.. . وهذا ما طبقه حسن نصر الله باشعاله المعركة مع العدو الصهيوني، تخفيفا علي الفلسطينيين، ونقله للحرب ولأول مرة داخل أرض العدو. ققد كان جيش العدو ومنذ 1948، وحتي 2006، ينقل الحرب داخل البلدان العربية المجاورة، الي أن جاء حزب الله فكسر هذه القاعدة الثابتة، وكسر بذلك التفوق العسكري وتكتيك الردع للعدو.وتقدم حنا بعل الذي يحب دائما ترديد قول القنصل الروماني جيولاس: اما أن تقهر عدوك، واما أن تقبل مصير المقهورين . وتمكن من عبور جبال الألب بجيش قوامه ثلاثون ألف مشاة وثمانية آلاف فارس، وسبعة وثلاثون فيلا التي لم يكن يعرفها سكان أوروبا. وتمكن حنا بعل من عبور جبال الألب في خمسة عشر يوما، مات جزء من جيشه في الطريق، وبقي قسمه الأكبر.وخاض حنا بعل أول معركة وهي معركة تسينو التي دارت علي شواطئ نهر تسينو. حسمها حنا بعل لصالحه بخطة سريعة لعب فيها الفرسان الأمازيغ ـ البربر دورا حاسما عندما طوقوا من الخلف كتائب الرومان الثقيلة بحيث لم تصمد برماحهم الطويلة أمام حراب الأمازيغ القصيرة والخفيفة والنافذة، وما هي الا لحظات حتي سقط القنصل ببليوس قائد الجيش تحت سنابل خيل هؤلاء الفرسان المردة. عاد هذا القنصل لروما جريحا وهو يردد لخاصته كيف وقع من صهوة جواده وسط فرسان غرباء لم ير مثلهم في حياته من قبل في سرعة الكر والفر ، ويقصد الفرسان النوميديين الأمازيغ ـ البربر. ووجهت روما جيشا ثانيا ضخما بقيادة قنصل جديد هو طيباريوس سمبرونيوس لمسح هزيمة معركة تسينو، وأعد حنا بعل له فخا علي ضفاف نهر تريبيا حيث دارت معركة تريبيا حسمها حنا بعل باختيار مكان المعركة وهو سهل غمره الفيضان فأوحلت تربته ولم يره خصمه، اختاره وهو يردد قول أبيه هملقار برقة: دع الأرض تقاتل عنك . أمر حنا بعل خمسمئة من خيرة الفرسان النوميديين الأمازيغ ـ البربر وأصدر توجيهاته لقائدهم فقال له: توجهوا في بداية الليل الي معسكر العدو، اقتربوا من خنادقهم راكضين، وعندما يتصدي لكم فرسانه، التحموا معهم في معركة، ثم ولوا هاربين ممثلين اندحارا، فسيتبعكم العدو، وجهوه عند ذلك السهل الضحل حيث الكمين . ووقع القائد الروماني في الفخ.. وانطلقت المعركة فأعطي القنصل الأمر ببدء المعركة بتعقب النوميديين الأمازيغ المراوغين… وهُزم الرومان شر هزيمة. وأهم ما أسفرت عنه هذه المعركة تحالف حنا بعل مع شعب غال سيسالبين وانضم له في الشهرين التاليين 14000 من مقاتليهم الأشداء، فاستقبلهم وهو يردد قولته المشهورة: اذا أحرزت نصرا انضم اليك الجميع حتي خصومك، أما اذا حاقت بك الهزيمة تخلي عنك حتي محبوك .