فيصل عبد الحسن إحدى الظريفات أرسلت رسالة لي تتحدث فيها عن زواج العظماء والمفكرين والمكتشفين في العالم، وذكرت سنوات زواجهم وأسماء زوجاتهم وأعمارهن، وأضافت إلى ذلك صفات الزوجة إن كانت جميلة أو دميمة، وحين وصلت إلى كريستوفر كولمبس مكتشف أمريكا ذكرت أنه لم يكن متزوجا، أما كيف توصلت إلى ذلك الاستنتاج، فقد عددت تلك الظريفة عدة أسباب، قالت أنها أستنتجها، من واقع الحياة، ومن فهمها للمرأة كونها امرأة، وخصوصا عندما تكون متزوجة من رجل لديه مواهب وطموح كولومبس، وقد جاء تقديرها، أنه لم يكن متزوجا، للأسباب التالية، وقد بدأت هكذا، أنها لو افترضت أنه كان متزوجا، وأتخذ قرارا خطيرا كقرار البحث في المحيط الأطلسي، البالغ المخاطر عن قارة مجهولة يعتقد بوجودها في الجزء الغربي القصي من العالم: لقالت له تلك الزوجة المفترضة: لم يكن هذا اتفاقنا في أيام الخطوبة، وكيف تذهب وتتركني وحدي هنا، وإنا إيطالية غريبة بين هؤلاء الأسبان الأشرار( لقد كان كريستوفر إيطاليا من مواليد أسرة متواضعة في مدينة جنوة وقد ولد في عام 1451م وقام برحلته لاكتشاف العالم الجديد يتمويل مالي من الملك الإسباني فرديناند وزوجته الملكة إيزابيلا عام 1492 م)؟ وتستمر أسئلتها المثبطة لأكبر العزائم، وتسأله هل قررت حقا أن تسافر وحدك؟ ومن يضمن لي أن لا تكون معك واحدة غيري، وكم ستستغرق رحلتك؟ وحين يخبرها تبدأ بذرف الدموع، ومن بين دموعها تسأل: ومن أين جاءتك هذه الفكرة المجنونة؟ ولماذا أنت وليس غيرك من يقوم بهذا الاكتشاف؟ هل هو حظي الأسود الذي قادك إلى هذا البحث العقيم، أم ماذا ترى؟ وتعود مرة أخرى لدموعها، ثم تصمت لتكرر من جديد: كلما أفكر أرى أنها خطة ذكية منك للهروب من وجهي!! وأنك مللت مني، وتبحث عن واحدة أخرى غيري في الجهة الغير مكتشفة من العالم، لقد عرفت منذ البداية أن حظي أسوأ من كل أخواتي اللاتي تزوجن برجال أعمال، فهن من حفلة إلى أخرى ومن فرح إلى فرح، ومن هدية إلى هدية أخرى، ولسن كحظي، لا أدري من أين ظهرت لنا أمريكا هذه؟ ولصرخ كولومبس في النهاية أنه قرر عدم الذهاب!! وقال اصمتي يا امرأة، قتلتني بشكوكك، وظنونك أنا باق معك، وسأدع اكتشافها لغيري، وينتهي أمر أمريكا، ويبقى هنودها جيلا بعد جيل أحياء ويعيشون في أرضهم بخير، وأن يكشر بعد ذلك كولومبس لمدة يومين كلما رأى زوجته تمر من أمامه، لوأدها حلمه ثم يتصالحان بعد ذلك، بالدموع والآهات، ويؤجل موضوع اكتشاف أمريكا لعصر آخر ولرجال آخرين!! الرسالة ظريفة حقا وتسقط أوضاع المرأة عندنا على أوضاع أخرى ومجتمعات أخرى، واللطيف فيها أن المرأة العربية بدأت تتلمس الكثير مما يعانيه المبتكرون وأصحاب الأفكار من صعوبات تبدأ بالبيت، ولا تنتهي في المجتمع العريض، مختلف الأنواع من الصعوبات، صعوبات مادية وبيروقراطية، وعدم إيمان مجتمعي بالمبدع والمبتكر، وتخلف عام يضرب جذوره في كل مناحي حياتنا، ابتداء من التعليم الناقص في مدارسنا القائم على التلقين، والتلقين فقط الذي ينسى حالما يخرج التلميذ من قاعة الامتحان، وطالب الجامعة حين تلقيه الجامعة إلى الحياة العملية، فلا يجد مما قرأه فيما حوله، ويكتشف أن كل ما تعلمه من علم قديم، ويعود إلى منتصف القرن الثامن عشر، ولا يجد إلا كل ما هو محبط ومحزن، أما من يتميز بين الطلاب، فهو مدعاة للسخرية من زملائه وأصحابه، وربما حتى من أخوته وأقرب الناس إليه، وقد أنتبه إلى ذلك باحث الاجتماع العراقي المعروف د.
