كان رد الحكومات الغربية على انتشار كوفيد-19 الذي يسببه فيروس كورونا المستجد متأخرا أسبوعين، وعند وصوله واجهت خيارات قاسية بين اقتصادها وحياة أو موت سكانها. ذلك أن الاقتصاد علامة نجاح النظام السياسي، ولهذا السبب وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعودة الحياة الطبيعية سريعا وبعد الانتهاء من أعياد عيد الفصح المجيد، ثم تراجع تحت ضغط مستشاريه الطبيين الذين عادة ما يصححون تكهناته وأراءه المتعجلة حول الفيروس، أسبابه وحتى علاجه. فالفيروس قد تمكن وأصبحت أمريكا في قائمة الدول الأكثر تأثرا به فيما تراجعت الصين مصدره إلى المرتبة السادسة.
ثمن فادح
وباتت الدول العالمية والعربية منها أمام ثمن الفيروس الفادح على الاقتصاد. وفي البداية سمعنا كلمة كساد أو ركود تقال على استحياء وأن الدول الأوروبية سارعت للغوص عميقا في خزائنها المالية لمنع الاقتصاد من التباطؤ والاستفادة من دروس الكساد العظيم في العقد الثالث من القرن العشرين والأزمة الاقتصادية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وقارن بعض المعلقين السياسة التي انتهجتها حكومة المحافظين البريطانيين بسياسة العمال ذات الميول الاشتراكية والتي تدعو للعدالة الاجتماعية وزيادة الإنفاق العام وبناء دولة الرفاه. وكلمة رفاه ليست من الكلمات المحببة لدى الأنظمة اليمينية الشعبوية سواء كانت في بريطانيا أم أمريكا أو أي مكان في العالم. فلطالما صمم النموذج الاقتصادي في هذه الدول لحماية الطبقة الغنية ورجال الأعمال وأصحاب المصالح.
إغلاق وركود
ومن هنا رأى الكثيرون في تدخل صهر الرئيس ترامب، جارد كوشنر في موضوع الرد على فيروس كورونا تضاربا للمصالح وفتحا للباب كي تدخل منه الشركات الكبرى والتي قد تستخدم فكر الخيرية والتطوع لتعزيز أقدامها في الحكومة الفدرالية. وهو ما كشف عنه تقريران في كل من مجلة “بوليتكو” و “ذا أتلانتك”. وزادت مخاوف الاقتصاديات الكبرى من التباطؤ الاقتصادي وانكماشه بسبب تراجع الطلب، فعندما تضع السكان في بيوتهم وتمنعهم من الخروج وتحظر على كل أشكال النشاط الاقتصادي العمل باستثناء الضروري مثل النقل أو المتاجر التي تبيع الحاجات الأساسية أو تلك التي تنتج المواد الخاصة بالعمل الطبي وحماية من هم على الخطوط الأمامية (مصطلح حربي) يعملون في مواجهة الفيروس، فأنت تقوم بدفع الاقتصاد نحو الركود. وكما تقول مجلة “نيويوركر” (3/4/2020) ففي أسبوعين من الركود الاقتصادي بسبب الفيروس سجل 6.6 مليون أمريكي أنفسهم كعاطلين عن العمل، وهذا يعني أن عشرة ملايين شخص فقدوا أعمالهم. وبدأت العناوين الإخبارية التي حاول الساسة تجنبها تظهر في الصحف وعلى شاشات التلفزيون، خذ مثلا العنوان الكبير في صحيفة “فايننشال تايمز”(3/4/2020) “الاقتصاد العالمي يستعد لتراجع حاد منذ الكساد العظيم”. وقالت إن وباء فيروس كورونا والإغلاقات التي فرضتها الحكومات على جانبي المحيط الأطلنطي دفعت الاقتصاد العالمي إلى تراجع حاد لم يشهده منذ ثلاثينات القرن الماضي. وكشفت الأرقام التي صدرت يوم الجمعة أن الاقتصاد الأمريكي تخلص من 710.000 وظيفة في بداية آذار/مارس منهيا 113 شهرا من النمو في مجال خلق الوظائف.
وجاءت هذه الأرقام الصادمة بعد وقت قصير من دراسة مسحية كشفت أن قطاع الخدمات في أوروبا سيعاني من مشاكل عميقة بتراجع كبير في النشاط ومنظور النمو لمدة 20 عاما.
وحذرت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا من صدمة فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي وأنها ستكون أسوأ من أزمة عام 2008 وقالت “هذه الأزمة لا تشبه أي أزمة مالية أخرى” وأضافت “لم نشهد أبدا في تاريخ صندوق الدولي توقفا تاما للاقتصاد” و “هي أسوأ من الأزمة المالية العالمية”.
