بعد يومين على اشتداد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، سُجل منحى تهدئة نسبي على طول الحدود مع لبنان، على الأقل حتى مساء أمس. قلص الطرفان الهجمات وحصرا الخطوات في قطاع ضيق نسبياً على جانبي الجدار.
مع ذلك، العودة المريحة إلى روتين تبادل إطلاق النار في الشمال تعكس تطبيعاً لروتين غير محتمل. سكان الجليل وهضبة الجولان على حق. فبخطواتها في الأيام الأخيرة حيث يستعد حزب الله لإطلاق المسيرات نحو قواعد الاستخبارات في منطقة “غليلوت” شمال تل أبيب، ألمحت إسرائيل بأن استمرار إطلاق النار على الشمال في الواقع أمر مقبول.
في ظل غياب تسوية سياسية في الشمال وعدم وجود عملية عسكرية، لا يوجد الآن مسار يبث للسكان بأن الدولة تحاول إعادتهم إلى بيوتهم قريباً. الأول من أيلول سيمر في الأسبوع القادم بدون تحسين لوضعهم أو أي موعد هدف مستقبلي للعودة. ليس مفاجئاً أن يعلن رؤساء المجالس المحلية على الحدود مع لبنان بأنهم سيقاطعون زيارات الوزراء هناك (ليس لأن الوزراء يقفون في الطابور للزيارة)، وأمس وجهوا انتقادات غاضبة لوزير التعليم وقائد الجبهة الداخلية.
طبيعة عملية “حزب الله” وعدم الرد من قبل إيران حتى الآن، تشير إلى أن بيروت وطهران تفضلان تجنب الحرب الإقليمية في هذه المرحلة، خصوصاً عندما تزيد الولايات المتحدة وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط.
إحباط الجيش الإسرائيلي لهجوم حزب الله يعكس أفضلية استخبارية وعملياتية واضحة، كانت تنقص إسرائيل تماماً في 7 أكتوبر. تطمح إسرائيل أن يكون نجاح الإحباط الذي حدث أول أمس دليلاً على ترسيخ الردع الإقليمي والتفوق الاستراتيجي. ولكن يبدو أنه تقدير غير دقيق. فخطاب رئيس حزب الله، حسن نصر الله، تضمن أول أمس الأكاذيب والمراوغة، مع درجة من الغطرسة. بعد عشرة أشهر ونصف على الحرب، لا يبدو محور إيران في حالة ذعر من إسرائيل. ربما يفضل أن يختار بنفسه موعد التصادم الأوسع معها، ولا تأكيد على أن أحد الطرفين، بالذات إسرائيل وليس إيران، هو الذي يستغل الوقت لتطوير القوة العسكرية بشكل أكثر نجاعة.
خفوت التوتر في الشمال مكن من استئناف المحادثات حول صفقة التبادل. جاءت البعثة الإسرائيلية إلى القاهرة بعد بضع ساعات على هجوم سلاح الجو الشديد في لبنان.
يبدو أن ضبط النفس لدى إسرائيل وحزب الله في تبادل اللكمات قد يوضح لقيادة حماس في القطاع بأنه لا أمل من اندلاع حرب إقليمية قريباً. عملياً، رفضت حماس اقتراحات الجسر الجديدة التي جاء بها الوسطاء على خلفية معارضة نتنياهو للانسحاب من محور فيلادلفيا على الحدود المصرية ومن ممر نتساريم وسط القطاع.
يعتقد نتنياهو أن الضغط العسكري المتزايد، بالأساس تعزيز ملاحقة السنوار نفسه، سيؤدي إلى تحسين قدرة إسرائيل على المساومة في المفاوضات في نهاية المطاف. محادثته مع المخطوفات اللواتي تم إطلاق سراحهن الجمعة الماضي، برهنت على أنه لا يمهد الأرضية الجماهيرية لأي تنازلات، بل العكس. في هذه الأثناء، يزداد القلق لدى جهاز الأمن على مصير المخطوفين في القطاع.
