الدوحة ـ”القدس العربي”: دفعت القفرة التي سجلتها أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد، وانتقال العدوى بمعدلات مقلقة، دول الخليج العربي لاتخاذ إجراءات سريعة، وإعلان خطط طوارئ، لتطويق الجائحة التي أرعبت العالم، مع اعتماد حزمة مساعدات لدعم الشركات المتضررة، والسعي لتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان.
كورونا ليس غريباً على مسامع سكان الخليج العربي
وبالرغم من تأكيد المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية للشرق الأوسط الدكتور أحمد بن سالم المنظري، أن انتشار فيروس كورونا المستجد في الشرق الأوسط لم يصل ذروته بعد، إلا أن دول الخليج تتحرك بسرعة أكبر لتطويقه، تلافياً لانتشاره بمعدلات غير قابلة للتحكم.
وتأتي هذه الخطوات بعد القفزة التي سجلتها الأرقام في ظرف قياسي في دول مجلس التعاون، استوجب على صناع القرار التدخل بحزم لتفادي الأسوأ، وتحفيز السكان الالتزام بالتدابير الاحترازية، والتوجيهات العامة.
الأرقام المتسارعة في الأيام الأولى لانتشار الجائحة، جعلت السعودية في المركز الثالث بعدد الإصابات بعد قطر التي سجلت 452 إصابة وفقا للأرقام الصادرة عن مجلس الصحة لدول مجلس التعاون، والبحرين التي بلغت 256 حالة، في حين أحصت الكويت 142 حالة والإمارات 113 وسلطنة عُمان بـ39 حالة.
هذه الأرقام بعد تسجيل منحناها التصاعدي في الأيام الأولى للأزمة، تشهد في الفترة الأخيرة استقراراً. وأعلنت وزارات الصحة أن أعداد المصابين هي حالياً، عند حدودها الدنيا، ولم تعد ترتفع بالعشرات، حيث تزداد بين يوم وآخر بحالات فردية، ومرتبطة بالحالات الأولى، لأشخاص خالطوا المصابين.
وذكر تقرير مجلس الصحة لمجلس التعاون، أنه يتم في الوقت الحالي تسجيل حالات تماثلت للشفاء، وبلغ عددها نحو 100 حالة في البحرين، وما يناهز 30حالة في الإمارات، و15 حالة في كل من الكويت وعُمان، ونحو عشر حالات في كل من السعودية وقطر.
تدابير
حاولت السلطات في العواصم الخليجية الست التعامل بشفافية مع الأزمة التي يشهدها العالم، وشددت على أن الفترة المقبلة تعد مرحلة حاسمة لكسر سلاسل انتقال الفيروس.
ودعت السلطات في كل من الرياض، وأبو ظبي، والدوحة، والكويت، والمنامة، ومسقط، جميع السكان إلى عدم الخروج من المنزل إلا للضرورة، وتجنب التجمعات لتلافي الإصابة، مؤكدة أن الالتزام بتعليمات وزارة الصحة وبالحجر المنزلي للوافدين سيحد من انتشار الفيروس.
واتخذت دول الخليج قراراً سريعاً وجريئاً بغلق المدارس وجميع المؤسسات التربوية، والمعاهد والجامعات، والانتقال نحو التعليم عن بعد، في خطوة حاسمة لإبعاد الفئات العمرية الأصغر في المجتمع عن دائرة الخطر.
واستكملت القرار بحزمة إجراءات لتوجيه المؤسسات والشركات والهيئات الحكومية لتقليل أعداد الموظفين والعاملين نحو حدوده الدنيا، واعتماد نظام العمل عن بعد.
كما اعتمدت إجراءات من قبيل وقف نشاط المحلات في المجمعات التجارية، والمرافق الخدمية مثل صالونات الحلاقة والعناية واللياقة البدنية، كما حظرت معظمها المقاهي والمطاعم، والاكتفاء بخدمات التوصيل للطلبات.
وساهمت الإجراءات المتبعة في تقليل التجمعات وتحولت أغلب العواصم الخليجية لمدن أشباح مع التزام الكثيرين من المواطنين والمقيمين بيوتهم، مع توقف تام لوسائل النقل العام.
أما في السعودية، فتم فرض غرامة تصل إلى نصف مليون ريال (133 ألف دولار) على من لا يفصح عن بياناته الصحية، للتأكيد على أهمية التزام الجميع بالإجراءات الاحترازية المتخذة.
وعلقت السلطات السعودية التواجد والصلاة في ساحات الحرمين الشريفين، خاصة يوم الجمعة، للحد من انتشار فيروس كورونا، كما اتخذت من قبل قرارات بتعليق أداء العمرة.
كما لجأت الدول الخمس الأخرى إلى غلق المساجد ودعوة الجمهور لأداء عباداتهم في بيوتهم.
تطويق الحدود
بعد فرض دول الحصار وهي السعودية والإمارات العربية، والبحرين منتصف سنة 2017 حصاراً على شقيقتها الدوحة، جاء كورونا ليزيد من تطويق الحدود بين الدول الست.
وتسبب كورونا في بدء مرحلة جديدة من إغلاق الحدود، ضمن إجراءات وقائية تتضمن وقف الرحلات الجوية والبحرية، مع دول مختلفة، واستثناء عودة المواطنين لدولهم.
حظر الدخول لم يقتصر على الأجواء الجوية، وامتد للنقل البحري، وأعلنت شركة موانئ قطر (حكومية) بدء فحص جميع السفن الآتية إلى موانئ حمد والرويس والدوحة، خاصة من البلدان التي أعلنت تسجيل حالات إصابة بالفيروس.
سلطات ميناء “خصب” العماني، أعلنت عن تعليق استيراد البضائع الإيرانية عبر الميناء، تحسبا من انتشار وباء كورونا.
