آخر فيلم اشتبكت فيه السينما مع السياسة قبل قيام الثورةالقاهرة “القدس العربي” من كمال القاضي: في نهاية الموسم الشتوي وقبل إندلاع ثورة 25 يناير بنحو شهر تقريبا كان من بين الأفلام المعروضة بدور السينما فيلما بعنوان ‘الثلاثة يشتغلونها’ للسيناريست يوسف معاطي والمخرج علي إدريس، الفيلم لم يأخذ حقه من النقد فقد اختلف عليه البعض وأيده البعض الآخر، ولكن الجمهور وقف حائرا بين الفريقين. وبرغم ان البطولة لياسمين عبدالعزيز وهي النجمة الكوميدية المحبوبة إلا أن الإقبال لم يكن في المستوى المتوقع، وخلال أيام وقبل أن تتحدد نتيجة الاختبار الحقيقي للفيلم وصناعة تلاحقت الأحداث السياسية تباعا وتزايدت موجات الغضب وقامت الثورة، وبالطبع تعطل نشاط دور العرض ورفعت أفلام كثيرة من السوق الى حين تحسن الأحوال، ولما طالبت فترة عدم الاستقرار ظهرت الأفلام بعد الحراك النسبي لحركة البيع والشراء في الفضائيات وعرض من جديد فيلم ‘الثلاثة يشتغلونها’ حصريا على قناة ‘الحياة سينما’ ليعاد تقييمه مرة أخرى على ضوء ما طرحه معاطي وإدريس وعلاقته بالثورة، الأمر الذي يخلق مبررا لدينا لإعادة قراءة الأحداث الدرامية مجددا للوقوف على طبيعة الكوميديا السوداء المتصلة بحالة التخبط التي تعانيها البطلة ياسمين عبدالعزيز الطالبة بالفرقة الأولى بكلية الآثار والحاصلة على مجموع مائة وواحد في المائة بالثانوية العامة، حيث تبدأ الأحداث من نقطة التحول الأساسية في حياة ‘نجيبة’ التي تنتمي لأسرة بسيطة مكونة من الأب صلاح عبدالله والأم هالة فاخر ولكنها تنزع بحكم تفوقها الدراسي واحتكاكها بطلاب من مستوى أرستقراطي الى اعتلاء السلم الطبقي فتمعن في التقليد الأعمى وتجاري الوسط الراقي في تحرره وشكلانية حياته التي تنعكس على سلوك أبنائه المنغمسين في السهر والملذات، وبموجب اقتراب الفتاة الساذجة من الزملاء وارتباطها عاطفيا بواحد منهم تزداد تعلقاً بحياة الرفاهية والشاب التي تتصور انه فتى الأحلام، وإزاء الرغبة العارمة في الانتماء لهذا الوسط تقع في المحظور وتتخلى عن دراستها وترسب في امتحان السنة الأولى بالكلية بعد أن منحت ورقة إجابتها للحبيب الطائش فنجح بجدارة، بينما رسبت هي وحينئذ تركها وتزوج من أخرى تناسبه طبقيا لتواجه نجيبة أو ياسمين عبدالعتزيز الصدمة الأولى في حياتها وتدخل دائرة مختلفة عن طريق شاب آخر يدعي اليسارية يغرر بها ويفهمها انه من المؤمنين بالإشتراكية والعدالة الاجتماعية وحقوق الطبقة العاملة فتصدق شعاراته وتتبنى أفكاره وتجد ضالتها في الدفاع عن حقوق طبقتها فتكون النتيجة الحتمية هي القبض عليها وتكتشف في قسم البوليس بأن الشاب اليساري الثوري كذاب ومخادع وانتهازي ويتكسب من لعب دور الناشط السياسي ولا علاقة له بجوهر العمل الوطني النضالي، وبين رحلة البطلة من محاولة الانتماء البرجوازي الى الانتماء الاشتراكي وانتقالها من النقيض الى النقيض يكشف معاطي سوءات كل اتجاه محذرا من الانخراط دون دراية وعلم في هوة التيارات المتصارعة بالانتماء أو التشجيع قبل التحصن بالقيمة الحقيقية الممثلة في العلم فالسيناريست يرى الأحزاب السياسية مجرد دكاكين لبيع الأفكار والمتاجرة في عقول الشباب، غير أن الحقيقة تتجلى في غياب الإسهام الفعلي لهذه الأحزاب