وليست هذه هي نهاية الأخبار السيئة، ذلك أن الأسوأ مقبل في نيسان/إبريل الحالي كما يقول الاقتصاديون. ويتوقع الكثير منهم أرقاما مضاعفة في تراجع المداخيل في الربع الثاني، حيث تم إغلاق مساحات واسعة من أكبر محورين اقتصاديين عالميين. وتراجعت مؤشرات نشاطات مدراء المشتريات في بريطانيا ومحور اليورو والسويد إلى 20 نقطة، حيث رأت معظم الشركات تحسنا في النشاط إلى أقل من تلك التي شوهدت في أسوأ نقطة من الأزمة العالمية 2008-2009.
وقادت الإحصائيات الرهيبة الاقتصاديين لتخفيض توقعاتهم للنمو العالمي والتي كانت في آذار/مارس 3 في المئة. وخفض الاقتصاديون في بنك أمريكا تقديراتهم بشكل متتابع ويتوقعون الآن انقباضا بنسبة 2.7 في المئة وهي نسبة أسوأ من عامي 2008-2009.
ورغم تعلم الحكومات والأنظمة السياسية على جانبي الأطلنطي من دروس الأزمة المالية العالمية حيث ردت بحوافز مالية ومنح التأمين لمن فقدوا عملهم اليومي في الشركات ومن راقبوا مداخيلهم تجف بدرجات سريعة أكثر مما يحصل في حالات الركود العادية، إلا أنها لم تكن قادرة على منع الإغلاقات التي تركت أثرا مدمرا على النشاط الاقتصادي. وستظل هذه الإغلاقات قائمة حتى يتم وقف انتشار الفيروس، وعندها ستبدأ برفع القيود تدريجيا.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه أمريكا وأوروبا أخبارا سيئة جديدة فستتركز كل العيون على الصين وإن كان اقتصادها سيتعافى بعدما رفعت القيود على الحركة. ويظل النشاط الاقتصادي في الصين وغيرها مرتبطا في النهاية بمكافحة الفيروس الذي باتت تسيطر على كل النشاطات الاقتصادية في البلاد المنكوبة. وفرض كوفيد-19 على الحكومات خيارات قاتمة كما تقول مجلة “إيكونوميست” (2/4/2020) بين الحياة والموت والاقتصاد، ففي إيطاليا وإسبانيا اضطر الأطباء لاتخاذ قرارات صعبة لإنقاذ المرضى المصابين، بين العجوز والشاب نظرا لنقص المعدات الطبية. فقد أصبح توفير المعدات الطبية أمرا حيويا للدول، ورفضت ألمانيا مثلا طلبا لمساعدة إيطاليا في هذه المعدات، وطلبا من إسرائيل أيضا. وباتت الدول تجند مؤسساتها الأمنية لتأمين المعدات من الأقنعة الواقية وأجهزة التنفس كما كشف تقرير في صحيفة “واشنطن بوست” (3/4/2020) مثلا عن تدخل الموساد في مواجهة فيروس كورونا مع أن مهمته هي التجسس وليس شراء المعدات من مصادر سرية قد تكون دول عربية. وفي بريطانيا كلفت الحكومة الجيش بإدارة مستشفى ميداني “نايتنغيل” وأمرت الشرطة بمراقبة حالة الإغلاق.
مقايضات
وترى “إيكونوميست” أن كل دولة من دول العالم تحاول مقايضة الموت بالحياة أو الاقتصاد بموت الناس. فعندما قال حاكم نيويورك أندور كومو “لن نضع دولارات على حياة الناس” كان في النهاية يختار، فولايته الأكثر تضررا بالوباء والمستشفيات أصبحت تئن تحت عدد الحالات التي نقلت إليها. وربما كان الحاكم يتحدث تحت وطأة الكارثة لكن القادة عليهم التفكير مليا إن أرادوا عبور هذا الشهر نيسان/إبريل وحتى الآن لم نر أي خطة ذات معنى. فقد قررت روسيا تبني إغلاقات قاسية وبعقوبات 7 سنوات لمن يخرق الحجر. وطلب من 250 مليون أمريكي البقاء في بيوتهم. وفي الهند أمر ناريندرا مودي، رئيس الوزراء إغلاق الهند لمدة 21 يوما. وكان تفكير الهند مدفوعا بفكرة التحرك السريع، لكن القرار كان بدون تفكير، فلم تأخذ الحكومة بعين الاعتبار العمال المهاجرين الذين تدفقوا خارج المدن حيث نقلوا المرض بينهم وحملوه معهم إلى قراهم.