وبعد انقضاء شهري الشتاء قرر التوجه جنوبا نحو روما، ووقع في مستنقعات، وانتشرت الحمي بين جيشه وفقد نتيجة لاصابته بها احدي عينيه. وبدأت موقعة ترازايمين: ففي اليوم الحادي والعشرين من شهر حزيران ـ يونيو 217 ق. م. تقدم جيش روماني ضخم تعداده أربعون ألفا بقيادة جايوس فلامنيوس نحو بحيرة ترازايمين تحت رقابة الفرسان البربر الأمازيغ، كان يلفه ضباب كثيف، وكان حنا بعل قد رصده بواسطة جواسيسه من بعيد، وترصد للمكان الذي سيخرج منه وهو يسيطر علي المرتفعات التي تشرف علي مكان مروره. وفجأة ومن خلال الضباب هاجم القرطاجيون من مواقع مثالية، فكانت الصاعقة المفاجئة تحل علي رؤوس الرومان. وأرسل حنا بعل بسائر فرقه لتهاجم في وقت واحد، وكان يراقب من موقع عال فوق الطرف الأقصي من طريق البحيرة، وسد فرسان مهر بعل النوميديون الأمازيغ ـ البربر، مصحوبين بمشاة الأفارقة، مدخلَ شاطئ البحيرة الهلالي الشكل. وهكذا وقع القنصل في نفس المصيدة الذي كان ينوي ايقاع حنا بعل فيها. وأطبقت كماشة الجيش القرطاجي من كل ناحية، بحيث لم تجد كتائب الرومان مجالا للمناورة ولا حتي للهروب. وما كادت تحل الساعة العاشرة صباحا حتي كانت موقعة بحيرة ترازايمين قد انتهت. وصار بذلك ستة آلاف من الجنود الأشداء أسري حنا بعل. وهكذا تمكن الجيش القرطاجي الذي أنهكته الحمي قبل أيام، بجياد هزيلة من ابادة جيش قوي خارج للتو من معسكراته ينعم بالصحة والعافية، تمكن من هزمه وأسر خمسة عشر ألفا من خيرة جنوده. وأطلق سراح الأسري من الشعوب الأخري وهو يقول لهم: ما جئت لأشن الحرب علي الشعوب المستعمََـرة، بل ولا حتي علي الايطاليين، وانما جئت لأساعد الجميع ضد حكام روما الظالمين .تجمعت جماهير روما بساحة الفوروم، بعد أن وصلت أنباء كوارث الهزائم. وبقيت أبواب مجلس الشيوخ مغلقة أمام الجماهير، وبعد طول الحاح خرج اليهم القنصل بومبونيوس ماثو بمفرده واعتلي درج مدخل المجلس، وألقي عليهم خطابا يتكون من اثنتي عشرة كلمة: لقد قهر العدو جيوش روما في موقعة عظيمة مات فيها أحد القنصلين . موقعة كناي العظمي: واستمرت القوات الرومانية في تكتيك العرقلة، لكن حنا بعل بمجرد أن تأكد أن جنوده أخذوا ما ينبغي أخذه من الراحة، واستوعبوا تدريبات عالية، قرر المرور الي الاستدراج، وخلق سائر الظروف علي مدي أشهر لموقعة كناي العظمي التي بدأت في فجر اليوم الثالث من شهر آب ـ أغسطس سنة 216 ق.م. قام حنا بعل بمناورات علي مدي أشهر جعلت العدو يحرك قوات جبارة الي كناي. كان منيوسياس روفوس صغير السن، وقام حنا بعل بمناورة فهم منها الضابط الروماني أنه صار يخاف المواجهة ويهرب . وهكذا انطلت عليه مناورة حنا بعل الذي أظهر تقهقرا منهزما زيادة في اتقان حبكة الاستدراج الكبير الذي يعده لخصمه المغرور. كان حنا بعل يقود جيشا من أربعين الفا، بينما كان جيش عدوه يتجاوز المائة ألف، نصفهم من المجندين حديثا، واعتبر أنه أقوي جيش علي الاطلاق جمعته روما في تاريخها. وزيادة في الخديعة قام الفرسان النوميديون (البربر) في خفة الأشباح بغارة صدتها القوات الرومانية بنجاح، وتقهقر الفرسان البربر مظهرين انهزامهم، فقرر عند ذاك القنصلان فارو وأميليوس مطاردة العدو المنهزم، وتقهقر القائد الأمازيغي مهر بعل عبر نهر أوفيدوس هاربا وجيشا القنصلين بتعقبانه، وضيق عليهما الخناق شيئا فشيئا فوق سهل كناي المكشوف، وذلك في اليوم الثالث من شهر آب ـ أغسطس.