الهدف الأسمى
ظهر موقف نتنياهو من المفاوضات أيضاً في هجومه غير المسبوق أول أمس على المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، العميد دانيال هاغاري. نتنياهو مرة أخرى بقناع “مصدر سياسي” نشر بياناً للصحافة ضد المتحدث بعد تأكيده في المؤتمر الصحافي أول أمس بأن إعادة المخطوفين هدف سام للحرب. ونشر مكتب رئيس الوزراء قائمة طويلة للأهداف (من بينها “إعادة سكان الشمال إلى بيوتهم بأمان” الأمر الذي لم تعمل الحكومة مطلقاً على القول بأنها هدف علني للحرب). وقالوا إن أقوال هاغاري “مخالفة لتعليمات المستوى السياسي”.
عني هاغاري منذ بداية الحرب بعقد المؤتمرات الصحافية بشكل متواتر، والرد على أسئلة المراسلين، والتحدث بمبادرة منه مع الجمهور، حتى عندما تتناول الأسئلة أنباء سيئة، مثل المخطوفين الثلاثة الذين نجحوا في الهرب من أسر حماس وقتلوا على يد قوات الجيش الإسرائيلي.
عملياً، عمل هاغاري أكثر من مرة كدرع بشري لنتنياهو ورجاله. رغم أن مقر الإعلام الوطني – المدني لا يعمل في الحرب على الإطلاق. هذا في الوقت الذي يفضل فيه رئيس الحكومة التحدث إلى الجمهور بالأساس بعد إنجازات عسكرية. في الفترة الأخيرة، لا يكلف نتنياهو نفسه حتى عناء نشر بيانات قصيرة للمشاركة في الحزن عقب موت جنود في الحرب.
مهاجمة هاغاري علناً في الوقت الذي تتعاون فيه وسائل الإعلام مع عرض “المستوى السياسي” (رغم أن الحديث عملياً يدور عن نشر بيان خطي للمكتب)، هي مهاجمة تستهدف خدمة عدد من الأهداف؛ فقد ضربت الجيش الإسرائيلي في اليوم الذي وفر فيه البضاعة من خلال الهجوم على لبنان؛ وعرضته أيضاً كانهزامي باتهام الضباط على إخفاق 7 أكتوبر؛ وبثت مواقف متشددة للقاعدة السياسية في المفاوضات.
لا يضبط نفسه
خطوة نتنياهو تبدو تقريباً مسالمة مقارنة مع هياج وزير الأمن الوطني بن غفير. أول أمس، نشرت قائمته، “قوة يهودية”، إعلاناً كبيراً في الصحف ضد رئيس “الشاباك” رونين بار. هذا بعد أن أرسل بار رسالة تحذر من استفزازات بن غفير الخطيرة بخصوص الحرم، وأنها قد تؤدي إلى اشتعال آخر في القدس والضفة الغربية. حزب “قوة يهودية”، الذي مول نشر البيان من أموال دافعي الضرائب، اتهم بار بأنه يجر إسرائيل إلى كارثة أخرى لأنه يدفع قدماً بـ “صفقة خاطئة لا أساس لها”.
عندما طرحت هذه الأمور في جلسة الحكومة، رد نتنياهو بتقديم موعظة صغيرة لوزراء الحكومة، وطلب منهم إظهار ضبط النفس. ولكن بن غفير لم يظهر أي ضبط للنفس؛ ففي الـ 48 ساعة الأخيرة، استكمل تعيين المفتش العام الجديد للشرطة، ليكون خاضعاً لكل أخطائه، وأعلن عن ترقية ضابط عنيف في الشرطة وتجاهل قرار المستشارة القانونية للحكومة غالي بهراف ميارا. وكي لا يغيب عن العناوين، هدد بإقامة كنيس في الحرم.
نتنياهو تحفظ كعادته، لكن من الواضح أنهما يلعبان لعبة مركبة، تشمل تنسيقاً غير قليل من وراء الكواليس. في جهوده لإبقاء نظر وسائل الإعلام متجهة نحوه، يضر بن غفير بأمن الجمهور ويحاول إشعال الشرق الأوسط. ما تم كبحه على الحدود مع لبنان قد يشتعل في القدس.
عاموس هرئيل
هآرتس 27/8/2024