كواليس القراءة والكتابة في رواية المصري لمحمد أنقار

حجم الخط
0

كواليس القراءة والكتابة في رواية المصري لمحمد أنقار

بوشعيب الساوريكواليس القراءة والكتابة في رواية المصري لمحمد أنقارتعد رواية المصري لمحمد أنقار(1) من الأعمال الروائية العربية القليلة التي جعلت موضوع الكتابة الروائية وهواجسها تيمة أساسية تنتظم حولها كل العناصر الروائية من سرد ووصف وشخصيات ومكان… يتعلق الأمر بتجربة القراءة والكتابة وما يسبق الأعمال الأدبية، تلك المحاولات والتجارب التي يخوضها الروائي قبل أن ينهي عمله الروائي، ويستقيم علي الهيئة التي يريدها له صاحبه، يتعلق الأمر بكواليس الأعمال الأدبية.يصرح سارد وبطل الرواية أحمد الساحلي الملقب بالمصري بقراءاته لنجيب محفوظ والتي يعدها مرجعا ونموذجا للكتابة الروائية. فجعل نجيب محفوظ أستاذا له لكتابة رواية عن مدينته تطوان شبيهة بأعمال نجيب محفوظ مع قاهرته، مما يجعلنا كقراء لهذا العمل نستدعي مفاهيم مثل: القراءة، التلقي، النموذج والإنتاج الروائي، والتي تبدو لنا مداخل ملائمة لقراءة هذه الرواية.1 ـ القراءة والتلقيإن العمل الأدبي كيفما كان هو نتيجة لقراءة أو قراءات سابقة، والكاتب قارئ قبل أن يكون منتجا لأعمال أدبية، فهو من جهة قارئ ومن جهة أخري منتج وفق تلك القراءة، لأن القراءة عنصر مهم في إنتاج كل أعمال أدبية لاحقة. فكل قراءة مركزة ومستقرة من شأنها أن تؤدي إلي ولادة كتاب أو نص جديد، إنها اعتراف بقيمة الأثر (2). ورواية المصري كتابة عن تجربة القراءة والكتابة وتصرح بشكل كبير بأن السارد أحمد الساحلي قارئ كبير لنجيب محفوظ وأعماله الروائية وملم بعالمه الروائي ومستوعب لطريقته في الكتابة ومقوماتها وخباياها. يمكن الحديث في رواية المصري عن لحظتين: ـ لحظة القراءة: وهي ما قبل الرواية، وتشمل فترة طويلة خصصها السارد للتكوين والقراءة، إذ تشبع بالثقافة المشرقية وخصوصا أعمال نجيب محفوظ. شملت هذه المرحلة جل مسار حياته: فترة التعليم والدراسة الجامعية والتدريس إلي نهاية المشوار المهني.. ـ لحظة الكتابة ومعاناتها، والإنتاج علي ضوء القراءة، خصص لها فترة التقاعد بعد أن تفرغ من مشاغل الحياة ليكتب رواية عن مدينته تطوان وفاء لوعد قطعه علي نفسه.يتبين لنا أن القراءة أخذت حيزا زمنيا كبيراً بالمقارنة مع الكتابة، مما أثر علي الكتابة وجعلها موجهة بالقراءة، فكانت القراءة بمثابة نموذج يسترشد به السارد لكتابة روايته، وكأنه يكتب سيرة عن القراءة والكتابة، فجاءت الرواية بمثابة تلقي لنجيب محفوظ وإنتاج علي ضوء ذلك التلقي، فكانت القراءة هي المنتجة في رواية المصري ، إذ لا يمكننا الفصل بين القراءة والكتابة فهما يشتغلان معا وفي الوقت نفسه (3). 2 ـ حضور نجيب محفوظهناك حضور كبير لنجيب محفوظ في رواية المصري ، بشخصياته بقاهرته وبطريقته في الكتابة. والذي يشكل ذخيرة لأحمد الساحلي، والذخيرة هي الجزء البنائي للنص، والذي يعود إلي ما هو خارجي (4) وسابق علي النص.