ومن الصعب في حالة الهند وروسيا والدول الأخرى النامية تطبيق الإغلاق كما في الدول الغربية، ذلك أن قدرات الدولة محدودة. وتريد الهند إبطاء انتشار المرض حتى يتم التوصل إلى علاج لكوفيد-19 ونظامها الصحي لديه القدرة والجاهزية لكن الحكومة لا تستطيع دعم ملايين العمال والمواطنين الذين تركوا عملهم شهرا بعد شهر، كما أن الملايين منهم لا توفير عندهم للاعتماد عليه في فترة الإغلاق. وتوجد في الهند مدن صفيح مزدحمة حيث يصعب تطبيق التباعد الاجتماعي وتوفير المطهرات. وتظل المقايضة في روسيا مختلفة، ففلاديمير بوتين المنشغل بتمديد حكمه مدى الحياة يحاول الآن وقد وصل المرض التخفيف من أثره السياسي المدمر وكتم المعلومات الصحيحة، مع أن التواصل الجيد بين الحكومة والمواطنين كما في تايوان وسنغافورة كان سببا في احتواء المرض.
مبادئ مهمة
ورغم ما تحمله المقايضات من منافع وسلبيات لكل دولة، إلا أن هناك مبادئ مهمة في أي عملية توازن تقوم بها الحكومات، فعلى خلاف الهند، فالإغلاق في أمريكا مكلف ولا يساوي الأرواح التي سيتم إنقاذها. ولكن حزمة المساعدات التي قدمتها الحكومة لكل أمريكي هي الثمن الذي يجب أن تدفعه لمواجهة المرض الذي لو ترك بدون مواجهة لأكل مليونا من الأمريكيين. وتظل أمريكا محظوظة لأنها ثرية وتستطيع عمل هذا مقارنة مع الهند التي إن فشلت في وقف انتشار المرض عبر الإغلاق فسيكون خيارها وبشكل مأساوي مختلف. وحتى تكون المقايضة صحيحة فيجب على الحكومات أن تفكر بطريقة منظمة، فمبلغ 60.000 دولار لكل بيت أمريكي هو مجرد حسبة لثمن الحياة وليست أموالا نقدية حقيقية، وهي عبارة عن إجراءات حسابية تساعد على مقارنة الحياة والوظيفة والقيم الاجتماعية في مجتمع معقد. وكلما زادت الأزمة كلما أصبحت هذه الإجراءات مهمة. فعندما يسقط طفل في بئر تصبح مساعدته أمرا حتما ويجب ذلك. أما في الحرب فلا يستطيع القادة الفرار من حقيقة أن كل عمل يقومون به سيفرض ثمنا اجتماعيا واقتصاديا باهظا.
أما المبدأ الثاني فيجب على الحكومات في زمن الأزمة مساعدة العمال الذين طردوا من عملهم، وكذا الأطفال الذين لم يعودوا يحصلون على وجباتهم المجانية في المدارس. وعلى المجتمع مساعدة الشباب بعد نهاية الأزمة، فهم وإن لم يتأثروا إلا قليلا بالمرض إلا أن العبء يقع عليهم اليوم وفي المستقبل لتشغيل عجلة الاقتصاد عندما تبدأ حكوماتهم بدفع القروض. والقضية المهمة في كل هذا هو أن الفيروس خلق وضعا جديدا، وهذا هو المبدأ الثالث، فعلى الدول التكيف مع الواقع الجديد، فتوازن الثمن والمنفعة سيتغير مع تكشف آثار الوباء. فالإغلاق التام يعطي الحكومات وقتا لمنع انتشار كوفيد-19. وعندما يتم رفعه فسيعود في موجة ثانية تصيب الأشخاص الأضعف. وعند هذه النقطة تكون الدول جاهزة لمواجهته من ناحية تمويل القطاع الصحي وتوفير أجهزة التنفس والمعدات الطبية الأخرى التي باتت في ظل الموجة الحالية عملة نادرة تتنافس عليها الدول. وفي حالة عدم توفر العلاج للمرض فسيظل السكان في حالة حصار بشكل يترك أثره على الاقتصاد والناتج القومي العام، وعلى التماسك الاجتماعي والصحة النفسية للناس نتيجة البقاء الطويل في البيوت. وستنهار الأسواق ويتم تأجيل الاستثمارات وتتلاشى قدرة الاقتصاد ويتراجع الإبداع والمهارات، وهذا هو ثمن التباعد الاجتماعي الذي لا يريد أحد الاعتراف به. وبدأت مظاهر هذا في الطريقة التي تصرف فيها الأغنياء في أوروبا الذين هربوا من المدن المصابة بكوفيد-19 وفروا إلى قصورهم وفيللهم في الريف. مما خلق كما أشارت صحيفة “فايننشال تايمز” (1/4/2020) حالة من الانقسام الطبقي والسخط، فقد ترك العمال في المتاجر والمخابز وعمال النفايات وحدهم في الشوارع الفارغة ليواجهوا مصيرهم أمام الفيروس.
وفي المحصلة فالمجتمعات تحتاج في مرحلة ما بعد كورونا لإعادة بناء اقتصادها ومجتمعاتها على أسس جديدة وقد تعلمت من دروس الوباء الحالي وربما التحضير للكارثة المقبلة ولكن بأسس جديدة. والمعضلة أن الحكومات مثل الناس تنسى وتتواطأ في المآسي.