لقاء افتراضي
وبالنسبة للخلافات السياسية بين دول مجلس التعاون الخليجي، فقد جعل الفيروس العواصم المتشددة في أزمتها المفتعلة ضد قطر، تتراجع خطوة للخلف.
وعقد وزراء الصحة في دول مجلس التعاون الخليجي اجتماعًا، عبر تقنية الفيديو كونفرانس، لمناقشة إجراءات الحد من انتشار فيروس كورونا.
وشارك في الاجتماع وزراء صحة دول مجلس التعاون الست، بينهم وزيرة الصحة القطرية الدكتورة حنان محمد الكواري.
وقال مجلس التعاون الخليجي، في بيان بثه على موقعه الإلكتروني، إن الاجتماع تضمن تقييمًا للوضع الحالي في كل دولة على حدة، إضافة إلى الإجراءات المتبعة في المنافذ والإحصاءات المتعلقة بالفيروس وجاهزية القطاع الصحي والخطط الإعلامية والتوعوية وخطط الطوارئ.
واتفق الوزراء على إنشاء غرفة عمليات مشتركة وعقد اجتماع أسبوعي لوكلاء وزارات الصحة في دول المجلس، لمتابعة المستجدات والتنسيق بشأن القرارات المشتركة.
كما سيتولى مجلس الصحة بالتنسيق مع وزارات الصحة إصدار تقرير يومي عن الحالات المؤكدة ومصدرها، والإجراءات الاحترازية التي يتم اتخاذها في دول الخليج.
لا أفراح
غيّر انتشار الفيروس حول العالم عادات السلام التقليدية المتبعة منذ قرون واستبدلها بأساليب جديدة في ظل الخوف من العدوى بالفيروس الذي ينتقل بسهولة بين البشر.
وتفاعلت شعوب الخليج مع الظرف الراهن، واضطر أفرادها للتأقلم مع الوضع الاستثنائي وتغيير عاداتهم المتوارثة عبر الأجيال.
لا مكان للسلام بالأيدي أو حب الخشوم ولا القبل والأحضان في زمن فيروس كورونا المستجد، مثلما عبر الكثيرون في مجالسهم، وحاولوا فرض الاشتراطات الصحية التي تؤكد عليها منظمة الصحة العالمية، ووجهت بها السلطات المحلية.
وعصف كورونا بعادات وتقاليد اجتماعية ترسخت عبر قرون، وتقبل كثيرون الأمر، مع إضفاء أجواء من المزحة على الأمر.
تجارب
اسم “كورونا” ليس غريباً على مسامع سكان الخليج العربي، إذ انتشر قبل سنوات خلت فيروس بالاسم نفسه، أي كورونا، والمتسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وهذا منذ عام 2012.
وانتشر كورونا السابق، في دول خليجية، وعربية عدة، متسبباً في المئات من المصابين وعشرات القتلى، أغلبها في السعودية التي كانت مهده الأول.
وتعرف منظمة الصحة العالمية متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، مرضاً تنفسياً فيروسياً، يتسبب فيه أحد فيروسات كورونا وسبق أن اكتُشف لأول مرة في المملكة العربية السعودية عام 2012.
وتمثل فيروسات كورونا فصيلة كبيرة يمكن أن تتسبب في أمراض للبشر، يمتد طيفها من نزلة البرد الشائعة إلى المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة “سارس”.
وبُلِّغ عن حالات متلازمة الشرق الأوسط التنفسية في 27 بلداً منذ عام 2012 وبلَّغت المملكة العربية السعودية عن 80 في المئة تقريباً من الحالات البشرية.
وتمثل الحالات التي اكتُشفت خارج الشرق الأوسط أشخاصاً أُصيبوا بالعدوى في الشرق الأوسط ثم سافروا إلى مناطق خارجه. ووقعت بعض الحالات المحدودة النطاق خارج الشرق الأوسط.
وساهمت التجارب السابقة مع فيروس كورونا الأول، في تحفيز السلطات على استخلاص تجاربها السابقة، والتعامل بحزم مع كوفيد -19.
والسعودية، التي فقدت 520 مواطناً ما بين العامين 2012-2015 بسبب فيروس كورونا الشرق الأوسط، استطاعت أن تطور من إجراءاتها الاحترازية بناء على تجربتها، إذ لدى الرياض خطة طوارئ ومركز مختص لمراقبة الوضع الصحي، ومختبرات ذات جودة. والحال نفسه كان مع الدوحة، وكذلك أبو ظبي وهو ما يوضح سرعة اتخاذ تلك الإجراءات الحازمة، مقارنة حتى مع دول متقدمة مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
حزمة مساعدات
الإجراءات المتشددة التي اعتمدتها العواصم الخليجية، رافقتها خطط دعم للقطاعات الاقتصادية والشركات والمؤسسات المتضررة في عدد من دول مجلس التعاون.
وتنوعت حزم الدعم بين الإعفاء من دفع أقساط القروض التجارية المتأخرة أو تأجيل السداد لمدد تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر، إضافة إلى ضخ مبالغ في صناديق الدعم.
وسعت السلطات من خلال الميزانيات المخصصة لدعم المتضررين من الجائحة إلى ضمان استمرارية الإنتاج والتموين للشركات والمؤسسات التجارية حتى لا يتسبب الأمر في تعقيد الأوضاع.
وتأمل السلطات أن تتمكن إجراءاتها من الحد من انتشار كوفيد-19 في أسرع وقت، لضمان سلامة السكان جميعاً، والتأكيد أن الحياة ستعود إلى إيقاعها الطبيعي بسرعة، كلما التزم الجميع بالإجراءات المعلن عنها، وهو ما يأمله سكان هذه الدول.