يستحضر السارد نصوصا من روايات نجيب محفوظ مثلا من رواية قصر الشوق يأخذ مقطعا طويلا: طريق كالتيه لا يكاد يمتد بضعة أمتار .. (ص 31). وكذلك جل روايات نجيب محفوظ بشخصياتها: ابن فطومة، أحمد عبد الجواد، الشحاذ… وذلك حسب المواقف التي تَعِْرضُ له. يقول: قلت لنفسي ما قاله الرحالة ابن فطومة لنفسه: إن خير ما تفعل يا رحالة أن تري وتسمع وتسجل وتتحاشي التجارب (ص 65). إن شخصيات نجيب محفوظ بمثابة مرجع يعود إليه السارد ليقارب به حالة من حالاته أو من حالات شخصياته، مثلا يقول عن علاقته بأحفاده: ظللت جنب محمود وتركته يلعب بخيوط طربوشي تارة وبشاربي ثانية وبالمجلة ثالثة، وتمثلت السيد أحمد عبد الجواد وهو يمازح أحفاده الستة وأكبرت فيه قدرته علي مسايرة عددهم الكبير . (ص 89).كما خلق السارد حوارا مع نصوص نجيب محفوظ يقول: ورجعت إلي نفسي وتساءلت عن جدوي ما شاهدت. قارنت جرأة الفتي بجرأة قنوات الحرافيش فوضح لي بون مبهم في السمات . (ص 64) فنصوص نجيب محفوظ أداة يقارن بها ما في عالمه الروائي من أحداث وشخصيات مع أحداث وشخصيات عالم نجيب محفوظ الروائي. ويستحضر كذلك مواقف نجيب محفوظ من الكتابة والإبداع فيقول: وهل نسيت أن نجيب محفوظ لم يكن يري في موضوع الماضي سوي طريق لتصوير الحاضر؟ ألم تنطق الجمالية والسيدة زينب والحسين والمدق تحت قلمه بوقائع العصر ومشاكل المجتمع الآنية . (ص 151). ويصل الأمر إلي حد استحضار طقوس الكتابة لدي نجيب محفوظ يقول: تذكرت ما قاله نجيب محفوظ من أن خياله يصبح نشيطا جدا أثناء تدخين الشيشة في مقهي الفيشاوي . (ص 111).كما تحضر مقومات الكتابة لدي نجيب محفوظ: البراعة في الوصف والتصوير، دقة التفاصيل، الاحتفاء بالمكان القاهري بدروبه ومقاهيه ومعالمه، وخلق شخصيات نموذجية (أحمد عبد الجواد…) والتي يحاول السارد السير علي منوالها واستدعائها في كل لحظة، لأن الأمر يتعلق بنموذج للكتابة.انطلاقا من هذه الملاحظات يبدو لنا أن نجيب محفوظ يصير نموذجا يحتذي به السارد أحمد الساحلي في حركاته وسكناته محاولا كتابة رواية عن تطوانه علي منوال نجيب محفوظ، ويجري مقارنة بين العمل الذي يقوم به ويبين أعمال وشخصيات نجيب محفوظ فيقول: ولكن هل هناك إمكانية لتصوير التاجر القصير بعيدا عن صورة السيد أحمد عبد الجواد . (ص 62). ويقول: لكنني لم أكن كأحمد عاكف وقد أقبل علي خان الخليلي آملا التغيير والتجديد واكتشاف حارة جديدة) (ص 56).3 ـ نجيب محفوظ النموذج يعد مفهوم النموذج أداة إجرائية ومنهجية توجه البحث نحو إنتاج معرفة علمية ما أمكن بالموضوع، فهو يسمح بالعودة إلي النموذج كلما احتجناه في تحديد وتوجيه الممارسة التي تستجيب لنموذج معين. (5) يسعفنا مفهوم النموذج هذا في مقارنة رواية المصري وذلك لسببين: ـ الأول: الرواية كتابة عن الكتابة. ـ الثاني: تصرح الرواية بالنموذج الموجه لها (نجيب محفوظ).يمثل نجيب محفوظ نموذجا لممارسة الكتابة الروائية لدي أحمد الساحلي بطل رواية المصري ، يحتذي به هذا الأخير في كل حركاته وسكناته في طقوس الكتابة في طريقة رسم الشخصيات والمكـان والوصف والسرد. يقول مثلا عن طقوس الكتابة لدي نجيب محفوظ، التي يحاول السارد أن يحتذي بها: نجيب محفوظ أدمن جلوس المقاهي وتجول في الحواري الشعبية وتمرس بالوظيفة الإدارية ولم يعتمد علي الموهبة وحدها أو كلام المعتوهين وإنما اكتوي بنار التجربة إلي حد الاحتراق . (ص 55 ـ 56). وهو الأمر الذي عاناه السارد، يتعلق الأمر بمعاناة التجربة وبويلاتها، كما يحاول السارد أن يكون عند حسن ظن نجيب محفوظ وأن يرضيه يقول: لا بد أن أكون في هذه اللحظة التاريخية جديرا بالاعتبار في عين نجيب محفوظ […] إنها نشوة التلميذ المجتهد الذي يتأهب للإجابة عن سؤال يعرفه حق المعرفة . (ص 127).