علي الوردي في كتابه ‘وعاظ السلاطين’ فتحدث عن غاندي فقال أنه كان محبوبا ومقدرا من أهل الهند بل أن هناك جماهير غفيرة كانت تقدسه وتصفق له وتحمله على الأكتاف نقول عن الزعيم غاندي انه كان مخلصا عظيما- نقول هذا ونسأل الله تعالى أن يرزقنا زعيما مثله- الواقع أن غاندي لم ينل زعامته بإخلاصه وحده، فهناك الملايين من الهنود كانوا يقدسونه ويكادون يعبدونه، وكلما ازداد الطغاة في طغيانهم عليه ازدادت الجماهير إعجابا به وازداد هو إيمانا وإخلاصا’ ويكمل الكاتب قائلا: ‘ ومن حسن حظ غاندي إنه لم يولد بين العرب، فلو كان هذا الرجل القميء الذي يشبه القرد يعيش بيننا لأشبعناه لوما وتقريعا، ولربما رمينا عليه الأقذار، وضحكنا على ذقنه’ نعم للأسف هذا ما يحصل لمفكرينا وقادتنا، وأصحاب الرأي عندنا، ومن يجد في نفسه ما لا يستطيعه غيره، وكل واحد يحاول أن يطمس الآخر ويحيله أما إلى نسخة مشابهة لما هو متوفر، أو يطمسه لئلا يقرأ إلى الأبد، ولا يعرف أحد ما يريد، مهما دارت من حول الأمكنة التي عاش فيها الأضواء باحثة عن أثر له، وسط ظلامنا وضياعنا وتخلفنا. للأسف لم نجد في مجتمعنا رئيسا أو نائب رئيس أو رئيس وزراء أو وزيرا أو ثريا ينفق على صبي متفوق وفقير، حتى يفرغ من دراسته العليا، ولم نجد من هؤلاء ومن أغنيائنا من يتولى مشروعا لطباعة مؤلفات كتابنا الشباب الأدبية والفكرية، حتى لو كان ذلك المشروع يكلفه خسارة مالية في بداية الأمر، ولم نجد من يتبرع لبناء مختبر ويجهزه بما يحتاجه من لوزام مختبريه ويهديه إلى أحدى مدارسنا الفقيرة، ولم نجد محسنا يتبرع ببناء مدرسة بنيت صفوفها من الطين في القرى البعيدة من مدننا، ولم نجد إلا من قلة قليلة من السياسيين، الذين ينفقون الكثير من الأموال على حملاتهم الانتخابية بدلا من أن يفكروا ببناء ملجأ للأيتام أو دار لأصحاب الإعاقات، حتى لكثرة النماذج المغايرة (الايجابية) التي نراها في الغرب تجعلنا نعيد التفكير بمقولة أن العربي كريم، وأن الكرم تتصف به هذه القومية أكثر من غيرها، فنحن نقرأ عن أوربيين تركوا أموالهم وثرواتهم لإنشاء مكتبات عامة، وأوصوا في وصياتهم ببناء مستشفيات، ومرافق لإيواء الشيوخ والعاجزين، ولم نسمع يوما أن أسرة عربية متوسطة الحال تعهدت بتربية يتيم متفوق، وتعهدت بتلبية حاجاته مع أبنائها حتى يكمل دراسته، ويشق طريقه، ويكون ناجحا في حياته، ولكننا نجد هذا النوع من التكافل الاجتماعي في أوربا، فتتعهد أسرة انجليزية طالبا فقيرا من أفريقيا أو عربيا من أسيا، أو تأتي أسرة من أمريكا لتتبنى طفلا يتيما في باكستان أو إحدى دول أفريقيا، للأسف لقد أثبتت الأيام أنهم أكرم منا، وأكثر حفاوة بمبدعيهم ومبتكريهم، ولا يضعون العصا في دواليب من يظهر أمارات التفوق والنبوغ منهم بل يقفون صفوفا تحت المطر ليشتروا كتابا جديدا لمؤلف أعجبتهم طريقته بالكاتبة، ولي أن أعود من جديد لصاحبنا المكتشف الكبير كريستوفر كولومبس الأعزب، الذي توفى عام 1506م، وأن أختم به مقالي فأقول: لو كان متزوجا من عربية، فوحده الله يعلم إن كان سيفكر حتى بالسفر لإسبانيا للحصول على تمويل لرحلته الشهيرة!! كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب[email protected]