عندما التقي الجيشان أعطي حنا بعل اشارة البدء… ووجد الرومانيون أنفسهم يقاتلون في ظروف مزدوجة السوء، كانوا منكفئين بعضهم علي بعض، محصورين الكتف الي الكتف، بينما كان أعداؤهم يحومون حولهم بكامل حريتهم، كانوا منهوكي القوي، يواجهون عدوا متجدد القوة شديد البأس. كان حنا بعل يستعمل من بعيد اشارات معينة بدخان منطلق من حزم أعشاب خاصة تطلق دخانا عاليا، وكل عدد من هذه المشاعل الدخانية يعني أمرا معينا. ولم تكد تحل الظهيرة حتي اختفي الفرسان، فلم يبق فارس واحد بين مرتفعات كناي والمقر الصخري المرتفع لقيادة حنا بعل، وبقيت في هذا الامتداد كتائب مشاة الرومانيين مكدس بعضها علي بعض، في كتلة بشرية هائلة صماء. وانطلق الفرسان النوميديون الخفاف كالبرق وعلي رأسهم قائدهم مهر بعل فسدوا ثغرة فرار العدو المنهزم الهارب الي النهر. وكانت الأرض في سائر الاتجاهات ضد الرومان، وتمعن حنا بعل في هذا الموج البشري، وردد، في نشوة، وصية والده هملقار برقة: دع الأرض تقاتل عنك.. . وترك قادة وحداته ينفذون حرفيا خطته. وأبيد هذا الجيش الضخم.وعندما طلب منه رجاله أن يستريح أجابهم: ينبغي علي الطهاة أن يعدوا وجبة شهية، ويسخروا لها كل فنونهم، وتقدم مصحوبة بالخمر الي الجنود من سائر الرتب، فقد آن للجيش أن يستريح . وهنا صاح العجوز مهر بعل الأمازيغي ـ البربري في غضب: حنا بعل.. اسمع لي جيدا، في خمسة أيام يستطيع الجيش أن يتناول هذه الوجبة في روما نفسها، سيسبقك فرساني كالبرق اليها، فيكتشف الرومانيون بحلولك بينهم من خلال هؤلاء الفرسان المردة قبل أن يعلموا بخروجك اليهم.. . وتطلع حنا بعل مليا في وجه مساعده العجوز، ثم أجابه: هذا مما يسهل قوله، ويبهج القلب سماعه، يا عمنا البطل، لكن امعان التفكير في الأمر وتقليبه علي عدة وجوه، يحتاج الي وقت طويل . وهنا لم يتمالك مهر بعل نفسه فصاح فيه في غضب، وقال له قولته الخالدة: حنا بعل.. لقد حبتك الآلهة بنعم كثيرة، فأنت تعرف كيف تحرز النصر، ولكنك لا تعرف كيف تستخدمه وتستغله.. . واستمع حنا بعل لمساعده الأمازيغي العجوز رفيق وصديق والده، ومعلمه سائر أنواع القتال والفروسية والرياضة، تمعن مليا فيه ثم أمر باطعام الرجال. وعند انتهاء جولته التفتيشية عاد الي مقر قيادته لينام نوما عميقا بين حراسه.ويعقب مؤرخو سيرة حنا بعل فيجمعون علي أنه لو عمل برأي القائد الفارس الأمازيغي مهر بعل لتمكن من احتلال روما وتغيير مجري التاريخ.. بدون حسم سريع ـ مثلما يراه مهر بعل ـ لا أمل في أن يكسب القرطاجيون الحرب في النهاية، لأنهم يقاتلون عدوا في بلاده، يملك تحت يده الشعب والغذاء والمال، بينما هو بعيد عن قرطاج، قطعت عنه الامدادات من اسبانيا التي تمكن سيبيو من السيطرة عليها، وعبر البحر المتوسط الذي تسيطر عليه الأساطيل الرومانية سيطرة مطلقة، ولا أمل في أن ترسل قرطاج نجدات عبره لحنا بعل.