كنوز من بودابست: روائع الفن الأوروبي من ليوناردو إلى شيلا في الأكاديمية الملكية البريطانية

حجم الخط
0

مجدي موسىبودابست ليست بعيدة عن لندن ولكن لا تعرف حركة سياحية كما هي عليه الحال في باريس أو روما أو فلورنس. بودابست واحدة من أجمل عواصم أوروبا الثقافية ومن أبرز ملامحها متحف الفنون التشكيلية والمعرض الوطني الهنغاري، وقد أعارا أفضل مقتنياتهما من روائع الفن الأوروبي، وهي عبارة عن مجموعة من الأعمال الكلاسيكية التي تم اقتناؤها خلال فترة تمتد على مدى خمسمئة سنة، للمعرض المقام في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن، الذي يمتد من 25 ايلول (سبتمبر) حتى 12 كانون الاول (ديسمبر) 2010. ويرجع تاريخ جمع المقتنيات من الأعمال الفنية الأوروبية، والتي تم اقتناؤها بواسطة الدولة المجرية، إلى القرن 17 وتوسعت بشكل كبير في أواخر القرن 18. معظم الأعمال لم تغادر بودابست من قبل، وبالتالي لم تتح رؤيتها خاصة خلال فترة الحكم الشيوعي حيث أن بعضها لم يعرف له مستنسخات، كما أن بعض هذه الأعمال يعتبر جديداً تماما على عيون محبي الفنون ودارسي تاريخها من زوار المعرض.

يضم المعرض حوالي 221 عملا ويشمل لوحات ورسومات ومنحوتات منذ عصر النهضة وحتى مطلع القرن العشرين. الأعمال ـ الروائع – المختارة لفنانين بينهم ليوناردو دافنشي، رافاييل، الغريكو، روبنز، غويا، مانيه، مونيه، شيلا Schiele ، وغوغان وبيكاسو إلى فيلاسكيز، وبيسارو، ورامبرانت، وروبنز وكوربيه، وفيرونيزVeronese ………… لا شيء يربط هذه الأعمال المعروضة ببعضها بعـضاً سوى انها معروضة جميعها تقريبا من قبل متحف الفنون الجميلة والمتحف الوطني المجري في بودابست. ولم يسبق قط رؤية مثل هذا العرض السخي من قبل. يبدو الأمر صعب التصديق، فقد تمت إعارة أفضل ما في متحف وطني من المقتنيات ونقلها من عاصمة إلى أخرى لذلك يمكن أن يغالبك الشعور أنك أمام خليط غير مترابط! ولكن التجول في قاعات المعرض التي تحوي نماذج متنوعة من الفن الأوروبي أثبت أنها قادرة على أن تكون تجربة ممتعة إلى حد كبير.

ولأنه يكاد يكون من المستحيل الإمساك بخيط تتابع من خلاله هذا المعرض، من الأفضل أن تتعامل معه كزيارة لمكتبة أو محل متنوعات، وربما يكون الخيط الذي يربط كل ذلك هو رؤية مسيرة التقدم – الفني – في أوروبا الغربية منذ عصر النهضة (من خلال عيون هنغارية) فهناك لوحات ورسومات ومنحوتات لقائمة من أشهر الأسماء، وتمثل معا ملخصا لتاريخ الفن الغربي من القرن 15 إلى السنوات الأولى من القرن 20. ويضم المعرض نموذجاً هاماً من النحت الخشبي الهنغاري المبكر من أعمال دي ريبيرا: ألتربيس Altar-piece بارتفاع أربعة أمتار يمثل استشهاد سانت أندرو، يعود إلى حوالي 1512، وهو على الطراز القوطي المتأخر، وجاء من كنيسة قرية صغيرة، حيث نجا من التدمير والتحطيم الذي قادته الدعوة البروتستانتية.

من الغرفة الأولى، حيث نرى جنبا إلى جنب مع altarpieces القوطية الهنغارية، نماذج إبداعات النهضة الإيطالية، وحتى آخر غرفة حيث يمنحك شيلا اللذة النهائية. من هذه الأعمال صورة شخصية ـ بورتريه ـ من أعمال الفنان فرانس هالس Frans Hals الذي يثبت أنه على قدم المساواة مغ رامبرانت المعاصر له، وهناك زوج من أبطال الطبقة العاملة التي رسمها غويا، حيث يقدم عملين، ‘حاملة الجرة’ و’ السكين’، 1812، قد يعبران عن روح المقاومة في اسبانيا ضد حصار نابليون.

