لا شك أن الحتمية تتناقض مع الحرية الإنسانية، في هذا كان المعتزلة على حق. كان تخلي العلم عن القانون المطلق هزيمة للحتمية، لكنه كان في نفس الوقت انتصارا لفكرة الحرية الإنسانية. لقد أعاد نقض فكرة الحتمية تعريف المستحيل كاحتمال ممكن، تماما كما أن الواقع هو احتمال متحقق. صحيح أن البشر لم ينتظروا مثل هذا التحول في نظرة العلم للعالم، ليمارسوا حريتهم أو ليطالبوا بها، لكن إيديولوجيا الطبقة الحاكمة خسرت بسقوط الحتمية في العلم ‘شرعيتها’ أو قناعها العلمي المزيف. يرتبط هذا الشعار الذي رفعته ثورات الطلاب و العمال عام 1968 بشكل صميمي بالشعار الآخر لتلك الثورات: كل الحرية للخيال. هذان الشعاران يسعيان معا إلى خلق عالم جديد أكثر إنسانية أو’ إنساني’ بالفعل عبر تحرير وعي القوى الاجتماعية المنتفضة على النظام القائم من خطاب النظام نفسه، ومن مؤسساته، بأن يبحث المنتفضون على النظام عن ‘حلول’ وأساليب جديدة لتنظيم الحياة الاجتماعية، خارج منطق السلطة السائدة، خارج مؤسساتها القائمة، وخارج الحلول التي يقترحها هذا النظام. لا شك أن مهمة الخيال هنا ليست رسم صورة المستقبل بالتفصيل، فهذه عملية خلق إبداعية مستمرة وتجريبية إلى حد كبير، كما هي المغامرة الإنسانية ذاتها، كما أننا رأينا كيف أن مستقبل البشرية، وقدراتها على الخلق، تتجاوز إمكانيات الخيال البشري نفسه قصيرة المدى. إن مهمة الخيال هنا هي البحث عن فضاءات جديدة، أرحب بما لا يقاس مما يتيحها السائد، أن يحطم هو أيضا أغلاله ليساهم بخلق عالم جديد. يمثل هذان الشعاران الروح الحقيقية للثورة، والأحلام الحقيقية للجماهير الثائرة، في نقض حدود النظام القائم والإيديولوجيا السائدة لما هو ممكن وما هو غير ممكن، في نقض فكرة أن الإنسان غير قادر على أن يحقق تغييرا جذريا في العالم الذي يعيش فيه، وفي إثبات قدرته على الحصول على حريته هنا والآن، و في أن تابوهات ومحرمات الوعي السائد هي عوائق مزيفة أمام انعتاق الإنسان والمجتمع، تماما مثلما يدعيه من حتمية الخضوع لسلطة قمعية.. مازن كم الماز