مقارنة بين تدمير قرطاجة وتدمير لبنان:ولدي مقارنة الباحث بين تدمير قرطاجة سنة 146 ق. م. وبين تدمير لبنان سنة 2006م، يجد الطابع اللاانساني يطبع الحدثين. ولنعد الي تدمير قرطاجة:وانتهت هذه الملحمة البطولية ملحمة الدفاع عن قرطاج. واذا كانت هذه الحرب أسفرت عن وفاة مدينة، فقد أكدت أن الانسان أقوي من القهر، وأن ارادته لا تردع بسهولة. ولقد تأثر لهذه المأساة حتي بعض المؤرخين الأوروبيين، يقول وارمنغتون: ألقي سيبيو أميليانوس نظرة علي المدينة التي ازدهرت أكثر من سبعمائة سنة منذ انشائها، والتي حكمت مناطق كثيرة، جزرا وبحارا، وكانت ثرية في السلاح والأساطيل والفيلة والمال، مثل الامبراطوريات العظمي، بل والتي فاقتها في الإقدام والشجاعة الفائقة. فبالرغم من أنها جردت من كافة أسلحتها وسفنها، فقد صمدت أمام حصار شديد، ومجاعة دامت ثلاث سنوات، ووصلت الي نهايتها بالتدمير الكلي . ويروي المؤرخ اليوناني بوليبيوس الذي رافق القائد الروماني في عملية التدمير، فيقول: أن سيبيو أمليانوس بكي تأثرا بما آل له عدوه، فاستعرض أمامه الحقيقة المتمثلة في أن الأفراد والأمم والامبراطوريات نهايتها محتومة، وكذلك نصيب مدينة طروادة العظيمة، ونهاية الامبراطوريات الأشورية، والميدية، والفارسية، والتدمير الأخير لامبراطورية مقدونية الكبيرة. تمعن في هذا كله ثم ردد بقصد أو بدون قصد، كلمات هكتور في الياذة هوميروس: (سيأتي اليوم الذي تسقط فيه طروادة المقدسة، وكذلك الملك بريام وجميع رجاله المسلحين معه) ، وعندما سأل المؤرخ بوليبيوس، سيبيو، ماذا تقصد بهذا؟ ، التفت اليه القائد الروماني وقال بتأثر: هذه لحظة عظيمة يا بوليبيوس..ان الخوف يتملكني من أن نفس المصير سيكون لوطني في يوم من الأيام .وكأن سيبيو أمليانوس وهو يلقي بنبوءته هذه، كان يستشف أحداث المستقبل ويتحسسها، تحسس أحد رجالات الدنيا الكبار، بأنه سيأتي أحد أحفاد أرومة القرطاجيين العروبيين بعد سبعة قرون، لينهي الامبراطورية الرومانية الظالمة، لكن بغير الأسلوب الوحشي اللاانساني الذي أنهيت به مدينة قرطاجة. ولم يكن هذا الحفيد سوي محمد صلي الله عليه وسلم..وخير من لخص فضل الفينيقيين علي البشرية مؤرخ الحضارات الكبير ويل ديورانت عندما قال: أقاموا لهم حاميات في نقط منيعة علي ساحل البحر المتوسط، أقاموها في قادز، وقرطاجنة، ومرسيليا، ومالطة، وصقلية، وسردانيا، وقورسقة، بل وفي انكلترا البعيدة. واحتلوا قبرص، وميلوس، ورودس، ونقلوا الفنون والعلوم، من مصر، وكريت، والشرق الأدني، ونشروها في اليونان، وافريقيا، وايطاليا، واسبانيا؛ وربطوا الشرق بالغرب بشبكة من الروابط التجارية والثقافية، وشرعوا ينتشلون أوروبا من براثن الهمجية .(11).