قاسم حداد
في أوج التصاعد النمطي لموسيقى النشوء، وفي التحول المذهل عبر الزمان والمكان من وإلى، كالدخول في المرايا عبر زئبق الكلام، ستتحرك عصا الشاعر/ المايسترو بتموجات أثيرية عبر جموح الفكرة بين حدة الموسيقى ورقتها، والامتدادات والانحناءات، لافتتاحية معدنية واسعة كأن صوت الموسيقى يخرج منها، وكأن المعدن مذاب في صوت الموسيقى الذي ينتفض مع تسارع نبضات القصيدة، هكذا في إلهام معدني هادر يطوي لمعان البرق في صهيله ويتناظر مع المستقبلية التي أصبحت من الماضي، رغم أن مستقبلها على بعد توقيت، هذا ما لم يخطر على بال جياكامو بالا في توزيعه الديناميكي للون والحركه، ولا كاندينسيكي في سلمه اللوني يبتدأ الشاعر قاسم الحداد قصيدته (كونشرتو بهو السفر) على اعتبارها نوته موسيقية لكونشرتو بكلمات تمازج الواقع والخيال والحلم واليقظة:
يختلط عليكَ المكان والوقت
فهدير العجلات في نهر الحديد القديم
صوتٌ رصينٌ منذ العتبات الرحبة
تدركه وأنت مقبلٌ على البهو
تسمع ذلك الصليل الكثيف على الجانبين
وتحسّ بوقعه المتثاقل
لفرط المسافة ووطأة العبء،
يستقبلك فتتقدم
محاكاة الموسيقى
هذا الحضور المهيب كذكرى الحاضر، وهو الحاضر في مضارع حضوره عبر سيميائياته البصرية، كمغامرة في متاهات فلسفة الزمن لهنري برغسون، أو الحدس في حضوره الأول على طيف التحول لمحاكاة الموسيقى وإلهام التأمل، لمبنى تحول عبر الزمان، مارقا عبر موسيقى (باسيفيك 231) لآرثر هونيجر، وقدريات بتهوفن في السمفونية الخامسة، إلى موسيقى دبوسيه الباحث عن كمال الأبيض وتمامه، حيث تعانق الموسيقى أثر التشكيل، ونرى استحالة حضور هذا المشهد، لولا كلمات الشاعر في محاولة للقبض على اللحظة، وهي محاولة لتمثيل التوهج الشعري والإحساس الديناميكي للحضور، كأنه موجود في حالة من التدفق المستمر وهو يتحرك عبر الزمان والمكان، وكأن اللغة هنا تحمل أفكار التشكيل وتخلق تأثيراً ثلاثي الأبعاد، ولرسم توضيحي لنوتة كونشرتو ، تدخل في احتمالات الموسيقى، وهذا ما تظنه الموسيقى أيضا، وأنها دخلت في احتمالات التشكيل وأن الكلمات نور في النداء وضياء في الصدى، وأنها أول الكلام، وآخر الكلام، وأنها تشكيل في الكلام:
تهطل اللوحات بأشكالها الهائلة
قماشة تدبّ فيها الحياة وتنهض
مخلوقات تحيط بخطواتك
متصلة بأمثولات محسوسة
منذ عجائن الزيوت المنسية
حتى صلصال الطين الطازج
صرير الصخر المكبوت
ومرايا الغرانيت
موسيقى الحياة
وتبدأ الحياة فنرى المتحف عبر عيون القصيدة وفي القصيدة أيضا، فالشاعر جعلنا ندخل في الحياة التي تسري في اللوحات والتماثيل، وأنها تحيط بنا ومن حولنا، فنحن الآن في زمانها ومكانها، عبر الكلمات وهي تتشكل فيقرأها الضوء حلما في الخيال، هكذا نرى الموسيقى كأنها وتر في الكلام، فالشاعر الذي أغرته موسيقى الكتابة يموسق رقصة الهواء المنسجمة مع تسارع الضوء في بهو السفر الذي تحول إلى متحف أورسي:
تماثيلُ ما إن تضعَ يدَكَ عليها
حتى تستيقظ فيها الأحلامُ
يشبُّ الحجرُ
يسعى لدفء يديك
يمسُّكَ فتألفُ المكانَ
متقمصاً الأشكالَ والخطوط
بشظايا القطن والصوف والحرير
عناصر مشمولة بأصابع رسامين أصحاء
أثمَلتْهُمُ المسافةُ
يترنحونَ بفعل الوجد
توزيع موسيقي
هل يكون الضوء هو الموسيقى بلمسة ساطعة للغاية، بينما يحمل بكامل اندماجه في المشهد الشعري/ السينمائي، وبتوزيعه المتداول بجميل مفاتنه في الشكل واللون، وهذا ما يناسب القصيدة تماماً، في حلمها التشكيلي عبر اللغة الشعرية التي تنبض بالإيحاء وتورق بالتأويل، وهي في الحلول والتحول ومن ثم السيرورة الإبداع والتكوين، فالآن هنا تكون الموسيقى عند حافة الكلمات، فينساب قوسها على وتر التشيللو، وفق استرساله خفوتاً أو اتقاداً، فيفتتح الحلم ويوقظ الحياة في التماثيل واللوحات على صوت الكمان لتهطل الأنغام على اتساع البيانو، عند كل جملة شعريه لتكون هي لوحة تشكيلية بذاتها، فيجتمع لدينا الماضي والحاضر والمستقبل
تجربة الشاعر
هكذا وبفعل الوجد أخذنا الشاعر قاسم حداد الذي قدم لنا درس الضوء، وجعل موسيقى الكتابة مسموعة، إلى سر الجمال الذي يكشف عن نفسه، ويمضي مع الأحلام، فالقصيدة جعلتنا نشعر كأن الكلمات تشبه بعض لحظاتنا في الحياة، التي بدأت تدب في كل التفاصيل، على شكل كونشرتو من الألوان والأصوات تداعب سمعنا وأبصارنا، وعلى نسق إيقاعات الكلمات المفعمة بالتناغم والانسجام، وأن كل شيء ممكن وجميل في القصيدة كما في الحياة، فأينما نتجه، نجد أنفسنا عالقين في شاعريتها، التي استولى عليها التجلي في الرؤيا، وكأننا نؤول حلماً في لوحة التفسير، وكأن البدء في الفعل الشعري في ابتدأ ابتدأه هو الأقرب إلى التشكيل، فيرسم صوت الموسيقى، حيث يتناغم الضوء مع الكلمات والتشكيل والموسيقى في مجازات طموحة، ونرى الإبداع نهراً يخفق بضفتيه حتى يتحول إلى طائر أبيض، وهذا أحد ابتكارات فن شعر لدى الشاعر قاسم حداد.
كاتب عراقي