على مستوى الواقع، وأن الأمر كله لا يعدو كونه ديكورا متفق عليه بين الحكومة والمعارضة لعقد صفقات تفوز فيها التجمعات المسماة بالقوى السياسية وتكون الضحية هي الشباب المضحوك عليه، وعلى قدر ما يحمله المعنى الضمني للفيلم من مرارة تبقى هناك حقيقة ما هي لعبة الشطرنج المستمرة بين أصحاب القرار في بلد لا يتمتع بأي ديمقراطية ونخبة تؤدي دور الكورس تردد نشيد الحرية وحقوق الإنسان كي يسمع العالم دوياً فيظن أن ثمة شيء يحدث في دول العالم الثالث، لم يستثنى الصديقان المبدعان السيناريست يوسف معاطي والمخرج علي إدريس التيار الديني من المشهد الكاريكاتيري ولكنهما يرصدان تفاصيله وما يحدث في دهاليزه وكواليسه، إذ تمر نجيبة بتجربة مماثلة مع شاب آخر من الدعاة العصريين المتفرنجين يتسلط عليها بكلامه المعسول ويتسلل اليها من نقطة الضعف الفطرية الخاصة بالعقيدة الإسلامية والدين ويبدأ في النصح والإرشاد كبداية ثم يتطور الأمر الى ارتداء العباءة السوداء الفضفاضة والخمار، رداء العفة وقبل ان يطلب منها الزواج يغريها بالعمل معه في الفضائية الخاصة كداعية، وحينئذ تكون قد دخلت دائرة أخرى مطلوب فيها ان توطن نفسها على قبول ما يقبله الشيخ ورفض ما يرفضه بوصفه ولي نعمتها ومصدر رئيسي لرزقها الحلال، وأثناء المستوى الثالث من الرحلة تكتشف البطلة ونكتشف معها ان الشكل الخارجي للداعية الديني ما هو إلا غطاء يخبيء خلفه أسرار كثيرة فالرجل يحب السهر ويتردد على أماكن الموسيقى والصخب ويدخن الشيشة ويلعب ذات اللعبة السياسية التي تلعبها التيارات الأخرى مع النظام لزوم البقاء تحت الضوء في صدارة المشهد الإعلامي، وهنا يتأكد بالفعل أن ‘الثلاثة يشتغلونها’ والمقصود بالثلاثة هم البردوازيين واليساريين والإسلاميين، الكل يسعى لامتلاكها والسيطرة عليها وإدارتها حسبما يتراءى لأي منهم ووفق منهجه الخاص، أما الفتاة فهي الرمز المجسد لمصر العارية الآن من أية حماية ثقافية وعلمية تجعلها بعيدة عن خطر الامتلاك، وهي نفسها الصورة الراهنة بعد الثورة حيث تموج الساحة بالصراعات وتتبارى كل التيارات والأحزاب والقوى المستقلة على التحدث باسمها وقيادتها في محاولات مستميتة من جانب كل تيار لاستمالة الشعب ناحيته ليشكل القوة الضاربة ويمكنه من شرعية امتلاكها، بينما الشعب لم يثق بعد في صلاحية من يتقدمون للأخذ بزمام السُلطة ويحتاج لمزيد من الوقت كي يحسن اختياره، الفيلم يترك الحرية لمصر في اختيار مصيرها ويشير الى العلم كوسيلة وحيدة لنمو الوعي ونضج التجربة السياسية وتأهيل البلاد تأهيلا حقيقيا لممارسة مسئولياتها دون ضغوط أو استقطابات من أي نوع، وأتصور أن علي إدريس نجح في التركيز على هذا المفهوم وبلورته بما يدل عليه من أدوات التأثير الفني.
الصورة والحوار والأداء التمثيلي لكل الأبطال، صلاح عبدالله ولطفي لبيب ورجاء الجداوي ومحمد لطفي وضيف الشرف أحمد عز الذي أغلق به المخرج دائرة الحوار وأنهى الجدل للتأكيد على أن نهاية السباق لابد أن تكون في الحرم الجامعي وداخل قاعة المحاضرات، لتستريح البطلة ياسمين عبدالعزيز من رحلة طوافها حول الأفكار بامتلاك سلاح العلم والمعرفة والمضي قدماً نحو مقاومة الجهل الذي يتسبب في ارتكاب كل الجرائم باسم الحرية مرة وباسم الدين مرات!