هؤلاء هم جدود حسن نصر الله، وجدود كل عربي. فالأوروبيون الذين دمروا قرطاجة هم الذين غرسوا الجسم الغريب المتمثل في الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، وزودوه بكل الوسائل والأسلحة بما فيها الأسلحة النووية التي صنعتها له فرنسا، وجربتها له في صحراء الجزائر عندما كانت تحتلها، وأطلقوه يعربد طيلة أكثر من نصف قرن، وتصوروا ومعهم الأمريكان، وتصور هذا الكيان أن قوته وسيطرته أبدية، فقام في تموز (يوليو) 2006 بعملية تدميرية للبنان، متصورا أن ذلك سيردع اللبنانيين ويجعلهم يستسلمون. لكن رجلا ومن ورائه حزب تصدي لجيش هذا الكيان وهزمه وسط أنقاض عملية التدمير، ولم يكن هذا الرجل سوي حسن نصر الله، ولم يكن هذا الحزب سوي حزب الله اللبناني. وفتح بذلك الباب لنهاية هذا الكيان الصهيوني الغريب. الوضع اللغوي بالمغرب العربي قبل الفتح الاسلامي:منذ دخول الكنعانيين الفينيقيين العروبيين المغرب العربي في بداية الألف الأولي قبل الميلاد، تبلورت لغة الثقافة والعبادة والدواوين وهي اللغة العروبية الكنعانية، التي صارت هي اللغة الفصحي المكتوبة بالمغرب، محاطة بلهجات شفوية قحطانية هي اللهجات البربرية. وخير من وضح هذا هو المستشرق الفرنسي هنري باسيه عندما قال: ان اللغة البونيقية (الفينيقية) لم تختف من المغرب الا بعد دخول العرب. ومعني هذا أن هذه اللغة بقيت قائمة، هذه المدة بالمغرب، سبعة عشر قرنا، وهو أمر عظيم (12)لقد كان مجيء الكنعانيين اللبنانيين من مدينة صور وتأسيسهم لحضارة قرطاج عملا حاسما في تاريخ المغرب القديم، بحيث تم اخراج الأمازيغ ـ البربر من العصر الحجري، وادخالهم التاريخ والحضارة، فاستعمل الأمازيغ اللغة الكنعانية كلغة حضارة وثقافة مكتوبة بالحضر، في الثقافة، والعبادات ودواوين دولهم. واستمروا علي ذلك الي أن جاء العرب المسلمون باللغة العدنانية فحدث الربط بين اللغة الكنعانية العروبية، واللغة العدنانية العربية. وهذا هو الذي يفسر لماذا تم تعريب المغرب في وقت قصير وقياسي، هذا بالاضافة الي أن الأمازيغية هي لغة عروبية قحطانية عاربة.هذه الأحداث التاريخية تؤكد أن الوطن العربي حوض حضاري يقع بين المحيطين الهندي والأطلسي، يسكنه انسان يعود الي أصل واحد يتكلم لغة واحدة تعود الي لغة أم واحدة، منذ آلاف السنين، وأن كنعانيي لبنان كانوا من العناصر العروبية التي لعبت دورا حاسما في تطوير الأمة العربية، وبخاصة في مغرب الوطن العربي.ہ هذا البحث مستمد من كتاب للمؤلف تحت الطبع عنوانه: الجزائر في التاريخ.ہہ رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية(1) Isis Histoire vraie des Arabes,Paris 1976,P18′ P.Roi , La cite d (2) رشيد الناضوري: المغرب الكبير ج 1 ص 154ـ 155 ـ القاهرة سنة 1966(3) المرجع السابق(4) المرجع السابق، ص 191 (5) . Encyclopeadia Universalis T1 . P633(6) BASSET,les Influences Puniques Chez Les Berberes,RevueHenri(1921) ,P340 V62 Africaine(7) 9WARMINGTON-B.H. Cartage,London 1960 ,P12 (8) الناضوري، مرجع سابق، ص 218 (9) هنري س عبود، معجم الحضارات السامية (طرابلس لبنان 1988)، ص 370 (10) . E. Universalis . T5 . P10 مرجع سابق(11) ويل ديورانت، قصة الحضارة، (الترجمة العربية) ـ القاهرة 1961 ـ ج 2، ص 313(12) هنري س. عبود : معجم الحضارات السامية (طرابلس لبنان 1988) ص 370 7