من أعمال الرائع ليوناردو في المعرض، ‘دراسات لاثنين من الجنود في معركة Anghiari’، وهي اللوحة المفقودة الآن، وهي من أهم رسومات ليوناردو وأكثرها إثارة للإعجاب. رسومات تعبر عن شراسة أطلق لها العنان في خضم المعركة، والتي وصفها ليوناردو بالجنون الوحشي. بجانبها هناك عمل نحتي من البرونز لفارس على حصان، يبدو أيضا مرتبطاً بمعركة Anghiari . نعلم أن ليوناردو تدرب في شبابه على يد النحات المعروف فيروشيو. ولطالما فتنه صب البرونز. وكان واحدا من أفضل أصدقائه في فلورنسا هو النحات جيوفانيفرانشيسكو روستيتشي Giovanfranceso Rustici . وعلى الرغم من نسبة هذا العمل إلى ليوناردو، إلا أن الاعتقاد الغالب أنه تم تحت تأثير ليوناردو في ورشة جيوفانيفرانشيسكو، ربما من نموذج شمع أو صلصال أنجزهما ليوناردو.

هذا التمثال من البرونز يظهر التحدي المتمثل في خلق منحوتات الفروسية وتحقيق التوازن على اثنين فقط من حافري قائمتي الحصان الخلفيتين والفارس في وضع شبه قائم، محققا توازنه بيد واحدة. هذه البرونزية الصغيرة توضح صعوبة تنفيذ منحوتة في الوزن الكامل لحصان كبير.

ويعتقد أن هذا التمثال الصغير مرتبط بتكليف لتخليد ذكرى ‘معركة Anghiari ‘الحاسمة والتي فازت فيها ميلان على فلورنس. وقد ذكر ليوناردو في مذكراته أنه استخدم النماذج الصغيرة من الشمع أو الطين من الخيول للمساعدة في تصور التكوين. ويعتقد بعض الدارسين أن هذا التمثال قد صب من أحد نماذج ليوناردو. وفي حال صحة هذا الافتراض يصبح هذا التمثال الوحيد المتبقي من أعمال ليوناردو النحتية. هناك مادونا رافاييل وهي واحدة من أبرز المعروضات، العذراء والطفلان عيسى ويوحنا المعمدان’ ،1508، وكانت قد سرقت في تشرين الثاني (نوفمبر) 1983 واكتشفت بعد مرور عدة أشهر في دير مهجور في شمال اليونان.

وهي لوحة صغيرة 29 X 21.5 سم غير منتهية، وتكوينها هرمي يشبه تكوين ليوناردو، وتصور مادونا، والطفلين عيسى ويوحنا. هذه اللوحة ربما تلقي بعض الضوء على أسلوب رافائيل، فيبدو منها أنه اعتاد تلوين جسد الشخصيات بعد الانتهاء تقريبا من جميع تفاصيل العمل الأخرى. ولا ينبغي أن تفوتك لوحة الغريكو ‘مريم المجدلية ‘المثيرة، وليس لمجرد أنها ترتدي ملابس شفافة تكشف من صدرها أكثرمما كان ينظر إليه عادة في 1580 عندما تم تنفيذها، فالألوان حادة، وتنفيذ الخلفية والجبال تغلب عليه ملامح تكعيبية؛ استخدم الغريكو، ضوءاً ولوناً درامياً وضربات فرشاة متحررة، وكلها تعزز كثافة الموضوع الشعورية. لقد نفذ الغريكو هذا العمل في نمط كان سيعتبر طليعياً في وقت غوغان. انها هنا تظهر بجانبها جرة الزيت الذي دلكت به عيسى، يدها على صدرها وملامحها تظهر لفتة من الندم، الجمجمة التي وضعها الغريكو أمامها هي تذكير بحتمية نهاية الحياة وأهمية التوبة.

كان الغريكو قد غادر مسقط رأسه في جزيرة كريت في إيطاليا. هناك تنقل في الأوساط الفكرية وشارك في المناقشات الفنية المتعلقة بالرسم، والخط والتكوين، ممثلا في أعمال رافائيل ومايكل أنجلو، في مقابلة اللون وقيم الضوء، والتي يمثلها تيتيان والبنادقة وفي هذا السياق، شكل الغريكو نهجه الخاص في خلق أعماله، والمستوحى من تقاليد البندقية في استخدام اللون والضوء.

وهناك صورة رائعة لزوج وزوجته تخطا فترة الشباب، من أعمال الشاب فان دايك. يبدو عليهما القلق، بينما تتلامس يداهما، ربما تصور محاولة للعثور على العزاء في وقت متأخر من تفتح علاقتهما. هذا المعرض يتيح فرصة نادرة للتعرف على ملامح كانت خافية عن عيون محبي ودارسي الفنون الأوروبية لعقود طويلة ربما لن تتاح مثلها لسنين قادمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية