كوريا الشمالية وقنبلة الفقراء

حجم الخط
0

قلبت كوريا الشمالية كل المعادلات الاقليمية في شرق آسيا، وربما العالم بأسره، باجرائها امس تجربة تفجير نووية ناجحة، دشنت دخولها النادي النووي العالمي بقوة كقوة تاسعة بعد الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن، علاوة علي الباكستان والهند واسرائيل.

الادانات توالت لهذه الخطوة الكورية الشمالية، ودعت الولايات المتحدة لاجتماع طاريء لمجلس الامن الدولي بمساندة بريطانيا، وطالبت الدولتان بعقوبات قوية وسريعة ضد حكومة بيونغ يانغ بسبب انتهاكه لمعاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية.

التجربة النووية الكورية لم تكن مفاجئة لاحد، ولكن المفاجيء هو عدم اهتمام الحكومة الكورية الشمالية بكل التهديدات الامريكية التي حذرتها من اجرائها. وهذا يعني ان قرار تحدي الولايات المتحدة بهذه الطريقة الاستفزازية قرار استراتيجي جدي، ولم يكن مجرد مناورة للحصول علي بعض المساعدات المالية والاقتصادية، مثلما تكهنت بعض وسائل الاعلام الغربية.

الحصار الاقتصادي الذي تطالب الولايات المتحدة بفرضه علي كوريا الشمالية لن يعطي ثماره، لان هذا البلد الذي يكاد ان يكون الوحيد الذي يتمسك بالشيوعية ومبادئها بالكامل، يعيش هذا الحصار ويواجه عزلة دولية منذ عدة اعوام.

الخيارات الامريكية تبدو محدودة للغاية في مواجهة هذا العضو المشاغب الذي انضم الي النادي النووي. فقد فشلت امريكا في منع كوريا الشمالية من امتلاك اسلحة نووية، وستفشل مرة ثانية في حرمانها من هذه الاسلحة او اجراء تجارب جديدة.

فالخيار العسكري مستبعد لان الخسائر التي يمكن ان تترتب عليه باهظة للغاية مادياً وبشرياً واستراتيجياً. فهناك 28 الف جندي امريكي في كوريا الجنوبية يعتبرون بمثابة رهائن في حال قررت كوريا الشمالية الرد علي اي عدوان امريكي علي اراضيها.

مضافا الي ذلك ان امريكا التي تورطت في حروب في العراق وافغانستان، وارسلت اكثر من مئتي الف جندي اليهما دون ان تحقق اي نجاح، لا تبدو في وضع يسمح لها بارسال قوات اضافية الي كوريا الجنوبية وخوض حرب ضد جارتها الشمالية، وربما يكون هذا الوضع الامريكي العسكري الحرج هو الذي شجع كوريا الشمالية علي الضرب بعرض الحائط بالتهديدات الامريكية، فكوريا تملك جيشا قوامه مليون وربع المليون جندي ومنظومة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدي مزودة برؤوس نووية، مثلما تملك ترسانة من الاسلحة الكيميائية والبيولوجية ونحو 11 الف قطعة مدفعية من كل الاحجام والاوزان يمكن ان تحرق كوريا الجنوبية في ساعات معدودة.

ومن المفارقة اننا لم نسمع كل هذه الضجة العالمية، والتهديدات بالعقوبات، بل والضربات العسكرية عندما فجرت اسرائيل تجاربها النووية وانتجت اكثر من 300 رأس نووية لان اسرائيل فوق القانون الدولي ومعاهدات الامم المتحدة ومواثيقها، وتحظي بدعم الولايات المتحدة الامريكية وحمايتها.

معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية انهارت بالكامل ولم تعد تحظي باي احترام بعد التجربة الكورية الشمالية النووية. والسبب الرئيسي في انهيارها ليس دخول كوريا الشمالية النادي النووي رغما عن الولايات المتحدة، وانما لان الاخيرة، اي امريكا، طبقت هذه المعاهدة بطريقة انتقائية، واستثنت اسرائيل منها.

المخاوف الامريكية لم تعد تنحصر فقط في امتلاك كوريا الشمالية اسلحة نووية مؤكدة، وانما في احتمالات تصدير هذه الاسلحة والتكنولوجيا النووية الي دول اخري في الشرق الاوسط علي وجه الخصوص. وهذا ما يفسر عكوف الولايات المتحدة حاليا علي وضع خطط لحصار كوريا الشمالية بحريا لمنع تصدير اي من قنابلها واجهزتهــا النووية.

وما يثير الاستفزاز والحنق هو رد فعل اسرائيل الغاضب علي التجربة النووية الكورية وحديثها الممجوج عن انتهاكها لمعاهدة منع انتشار الاسلحة النووية، وكأن اسرائيل احترمت هذه المعاهدة واعترفت بها ووقعت عليها.

موقف الولايات المتحدة تجاه كوريا الشمالية وتجربتها النووية سيكون في منتهي الحراجة، لانها ستقف مكتوفة الايدي، الا اذا قررت ادارتها ارتكاب حماقة وقصف بيونغ يانغ نووياً. ولعل المسؤولين الايرانيين هم الاكثر سعادة وهم يرون ادارة الرئيس بوش في هذا الوضع، ولكن عليهم ان يتذكروا ان موقفهم ربما بات اكثر صعوبة. فالفشل في منع كوريا الشمالية من امتلاك اسلحة نووية ربما يدفع بادارة بوش الي محاولة التعويض باستهداف ايران وبرنامجها النووي والتعلم من درس كوريا، بحيث لا يصل هذا البرنامج الايراني الي انتاج اسلحة نووية تجعل ايران في وضع رادع يستحيل التعامل معه في مراحل لاحقة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية