الاستنساخ الثالث لعمر وسلمىالقاهرة ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: النجاح الجماهيري الذي حققه فيلم ‘عمر وسلمى’ في الجزء الأول كان دافعاً رئيسياً لإنتاج الجزئين الثاني والثالث بافتعال تفاصيل وحواديت لمد الخيوط الدرامية في كل الاتجاهات وتقليب الحكاية على كل الوجوه فمن القصة الرومانسية للمطرب العاطفي تامر حسني إلى تراجيديا الزواج وثنائية الشجار والنقار، إلى كوميديا ممسوخة عديمة اللون والطعم والرائحة لا تصلح لغير الصبية والمراهقين من جمهور معبود الشباب صاحب الصوت الرنان.
الفيلم بأجزائه الثلاثة المتشابهة يمثل تنويعاً على السائد في السوق السينمائية وليس به من خصوصية أفلام المطربين شيئاً، فلم نلحظ ما يمت للفيلم الغنائي بصلة كما هو معهود في أفلام المطربين سواء في زمن الريادة أو في المرحلة الوسطية التي كانت بداية لغزو ما يسمى بالأغنية الشبابية، وهي وإن كانت تسمية خاطئة لكنها سادت لفترة طويلة ومازالت إلى الآن تتردد، وفي رأيه أن التوصيف جاء للخروج من حرج المقارنة بين الأغنية بمواصفاتها الحقيقية واللا أغنية، لذا كان الأسهل البحث عن إصطلاح جديد تندرج تحته إجتهادات المتعلقين بالغناء وهم لا يملكون الموهبة!! وبعيداً عن استطرادات الأزمة الغنائية وقدرات المطربين والمطربات فإن الفيلم لم يكن سوى استثمار لحالة الضجيج المثارة حول تامر حسني وهيام الفتيات القاصرات به كفتى أحلام تراود صورته خيالهن الساذج بوصفه النموذج المثالي للشاب العصري ‘المترقق’ وليس الرقيق، هذا بالنسبة للبطل الذي كان سبباً في قص وتفصيل ثلاثة أفلام من قماشة واحدة تولى حياكتها المخرج أحمد البدري وصمم أشكالها حسب رؤيته وهواه دون ارتكان فني للمضمون والمعنى والهدف فكل ما كان يشغله هو الفورم وحضور البطل كعنصر أساسي في كل كدر، وبالطبع كان حضور البطلة أيضاً ضرورة لخلق الحوار والإيهام بوجود قصة وسيناريو وحوار وجو سينمائي رومانسي حار أو كوميديا ‘سبايسي’ على حد ظن المخرج والأبطال والمنتج الذي مول المشروع ليفوز بالغنيمة!
أما السينما كصناعة ومتعة فكانت من وراء القصد، حيث لا تعدو فكرة الجزء الثالث أكثر من كونها حالة ارتجالية لصراع مزعوم بين زوج غني وصرفه يتخلى عن كل واجبات الحياة العائلية وينصرف إلى اللهو والسهر ومطاردة النساء ويحلم بأن يصبح مطرباً شعبياً، بينما زوجته ‘مي عز الدين’ لا تؤمن به كفنان ولا ترى فيه من أمارات المطرب شيئاً يبرر حُلمه، ومن ثم تشتعل بينهما الخلافات وتزداد حدتها، لا سيما أن الزوج يختار من بين ألوان الغناء الشرقي اللون الشعبي وهو ما يثير استفزازها، فزوجها ينتمي حسب السياق الدرامي إلى الطبقة الأرستقراطية ولا يليق به أن يكون نموذجاً لمطرباً شعبياً يخالط كُتاب الأغنية المسفه ومطربي الدرجة الثالثة وأرباب الكباريهات الذين يمثلهم في الفيلم الفنان عبدالله مشرف ‘صانع النجوم’ والممثلة اللبنانية ‘لامتيا’، زوجته التي لا يمانع دخولها في علاقة مع أحد معارفه أو أصدقائه، طالما أن العائد مجزي ومرضي ويفي بالحاجة.
على أثر هذه الانحرافات وما شابهها، فضلاً عن علاقة الأب ‘عزت أبو عوف’ المنفتحة مع ابنه تامر حسني ومجاراته في كل نزواته يأتي الرفض الكامل من جانب ‘مي عز الدين’، الزوجة المسكينة الضائعة بين حرصها على تربية ابنتيها واستهتاره زوجها فتكون النتيجة الطبيعية هي طلب الخلع الذي أيدته المحكمة في جلسة قضائية فريدة من نوعها هي اقرب إلى المسخرة منها إلى الكوميديا، المهم أن الخلع قد تم وحصلت البطلة على حريتها ليبدأ الفاصل الثاني من المهزلة الرومانسية الكوميديا التراجيدية السينمائية فنرى صوراً وآيات من البلاهة وأجواء من أفلام العصابات ورعاة البقر، حيث المطرب الفاشل يرتب ويخطط لخطف ابنتيه الصغيرتين بالاتفاق مع حزمة من عتاة المجرمين والبلطجية للانتقام من زوجته ويقوم بتمثيل دور المنقذ للفت نظرها واستعادة ثقتها فيه، ثم يتبين أن ما حدث كان تمثيلية شارك فيها الأب والجد أبو عوف وأصدقاء مي لإدخال الزوج التجربة القاسية والخروج منها زوجاً مثالياً كأنه طفل كان في حاجة لمن يروضه ويهديه إلى طريق الصواب.
هذا عن الحدوتة الملتوتة، أما عن السيناريو والحوار والأداء التمثيلي فحدث ولا حرج فأقل ما يمكن أن توصف به بعض العبارات التي جاءت على لسان عبدالله مشرف مؤلف الأغاني السوقي هو عدم اللياقة فقد درج على لسانه ذكر الملابس الداخلية بمسمياتها الشعبية جداً بشكل مخجل دونما حاجة درامية لذلك، غير أن الإيحاءات نفسها حملت الكثير مما يخدش الحياء العام بدعوى أن هذه هي لغة وثقافة رجل يقضي حياته بين العامة والدهماء ورواد علب الليل والسكارى، والحقيقة أن التبرير ليس في محله وإنما الرغبة فقط في الفحش هي الدافع وراء الابتذال والتخلي عن قواعد الكتابة الدرامية ومهنية السينما!
إن التفتيش في تفاصيل الحوار يمكن أن يقودنا إلى كثير من نقاط الضعف في الفيلم الذي يعد الأعلى في نسبة الإيرادات على الإطلاق ويفسر لنا إختلال الذوق العام وتأثير الدعاية السلبية للمنتج الفني الضعيف على مستقبل السينما المصرية أو بالأحرى على أفلام المطربين أو أشباههم برغم أن المطرب المتصدر لدور البطولة لم يغني أغنية واحدة تميزه عن بقية الأبطال وتجعله جديراً بالدور.