تبعا لذلك يغدو نجيب محفوظ معلما للرواية، في نظر السارد، يعود إليه للتعامل مع الأحداث والأماكن والمواقف ليسترشد به من ذلك مثلا يقول: وجعلني انحراف فتي المدق أفكر في مأساة ابن أخي (ص 99).لذلك حضر نجيب محفوظ بقاهرته ونصوصه، ولم لا؟ وهو المرجع والنموذج الذي يسترشد به السارد لكتابة روايته عن تطوان والتي صاحبها الخوف من الفشل في تحقيق المراد، فكان نجيب محفوظ بمثابة سند وموجه للسارد. وهكذا انمحي السارد أمام نموذجه ونلمس ذلك الانمحاء من لقبه المصري والذي اتخذ عنوانا للرواية، والعنوان مؤشر دلالي وعلامة دالة علي النص تهدف إلي تبئير انتباه المتلقي علي اعتبار أنه تسمية مصاحبة للعمل الأدبي مؤثرة عليه (6) فعنوان الرواية المصري مرآة مصغرة (7) تعكس الحضور القوي لنجيب محفوظ، وبذلك ينمحي السارد أمام نموذجه ويصبح نسخة له.4 ـ نتائج القراءة كان من نتائج القراءة أن السارد لم يستطع التخلص من نموذجه، إذ صاحبه طيلة مسار محاولته كتابة رواية، فهل ذلك ناتج عن تقدير للأستاذ؟ أم أن التلميذ لا يقوي علي السير دون استشارة الأستاذ؟ لذلك كان حضور نجيب محفوظ أقوي من حضور السارد وحضرت القاهرة أكثر من تطوان، إذ طبع تطوانه بطابع قاهري، وجعل الشخصيات نسخا لشخصيات نجيب محفوظ، بل أشباحا لها، والأصل يبقي أقوي من النسخة فحضرت شخصيات محفوظ أكثر من شخصيات تطوان، وحضر الحديث عن كتابة الرواية أكثر من كتابة الرواية، فنكون بذلك أمام إعادة إنتاج القراءة السابقة (نجيب محفوظ) نفسها والقيم الجمالية نفسها، ويكون الفضل للسابق دائما، فتتحكم القراءة في الإنتاج (8).وخلاصة القول إن رواية المصري سلطت الضوء علي العمليات التي تسبق الأعمال الأدبية، انطلاقا من خلفية موجهة وهي أن المحاكاة أساس الإبداع لكن النموذج طغي علي محاولة السارد وجعله يعيد إنتاج نفس القيم الجمالية لنجيب محفوظ، فطغت القراءة علي الإنتاج ووجهته، وظل السارد محكوما بالتقليد.ہ كاتب من المغرب1 ـ محمد أنقار، المصري ، منشورات الزمن، 2004.2 ـ إيمانويل فريس وبرنار موراليس، قضايا أدبية، آفاق جديدة في نظرية الأدب، ترجمة لطفي زيتونة، سلسلة عالم المعرفة العدد 300 شباط (فبراير) 2004، ص. 174 ـ 175.3 ـ Cl‚ment maison, qu’est ce que l’histoire li‚raire?, Ed. P.U.F, Paris, 1987, p. 2134 ـ W.Iser, l’acte de lecture, Ed. P. Mardaga, Bruxelles, 1985, p. 1285 ـ أحمد بوحسن، العرب وتاريخ الأدب ، دار توبقال، الدار البيضاء، 2003 ص. 25.6 ـ شعيب حليفي، هوية العلامات ، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2005، ص. 11.7 ـ نفسه، ص. 14.8 ـ أحمد بوحسن، النص بين التلقي والتأويل نص الدكتور طه حسين في الغير لمحمد المختار السوسي، ضمن قضايا التلقي والتأويل، منشورات كلية الآداب الرباط، سلسلة ندوات ومناظرات، 1995، ص. 108.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية